من روائع الحكمة للعلامة أبي محمد ابن حزم الظاهري

    شاطر

    الشيخ إبراهيم حسونة
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 9251
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 08/05/2008

    مميز من روائع الحكمة للعلامة أبي محمد ابن حزم الظاهري

    مُساهمة من طرف الشيخ إبراهيم حسونة في 30.06.08 10:51

    من روائع الحكمة للعلامة أبي محمد ابن حزم الظاهري
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة ، والسلام ، على قائد الغر المحجلين ، نبينا محمد ، وآله ، وصحبه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، أما بعد:

    فإن العلامة أبا محمد علي بن حزم الأندلسي المتوفى عام (456) هـ علم من أشهر أعلام هذه الأمة له مكانة عظمى ، ومنزلة عليا في العلم لا تخفى .

    وقد برع العلامة أبو محمد ابن حزم في عدد من العلوم : كالفقه ، والحديث ، والأصول ، والأدب والبلاغة والشعر ، والتأريخ والأخبار ، والنسب ، والمنطق ، والطب ..

    وقد أوتي جدلا و حجة وبلاغة ، يأسر من اطلع على كلامه ، ويملك قبله ، وتقنعه ، أو تفحمه حججه !

    وهو مع ذلك أديب وشاعر مرهف الحس... له قصائد سارت بها الركبان.

    وهو حكيم مجرب له نظر ثاقب ، وذهن يتوقد ، وقوة ملاحظة ، وسبر وتقسيم عجيب لأخلاق الناس وآدابهم .

    وقد حصلت له خطوب وحروب مع أهل زمانه = جرت عليه محن وفتن ، وابتلاءات كثيرة أثرت في نفسه وخلقه وطبعه، وكشفت له من أمور الناس وما تنطوي عليه أخلاقهم وصفاتهم شيئا كثيرا .

    = فكان نتاج ذلك أن كتب كل ما تحصل له من ذلك في كتاب محاولة منه في معالجة أخلاق الناس، وحثهم على الجميل، وكَفِّهِم عن القبيح .

    وهذا الكتاب اسمه : (الأخلاق والسير في مداواة النفوس) أو (مداواة النفوس)

    يقول في مقدمة كتابه :
    .. جمعت في كتابي هذا معاني كثيرة ، أفادنيها واهب التمييز تعالى بمرور الأيام وتعاقب الأحوال ، بما منحني عز وجل من التهمم بتصاريف الزمان ، والإشراف على أحواله ، حتى أنفقت في ذلك أكثر عمري ، وآثرت تقييد ذلك بالمطالعة له ، والفكرة فيه على جميع اللذات التي تميل إليها أكثر النفوس ، وعلى الازدياد من فضول المال ، وزممت كل ما سبرت من ذلك بهذا الكتاب ، لينفع الله تعالى به من يشاء من عباده ممن يصل إليه بما أتعبت فيه نفسي ، وأجهدتها فيه ، وأطلت فيه فكري ، فيأخذه عفواً ، وأهديته إليه هنيئاً ، فيكون ذلك أفضل له من كنوز المال ، وعقد الأملاك ، إذا تدبره ويسره الله تعالى لاستعماله ، وأنا راج في ذلك من الله تعالى أعظم الأجر لنيتي في نفع عباده ، وإصلاح ما فسد من أخلاقهم ، ومداواة علل نفوسهم ، وبالله أستعين .اهـ

    وعزمت أن أنتقي من هذا الكتاب ما استحسنه مع نصيحتي للكل بقراءته كاملا ، فهو بحر مليء بالدرر .. لا غنى لطالب العلم عنه .

    والآن وقت الشروع في المقصود :

    قال رحمه الله ص 2 :

    لذة العاقل بتمييزه ، ولذة العالم بعلمه ، ولذة الحكيم بحكمته ، ولذة المجتهد لله عز وجل باجتهاده = أعظم من لذة الآكل بأكله ، والشارب بشربه ، والواطيء بوطئه ، والكاسب بكسبه ، واللاعب بلعبه ، والآمر بأمره ، وبرهان ذلك أن الحكيم العاقل والعالم والعامل واجدون لسائر اللذات التي سمينا ، كما يجدها المنهمك فيها ، ويحسونها كما يحسها المقبل عليها، وقد تركوها وأعرضوا عنها، وآثروا طلب الفضائل عليها، وإنما يحكم في الشيئين من عرفهما لا من عرف أحدهما ولم يعرف الآخر.

