فيا بئس ما صنع وبئس ما يصنعون !

    شاطر

    أبو عبد الله أحمد بن نبيل
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 2792
    العمر : 41
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 19
    تاريخ التسجيل : 27/04/2008

    مميز فيا بئس ما صنع وبئس ما يصنعون !

    مُساهمة من طرف أبو عبد الله أحمد بن نبيل في 01.11.10 18:46


    فاصل

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

    أما بعد :

    فقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ( 22/232_233) :" وَرجعَ مِنْ بلاَدِ بُخَارَى خُوَارِزْم شَاه إِلَى نَيْسَابُوْرَ، وَقَدْ بلغَهُ أَنَّ التَّتَارَ قَاصِدُوْهُ، وَجَاءهُ رَسُوْلُ جِنْكِزْ خَان يَطلبُ الهدنَةَ يَقُوْلُ: إِنَّ القَانَ الأَعْظَمَ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ وَيَقُوْلُ: مَا يَخفَى عليَّ عِظَمُ سُلْطَانِكَ، وَأَنْت كَأَعزِّ أَوْلاَدِي، وَأَنَا بيدِي مَمَالِكُ الصِّيْنِ، فَاعقِدْ بَيْنَنَا المَوَدَّةَ، وَتَأَذَّنْ لِلتُّجَّارِ، وَتنْعَمِرُ البِلاَدُ.
    فَقَالَ السُّلْطَانُ لِمَحْمُوْدٍ الخُوَارِزْمِيِّ الرَّسُولِ: أَنْتَ مِنَّا وَإِلَينَا.
    وَأَعْطَاهُ جَوَاهرَ، وَطلبَ أَنْ يَكُوْنَ مُنَاصحاً لَهُ، فَأَجَابَهُ، فَقَالَ: اصدُقْنِي، تَملَّكَ جِنْكِزْ خَان طمغَاجَ؟
    قَالَ: نَعَمْ.
    قَالَ: فَمَا المصلحَةُ؟
    قَالَ: الصُّلحُ.
    فَأَجَابَ، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ جِنْكِزْ خَان، وَمَشَى الحَالُ.
    ثُمَّ جَاءَ مِنْ جِهَةِ التَّتَارِ تُجَّارٌ، فَشَرِهَتْ نَفْسُ خَالِ السُّلْطَانِ مُتَوَلِّي مَا وَرَاءَ النَّهْرِ إِلَى أَخْذِ أَمْوَالِهِم، وَقبضَ عَلَيْهِم، وَظنَّهُم جَوَاسيسَ لِلتَّتَارِ، فَجَاءَ رَسُوْلُ جِنْكِزْخَانَ يَقُوْلُ:
    إِنَّك أَمَّنْتَ تُجَّارَنَا، وَالغَدْرُ قَبِيحٌ، فَإِنْ قُلْتَ: فَعلَهُ خَالِي، فَسلِّمْهُ إِلَيْنَا، وَإِلاَّ سَترَى مِنِّي مَا تَعرِفُنِي بِهِ.
    فَحَارَتْ نَفْسُ خُوَارِزْم شَاه، وَتَجَلَّدَ، وَأَمرَ بِقَتْلِ الرُّسُلِ - فَيَا بِئسَ مَا صَنَعَ - وَحصَّنَ سَمَرْقَنْدَ، وَشحنهَا بِالمُقَاتِلَةِ، فَمَا نَفعَ، وَقُضِيَ الأَمْرُ.
    وَدَخَلتْ سَنَةُ 616: فَتقهقَرَ خُوَارِزْم شَاه، وَأَقْبَلتِ المُغْلُ كَاللَّيْلِ المُظْلِمِ، وَمَا زَالَ أَمرُ خُوَارِزْم شَاه فِي إِدبارٍ، وَسعدُهُ فِي سَفَالٍ، وَمُلْكُهُ فِي زوَالٍ، وَهُوَ فِي تَقهقُرٍ وَاندفَاعٍ، إِلَى أَنْ قَارَبَ هَمَذَانَ، وَتَفرَّقَ عَنْهُ جَمْعُهُ حَتَّى بَقِيَ فِي عِشْرِيْنَ أَلْفاً، فَمَا بَلَعَ رِيقَهُ إِلاَّ وَطلاَئِعُ المُغْلِ قَدْ أَظلَّتْهُ وَأَحَدقُوا بِهِ، فَنجَا بِنَفْسِهِ، وَاسْتَحَرَّ القتلُ بِجُندِهِ، وَفَرَّ إِلَى الجبلِ، ثُمَّ إِلَى مَازَندرَان، وَنَزَلَ بِمسجدٍ عَلَى حَافَّةِ البَحْرِ يُصَلِّي بِجَمَاعَةٍ، وَيَتلُو وَيَبْكِي، ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ كَبَسَهُ العَدُوُّ، فَهَرَبَ فِي مَرْكبٍ صَغِيْرٍ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ نَشَّابُهُم، وَخَاضَ وَرَاءهُ طَائِفَةٌ، فَبقِيَ فِي لُجَّةٍ، وَمَرِضَ بِذَاتِ الجَنْبِ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! مَا بَقِيَ لَنَا مِنْ مَمْلَكَتِنَا قدرَ ذِرَاعَينِ نُدْفَنُ فِيْهَا.
    فَوَصَلَ إِلَى جَزِيْرَةٍ، فَأَقَامَ بِهَا طرِيْداً وَحيداً مجهوداً، وَمَاتَ، فَكَفَّنَهُ فَرَّاشُهُ فِي عِمَامَتِهِ سَنَة سَبْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّ مائَةٍ"