    ثم قال :
    إذا تعقبت الأمور كلها فسدت عليك ، وانتهيت في آخر فكرتك باضمحلال جميع أحوال الدنيا ، إلى أن الحقيقة إنما هي العمل للآخرة فقط ، لأن كل أمل ظفرت به فعقباه حزن ،
    إما بذهابه عنك ،
    وإما بذهابك عنه ،
    ولا بد من أحد هذين الشيئين ،
    إلا العمل لله عز وجل ؛ فعقباه على كل حال سرور في عاجل وآجل،
    أما العاجل فقلة الهم بما يهتم به الناس ، وإنك به معظم من الصديق والعدو ،
    وأما في الآجل فالجنة.

    و قال :
    لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها ، وليس ذلك إلا في ذات الله عز وجل في دعاء إلى حق ، وفي حماية الحريم ، وفي دفع هوان لم يوجبه عليك خالقك تعالى ، وفي نصر مظلوم.
    وباذل نفسه في عَرَض دنيا ، كبائع الياقوت بالحصى!
    لا مروءة لمن لا دين له.
    العاقل لا يرى لنفسه ثمناً إلا الجنة.
    لإبليس في ذم الرياء حبالة ، وذلك أنه رب ممتنع من فعل خير خوف أن يظن به الرياء.
    العقل والراحة هو اطراح المبالاة بكلام الناس ، واستعمال المبالاة بكلام الخالق عز وجل بل هذا باب العقل ، والراحة كلها.
    من قدر أنه يسلم من طعن الناس وعيبهم فهو مجنون.

    من حقق النظر، وراض نفسه على السكون إلى الحقائق وإن آلمتها في أول صدمة كان اغتباطه بذم الناس إياه أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه ؛ لأن مدحهم إياه ، إن كان بحق وبلغه مدحهم له = أسرى ذلك فيه العجب = فأفسد بذلك فضائله .
    وإن كان بباطل فبلغه فَسَرَّه ، فقد صار مسروراً بالكذب ، وهذا نقص شديد.
    وأما ذم الناس إياه ، فإن كان بحق فبلغه ، فربما كان ذلك سبباً إلى تجنبه ما يعاب عليه ، وهذا حظ عظيم ، لا يزهد فيه إلا ناقص .
    وإن كان بباطل وبلغه فصبر = اكتسب فضلاً زائداً بالحلم والصبر ، وكان مع ذلك غانماً ؛ لأنه يأخذ حسنات من ذمه بالباطل = فيحظى بها في دار الجزاء ، أحوج ما يكون إلى النجاة بأعمالٍ لم يتعب فيها ، ولا تكلفها ، وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا مجنون.
    وأما إن لم يبلغه مدح الناس إياه ، فكلامهم ، وسكوتهم سواء ، وليس كذلك ذمهم إياه ؛ لأنه غانم للأجر على كل حال بلغه ذمهم ، أو لم يبلغه.
    ولولا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثناء الحسن ذلك عاجل بشرى المؤمن = لوجب أن يرغب العاقل في الذم بالباطل ، أكثر من رغبته في المدح بالحق ، ولكن إذا جاء هذا القول ، فإنما تكون البشرى بالحق لا بالباطل ، فإنما تجب البشرى بما في الممدوح لا بنفس المدح.

    ليس بين الفضائل والرذائل، ولا بين الطاعات والمعاصي إلا نفار النفس ، وأنسها فقط. فالسعيد من أنست نفسه بالفضائل والطاعات ، ونفر من الرذائل والمعاصي ، والشقي من أنست نفسه بالرذائل والمعاصي ، ونفرت من الفضائل والطاعات ، وليس هاهنا إلا صنع الله تعالى وحفظه.

    طالب الآخرة ليفوز في الآخرة متشبه بالملائكة،
    وطالب الشر متشبه بالشياطين،
    وطالب الصوت والغلبة متشبه بالسباع،
    وطالب اللذات متشبه بالبهائم،
    وطالب المال لعين المال لا لينفقه في الواجبات والنوافل المحمودة أسقط وأرذل من أن يكون له في شيء من الحيوان شبه !
    ولكنه يشبه الغدران التي في الكهوف، في المواضع الوعرة، لا ينتفع بها شيء من الحيوان.
    فالعاقل لا يغتبط بصفه يفوقه فيها سبع أو بهيمة أو جماد ،
    وإنما يغتبط بتقدمه في الفضيلة التي أبانه الله تعالى بها عن السباع والبهائم والجمادات، وهي: التمييز الذي يشارك فيه الملائكة.
    فمن سر بشجاعته التي يضعها في غير موضعها لله عز وجل فليعلم أن النمر أجرأ منهن وأن الأسد والذئب والفيل أشجع منه ،
    ومن سر بقوة جسمه، فليعلم أن البغل والثور والفيل أقوى منه جسماً ،
    ومن سر بحمله الأثقال ، فليعلم أن الحمار أحمل منه ،
    ومن سر بسرعة عدوه ، فليعلم أن الكلب والأرنب أسرع عدواً منه ،
    ومن سر بحسن صوته، فليعلم أن كثيراً من الطير أحسن صوتاً منه، وأن أصوات المزامير ألذ وأطرب من صوته، فأي فخر وأي سرور في ما تكون فيه هذه البهائم متقدمة عليه.