    أقول : تأمل قول الذهبي ( فيا بئس ما صنع ) في نقض خوارزم شاة للهدنة التي كانت بينه وبين طاغية التتر جنكز خان ، لما في ذلك من تعريض المسلمين للهلاك على يد من ليس لهم به قوة
    وليكن في ذلك عبرة للذين يعرضون المسلمين ، لفتك الطغاة دون مراعاة للقدرة وللمصلحة والمفسدة .
    واعلم _ رحمك الله _ أن تحريم قتال العدو في حال عدم القدرة والتمكن من الصلح ، تحريم أصلي يوجد إذا وجد شرطه وليس من باب الرخصة .
    قال الإمام البخاري 3547 - حدثنا أحمد بن واقد: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد ابن هلال، عن أنس رضي الله عنه:
    أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذ بن رواحة فأصيب). وعيناه تذرفان: (حتى أخذها سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم).

    أقول : ومن المعلوم عند أصحاب السير أن خالداً قد انسحب ، فسمى النبي صلى الله عليه وسلم انسحابه فتحاً لما في ذلك من حقنٍ لدماء المسلمين ، بعد أن كانوا عرضةً للهلاك إذ قتل قادتهم جميعاً .
    وحال المسلمين في العهد المكي والأمر بكف الأيدي يدل على هذا المعنى ، وقد ذهب جماعة من المحققين إلى أن آيات الجهاد ليس فيها ناسخٌ ومنسوخ ، وإنما الأمر متعلقٌ بالقدرة ، وهذا فهمٌ حسن فإن المصير إلى دعوى النسخ لا يحصل إلا عند تعذر الجمع والجمع هنا ممكن باعتبار الحال قوةً وضعفاً .
    ويستدل بعضهم على عدم اشتراط القدرة بحديث :" خير السرايا أربعمائة و خير الجيوش أربعة آلاف و لا يغلب اثنا عشر ألفا من قلة "
    وهذا الحديث كان قد صححه الإمام الألباني ثم تراجع عن تصحيحه وهذا التراجع غير موجود في نسخة الشاملة

    قال الإمام الألباني في الصحيحة تحت حديث رقم 986 :" أخرجه أبو داود ( 1 / 407 ) و الترمذي ( 1 / 294 ) و ابن خزيمة في " صحيحه " (1 / 255 / 1 ) و ابن حبان ( 1663 ) و الحاكم ( 1 / 443 و 2 / 101 ) و أحمد ( 1
    / 294 ) و عبد بن حميد في " المنتخب من المسند " ( 73 / 1 ) و محمد بن مخلد في" المنتقى من حديثه " ( 2 / 3 / 2 ) و الضياء في " المختارة " ( 62 / 292 / 2 )
    من طريق وهب بن جرير حدثنا أبي سمعت يونس عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله
    عن ابن عباس مرفوعا . و قال الحاكم : " صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه
    لخلاف بين الناقلين فيه عن الزهري " . و كذا قال الذهبي . و قال الترمذي :
    " حديث حسن غريب لا يسنده كبير أحد غير جرير بن حازم و إنما روي هذا الحديث عن
    الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، و قد رواه حبان ابن علي العنزي عن
    عقيل عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، و رواه
    الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا " .
    قلت : جرير بن حازم ثقة احتج به الشيخان و قد وصله و هي زيادة يجب قبولها و لايضره رواية من قصر به على الزهري و لذلك قال ابن القطان كما في الفيض : " هذاليس بعلة فالأقرب صحته " . و قد تابعه حبان بن علي العنزي على وصله ، كما ذكره
    الترمذي . و وصله لوين في " حديثه " ( ق 2 / 2 ) : حدثنا حبان بن علي به .
    و هكذا وصله ابن عدي ( 108 / 1 ) من طريق أخرى عنه . و أخرجه الطحاوي في
    " المشكل " ( 1 / 238 ) من طريق النسائي عنه . و أخرجه الدارمي ( 2 / 215 )
    هكذا : حدثنا محمد بن الصلت حدثنا حبان ابن علي عن يونس و عقيل عن ابن شهاب عنعبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس مرفوعا به نحوه بلفظ : " و ما بلغ اثني عشر ألفا فصبروا و صدقوا فغلبوا من قلة " . و رجاله كلهم ثقات رجال البخاري غير
    حبان بن علي و هو ضعيف لكنه لم يترك كما قال الذهبي ، فمثله يستشهد به .
    و رواية الليث التي علقها الترمذي عن عقيل عن الزهري مرسلا و صلها الطحاوي منطريق ابن صالح عنه . و ابن صالح اسمه عبد الله كاتب الليث و فيه ضعف فلا يحتج به عند التفرد فكيف عند المخالفة ؟ "
    إلى هذا الحد هو الموجود في الشاملة

    ثم قال الشيخ بعد ذلك مستدركاً :" هذا ما كان وصل إليه علمي منذ أكثر من عشرين سنة ، ثم وقفت على أمور اضطررت من أجلها إلى أن أعدل عن القول بصحة الحديث ، راجياً من المولى سبحانه وتعالى أن يلهمني الصواب في ذلك "

    ثم ذكر أسباب عدوله عن التصحيح في بحثٍ رائق راجعه هناك أكتفي منه بقوله :" وإنه مما يؤكد ما تقدم من التحقيق جزم أبي داود والبيهقي بخطأ الرواية المسندة كما تقدم ، وكذلك قال غيرهما ، مثل أبي حاتم وابنه ، فقد ساق هذا الحديث في كتابه العلل (1/347/1024) من الوجهين المسندين _ أعني طريق جرير وحبان _ ثم قال : (( فسمعت أبي يقول : مرسل أشبه . لا يحتمل هذا الكلام أن يكون كلام النبي صلى الله عليه وسلم ))

    قلت ( القائل الألباني ) : ولعل نفي أبي حاتم _ رحمه الله _ لهذا الاحتمال إنما هو لمخالفة الحديث لظاهر قوله تعالى :" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونََغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ"
    الشاهد منه التخفيف المذكور فيه "

    ثم نقل عن ابن كثير في تفسيره ما يدل على هذا المعنى وإليك كلام الحافظ ابن كثير كاملاً لنفاسته
    قال ابن كثير :"ثم قال تعالى مبشرا للمؤمنين وآمرا: { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا } كل واحد بعشرة ثم نسخ هذا الأمر وبقيت البشارة.
    قال عبد الله بن المبارك: حدثنا جرير بن حازم، حدثني الزبير بن الخريت عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } شق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال: { الآن خفف الله عنكم } إلى قوله: { يغلبوا مائتين } قال: خفف الله عنهم من العدة، ونقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم.
    وروى البخاري من حديث ابن المبارك، نحوه
    وقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في هذه الآية قال: كتب عليهم ألا يفر عشرون من مائتين، ثم خفف الله عنهم، فقال: { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين.
    وروى البخاري، عن علي بن عبد الله، عن سفيان، به ونحوه
    وقال محمد بن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفا، فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال: { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } الآية، فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدو لهم لم ينبغ لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك، لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم"



    أقول : تأمل هذا الفقه الدقيق من هذين الإمامين أبي حاتم والألباني اللذين رميا زوراً وبهتاناً بقلة البضاعة في الفقه فأثر ابن عباس صريحٌ في اشتراط القدرة واباحة الفرار إذا كانوا دون الشطر من عدوهم

    وحتى لو صح الحديث ، فإنه محمولٌ على الغالب ، وما أخذ مأخذ الغالب فلا مفهوم له كما هو مقرر في علم الأصول ، وذلك كقوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة " ، فليس فيه اباحة القليل من الربا لأنه أخذ مأخذ الغالب وما أخذ مأخذ الغالب فلا مفهوم له .

    والقواعد الشرعية العامة مثل قاعدة ( لا ضرر ولا ضرار ) ،وقاعدة ( ارتكاب أدنى الضررين ) ، وقاعدة ( المشقة تجلب التيسير ) تدل على هذا الفهم .

    هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

    كتبه عبد الله الخليفي


    منقول من سحاب السلفية






    .

      الوقت/التاريخ الآن هو 23.10.17 15:22