    رأيت أكثر الناس إلا من عصم الله تعالى ـ وقليل ما هم ـ يتعجلون الشقاء والهم والتعب لأنفسهم في الدنيا، ويحتقبون عظيم الإثم الموجب للنار في الآخرة بما لا يحظون معه بنفع أصلاً ! :
    من نيات خبيثة يضبون [أي: يضمرون] عليها من تمني الغلاء المهلك للناس وللصغار ، ومن لا ذنب له ،
    وتمني أشد البلاء لمن يكرهونه ، وقد علموا يقيناً أن تلك النيات الفاسدة لا تعجل لهم شيئاً مما يتمنونه أو يوجب كونه.
    وإنهم لو صفوا نياتهم وحسنوها ، لتعجلوا الراحة لأنفسهم ، وتفرغوا بذلك لمصالح أمورهم ، ولا قتنوا بذلك عظيم الأجر في المعاد ، من غير أن يؤخر ذلك شيئاً مما يريدونه ، أو يمنع كونه.
    فأي غبن أعظم من هذه الحال التي نبهنا عليها ، وأي سعد أعظم من التي دعونا إليها?

    الشيخ إبراهيم حسونة
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 9251
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 08/05/2008

    مميز رد: من روائع الحكمة للعلامة أبي محمد ابن حزم الظاهري

    مُساهمة من طرف الشيخ إبراهيم حسونة في 30.06.08 10:52

    العلم


    لو لم يكن من فضل العلم إلا أن الجهال يهابونك ويجلونك ، وأن العلماء يحبونك ويكرمونك = لكان ذلك سبباً إلى وجوب طلبه ، فكيف بسائر فضائله في الدنيا والآخرة ؟!

    ولو لم يكن من نقص الجهل ، إلا أن صاحبه يحسد العلماء ، ويغبط نظراءه من الجهال = لكان ذلك سبباً إلى وجوب الفرار عنه ، فكيف بسائر رذائله في الدنيا والآخرة ؟!

    لو لم يكن من فائدة العلم والاشتغال به ، إلا أنه يقطع المشتغل به عن الوساوس المضنية ، ومطارح الآمال التي لا تفيد غير الهم ، وكفاية الأفكار المؤلمة للنفس ، لكان ذلك أعظم داع إليه ، فكيف وله من الفضائل ما يطول ذكره ؟!

    ومن أقلها ما ذكرنا مما يحصل عليه طالب العلم،

    وفي مثله أتعب ضعفاء الملوك أنفسهم ؛ فتشاغلوا عما ذكرنا بالشطرنج ، والنرد ، والخمر ، والأغاني ، وركض الدواب في طلب الصيد ، وسائر الفضول التي تعود بالمضرة في الدنيا والآخرة ، وأما فائدة ، فلا فائدة .

    من شغل نفسه بأدنى العلوم وترك أعلاها وهو قادر عليه = كان كزارع الذرة في الأرض التي يجود فيها البر ، وكغارس الشَّعراء [شجرة من الحمض] حيث يزكو النخل والزيتون.

    نشر العلم عند من ليس من أهله مفسد لهم ، كإطعامك العسل والحلواء من به احتراق وحمى ، أو كتشميمك المسك والعنبر لمن به صداع من احتدام الصفراء.

    الباخل بالعلم ، ألأم من الباخل بالمال ؛ لأن الباخل بالمال أشفق من فناء ما بيده ، والباخل بالعلم بخل بما لا يفنى على النفقة ، ولا يفارقه مع البذل.

    من مال بطبعه إلى علم ما وإن كان أدنى من غيره ؛ فلا يشغلها بسواه ، فيكون كغارس النارجيل بالأندلس، وكغارس الزيتون بالهند، وكل ذلك لا ينجب.

    أجل العلوم ما قربك من خالقك تعالى ، وما أعانك على الوصول إلى رضاه.

    انظر في المال والحال والصحة إلى من دونك ، وانظر في الدين والعلم والفضائل إلى من فوقك.

    العلوم الغامضة كالدواء القوي ، يُصْلح الأجساد القوية ، ويُـهْلك الأجساد الضعيفة.

    وكذلك العلوم الغامضة ؛ تزيد العقل القوي جودة وتصفية من كل آفة ، وتهلك ذا العقل الضعيف.

    لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها ، وهم من غير أهلها ، فإنهم يجهلون ، ويظنون أنهم يعلمون ، ويفسدون ، ويقدرون أنهم يصلحون.

    من أراد خير الآخرة ، وحكمة الدنيا ، وعدل السيرة ، والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها ، واستحقاق الفضائل بأسرها = فليقتد بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليستعمل أخلاقه ، وسيره ما أمكنه ، أعاننا الله على الاتساء به ، بمنّه آمين.

    غاظني أهل الجهل مرتين من عمري:

    أحدهما: بكلامهم فيما لا يحسنونه أيام جهلي،

    والثاني: بسكوتهم عن الكلام بحضرتي ، فهم أبداً ساكتون عما ينفعهم ، ناطقون فيما يضرهم.


    وسرني أهل العلم مرتين من عمري:

    أحدهما: بتعليمي أيام جهلي،

    والثاني بمذاكرتي أيام علمي.

    الشيخ إبراهيم حسونة
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 9251
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 08/05/2008

    مميز رد: من روائع الحكمة للعلامة أبي محمد ابن حزم الظاهري

    مُساهمة من طرف الشيخ إبراهيم حسونة في 30.06.08 10:53

    من فضل العلم والزهد في الدنيا ، أنهما لا يؤتيهما الله عز وجل إلا أهلهما ومستحقهما ،
    ومن نقص علو أحوال الدنيا من المال والصوت ، أن أكثر ما يقعان في غير أهلهما وفيمن لا يستحقهما.
    من طلب الفضائل لم يساير إلا أهلها ، ولم يرافق في تلك الطريق إلا أكرم صديق من أهل المواساة ، والبر ، والصدق ، وكرم العشيرة ، والصبر ، والوفاء ، والأمانة ، والحلم ، وصفاء الضمائر ، وصحة المودة.
    ومن طلب الجاه والمال واللذات ، لم يساير إلا أمثال الكلاب الكلبة ، والثعالب الخلبة ، ولم يرافق في تلك الطريق إلا كل عدو المعتقد ، خبيث الطبيعة.
    منفعة العلم في استعمال الفضائل عظيمة ، وهو أنه يعلم حسن الفضائل = فيأتيها ولو في الندرة.
    ويعلم قبح الرذائل = فيجتنبها ولو في الندرة .
    ويسمع الثناء الحسن = فيرغب في مثله ، والثناء الرديء = فينفر منه ، فعلى هذه المقدمات يجب أن يكون للعلم حصة في كل فضيلة ، وللجهل حصة في كل رذيلة .
    ولا يأتي الفضائل ممن لم يتعلم العلم إلا صافي الطبع جداً ، فاضل التركيب ، وهذه منزلة خص بها النبيون عليهم الصلاة والسلام ؛ لأن الله تعالى علمهم الخير كله ، دون أن يتعلموه من الناس.
    وقد رأيت من غمار العامة من يجري من الاعتدال ، وحميد الأخلاق إلى ما لا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه ، ولكنه قليل جداً.
    ورأيت ممن طالع العلوم ، وعرف عهود الأنبياء عليهم السلام ، ووصايا الحكماء ، وهو لا يتقدمه في خبث السيرة ، وفساد العلانية والسريرة شرار الخلق ، وهذا كثير جداً ، فعلمت أنهما مواهب ، وحرمان من الله تعالى.
    احرص على أن توصف بسلامة الجانب ، وتحفظ من أن توصف بالدهاء = فيكثر المتحفظون منك ، حتى ربما أضر ذلك بك ، وربما قتلك.
    وطّن نفسك على ما تكره = يقل همك إذا أتاك ، ويعظم سرورك ، ويتضاعف إذا أتاك ما تحب مما لم تكن قدّرته.
    إذا تكاثرت الهموم سقطت كلها.
    الغادر يفي للمجدود [المحظوظ] ، والوفي يغدر بالمحدود [عديم الحظ] ، والسعيد كل السعيد في دنياه من لم يضطره الزمان إلى اختبار الإخوان.
    طوبى لمن علم من عيوب نفسه أكثر مما يعلم الناس منها.
    الصبر على الجفاء ينقسم ثلاثة أقسام:
    فصبر عمن يقدر عليك ولا تقدر عليه،
    وصبر عمن تقدر عليه ولا يقدر عليك،
    وصبر عمن لا تقدر عليه ولا يقدر عليك.
    فالأول ذل ومهانة وليس من الفضائل.
    والرأي لمن خشي ما هو أشد مما يصبر عليه: المتاركة والمباعدة.
    والثاني فضل وبر: وهو الحلم على الحقيقة، وهو الذي يوصف به الفضلاء.
    والثالث ينقسم قسمين: إما أن يكون الجفاء ممن لم يقع منه إلا على سبيل الغلط ويعلم قبح ما أتى به ويندم عليه، فالصبر عليه فضل وفرض، وهو حلم على الحقيقة.
    وأما من كان لا يدري مقدار نفسه ويظن أن لها حقاً يستطيل به، فلا يندم على ما سلف منه، فالصبر عليه ذل للصابر، وإفساد للمصبور عليه، لأنه يزيد استشراء، والمقارضة له سخف، والصواب إعلامه بأنه كان ممكناً أن ينتصر منه، وإنه إنما ترك ذلك استرذالاً له فقط، وصيانة عن مراجعته ولا يزاد على ذلك.
    وأما جفاء السفلة فليس جزاؤه إلا النكال وحده.
    من جالس الناس لم يعدم هماً يؤلم نفسه، وإنما يندم عليه في معاده، وغيظاً ينضج كبده، وذلاً ينكس همته، فما الظن بعد بمن خالطهم وداخلهم ?
    والعز والراحة والسرور والسلامة في الانفراد عنهم، ولكن أجعلهم كالنار تدفأ بها، ولا تخالطها.
    لو لم يكن في مجالسة الناس إلا عيبان لكفيا، أحدهما الاسترسال عند الأنس بالأسرار المهلكة القاتلة، التي لولا المجالسة لم يبح بها البائح، والثاني: مواقعة الغلبة المهلكة في الآخرة، فلا سبيل إلى السلامة من هاتين البليتين إلا بالإنفراد عن المجالسة جملة.
    لا تحقر شيئاً من عمل غد أن تحققه بأن تعجله اليوم وإن قل ، فإن من قليل الأعمال يجتمع كثيرها، وربما أعجز أمرها عند ذلك فيبطل الكل.
    لا تحقر شيئاً مما ترجو به تثقيل ميزانك يوم البعث إن تعجله الآن وإن قل، فإنه يحط عنك كثيراً، لو اجتمع لقذف بك في النار.
    الوجع والفقر والنكبة والخوف، لا يحس أذاها إلا من كان فيها، ولا يعلمه من كان خارجاً عنها.
    وفساد الرأي ، والعار ، والإثم لا يعلم قبحها إلا من كان خارجاً عنها، وليس يراه من كان داخلاً فيها.
    الأمن والصحة والغنى، لا يعرف حقها إلا من كان خارجاً عنها، وليس يعرف حقها من كان فيها.
    وجودة الرأي والفضائل وعمل الآخرة، لا يعرف فضلها إلا من كان من أهلها، ولا يعرفه من لم يكن من أهلها.
    أول من يزهد في الغادر، من غدر له الغادر، وأول من يمقت شاهد الزور من شهد له به، وأول من تهون الزانية في عينه، الذي يزني بها.
    كثرة المال ترغب، وقلته تقنع.
    كثرة وقوع العين على الشخص يسهل أمره ويهونه.
    لا يغتر العاقل بصداقة حادثة له أيام دولته ؛ فكل أحد صديقه يومئذ.
    لا تجب عن كلام نقل إليك عن قائل حتى توقن أنه قاله ، فإن من نقل إليك كذباً رجع من عندك بحق.
    ثق بالمتدين ، وإن كان على غير دينك ، ولا تثق بالمستخف ، وإن أظهر أنه على دينك.
    من استخف بحرمات الله تعالى فلا تأمنه على شيء مما تشفق عليه.
    من قبيح الظلم الإنكار على من أكثر الإساءة إذا أحسن في الندرة.
    لم أر لإبليس أصيد ، ولا أقبح ولا أحمق من كلمتين ألقاهما على ألسنة دعاته:
    إحداهما: اعتذار من أساء بأن فلاناً أساء قبله .
    والثانية، استسهال الإنسان أن يسيء اليوم لأنه قد أساء أمس ، أو أن يسيء في وجه ما ، لأنه قد أساء في غيره ، فقد صارت هاتان الكلمتان عذراً مسهلتين للشر ، ومدخلتين له .

      الوقت/التاريخ الآن هو 19.10.17 10:58