توضيح لقول الفقهاء : "تتغير الأحكام الشرعية بتغير الزمان والمكان"

    شاطر

    الشيخ إبراهيم حسونة
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 9251
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 08/05/2008

    مميز توضيح لقول الفقهاء : "تتغير الأحكام الشرعية بتغير الزمان والمكان"

    مُساهمة من طرف الشيخ إبراهيم حسونة في 30.10.10 16:36

    توضيح لقول الفقهاء :
    "تتغير الأحكام الشرعية بتغير الزمان والمكان"

    كتبه :
    الشيخ الفاضل أبو عمار علي الحذيفي
    حفظه الله






    توضيح لقول الفقهاء:

    "تتغير الأحكام الشرعية بتغير الزمان والمكان":

    كتبه:

    أبو عمار علي الحذيفي


    قول الفقهاء:

    " تتغير الأحكام الشرعية بتغير الزمان والمكان ":

    إن من يتابع مقالات الليراليين – الذين يريدون إخضاع الشريعة لمتغيرات العصر – يجد أنهم يستدلون على انحرافهم الفكري بعدة أدلة منها: قول الفقهاء: "تتغير الأحكام الشرعية بتغير الزمان والمكان" مع أدلة أخرى كثيرة ليس المقام مقام بسطها فلها موضع آخر، لكن الذي يهمنا هنا هو هذه المقالة، وقول الفقهاء: "تتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان" ليس على إطلاقها، بل هي عندهم على تفصيل، وهم يقيدون مثل هذه القواعد بأشياء لا كما يقول هؤلاء، فيقال: إن الأحكام الشرعية قسمان:
    الأول: قسم ثابت بالنص، فالحكم فيه ثابت لا يتغير لأن المصلحة ثابتة بثبوت هذا النص لا تتغير إلا بتغيره، كوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها، وكحرمة الزنى، والخمر، والقتل، والظلم، ونحو ذلك، فهذه أحكام ثابتة لا يمكن أن تتغير لأن في تغير هذه الأحكام مفاسد عظيمة.
    والثاني: أحكام تتغير فيها الفتوى بتغير هذه الأزمنة والأمكنة.
    وهذه القاعدة ينبغي أن تضبط بأمرين مهمين:
    الأول: بيان نوعية هذه الأحكام التي تتغير بتغير الزمان والمكان.
    والثاني: بيان نوعية هذه العوامل التي تغير هذه الأحكام.
    وسنتكلم عن هاتين المسألتين بشيء من التفصيل:

    المسألة الأولى:

    الأحكام التي تتغير بتغير الزمان والمكان:


    تكاد أن تتفق كلمة الفقهاء أن الأحكام التي تتغير بتغير الزمان والمكان هي الأحكام التي تتعلق بالاجتهاد، ومن هذه الأحكام أحكام شرعت لمصلحة معينة، فلو انتفت عنها المصلحة لم تكن مشروعة لانتفاء العلة كما ستأتي بعض الأمثلة عليها من فعل الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وغيرهم، ومن هنا قال الفقهاء: (لا ينكر تغير الأحكام الاجتهادية بتغير الزمان والمكان).
    قال ابن القيم في "إغاثة اللهفان":
    (الأحكام نوعان: النوع الأول: لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إلى تغيير، ولا اجتهاد يخالف ما وضع له.
    النوع الثاني: يتغير حسب المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالا كمقادير التعزيرات وأجناسها، وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة) أ.هـ
    ومن الأمثلة على تغير الفتوى بتغير الزمن لانتفاء المصلحة اسقاط أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضًا في اسقاط نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكاة لأن الإسلام أصبح قويا في عهده وأصبح الناس يدخلون بكثرة.

    المسألة الثانية:

    العوامل التي تغير هذه الأحكام:

    ويمكن رد هذه العوامل إلى عاملين:

    الأول: عامل العرف:
    فإن الأحكام التي تتغير بتغير الزمان والمكان هي الأحكام المترتبة على أعراف الناس.
    قال القرافي في "الفروق" (1/314):
    (الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، وتبطل معها إذا بطلت) أ.هـ
    قال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (4/261):
    (فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من الله، وبالله التوفيق) أ.هـ
    وله بحث طويل في هذا الموضوع، فينظر "إعلام الموقعين" (3/14) إلى آخر الموضوع.
    وقال الزرقا في "المدخل الفقهي العام" (2/894):
    (جميع ما بني من الأحكام على العرف، يتبدل بتبدل العرف، ويدور كيفما استدار، ذلك لأن من المقرر فقهًا أن الحكم يدور مع العلة، ولهذا وضعت القاعدة الفقهية "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان") أ.هـ باختصار.
    والثاني: عامل فساد الناس وتساهلهم في الأحكام:
    ولهذا العامل أمثلة كثيرة، منها:
    ما قالته عائشة رضي الله عنها: (لو أدرك رسول الله ما أحدثته النساء لمنعهن من المساجد) رواه البخاري، فعائشة رضي الله عنها ترى أن تساهل كثير من النساء في اللباس يوجب منعهن وأن النبي صلى الله عليه وسلم لو اطلع على تساهلن لمنعهن، لأن مفسدة التساهل في الحجاب أعظم من مصلحة الخروج إلى المسجد.
    ومن هذا الباب لو أجاز رجل لزوجته الذهاب إلى المسجد بشرط أن تقوم أولا بما أوجب الله عليها من طبخ الطعام وتربية الولد وتهيئة الجو المناسب للزوج في البيت فتذهب بعد هذا كله، فإذا رآها أخلت بهذا الواجب وفرطت فيه وضيعت الأولاد - كما تفعل بعض النسوة من حبس الأولاد في البيت وغلق الباب عليهم بالقفل ثم تخرج - فله الحق حينئذ في منعها لأنها فرطت في الواجبات، ولا يدخل في نهي النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) رواه الشيخان.
    ومن ذلك اجتهاد عمر رضي الله عنه في زيادة حد الشارب من أربعين إلى ثمانين جلدة لما تساهل الناس في الخمر.
    ومن ذلك اجتهاده رضي الله عنه أيضًا في امضاء الثلاث طلقات لتساهل الناس في هذا الطلاق البدعي المخالف للطلاق السني فعاقبهم بإمضائه عليهم حتى يتركوه.
    ومن ذلك اجتهاد عثمان رضي الله عنه في الأذان الأول للجمعة لما انشغل الناس بالتجارة التي انفتحت على مصراعيها مع الفتوحات الإسلامية، وقد اتفقوا على أنه سنة لخليفة راشد فعله لحاجة فالقول بأنه بدعة غلط، وإنما تركه من تركه من المتأخرين لأن الحاجة إليه قد زالت والله أعلم.
    وفي عصرنا أمثلة كثيرة منها:
    إغلاق المساجد في غير أوقات الصلوات ولم تكن تغلق المساجد من قبل فقد كانت الكلاب تقبل وتدبر في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في "صحيح البخاري" عن ابن عمر، وإنما أغلقت اليوم لضعف الأمانة عند الناس وكثرة السرقات ولاسيما مع وجود أشياء ثمينة في المساجد.
    ومن ذلك جعل فاصل بين النساء والرجال في المسجد لم يكن موجودًا من قبل ولكنهم جعلوه لدفع مفسدة لم تكن موجودة من قبل وهي قلة الوازع الديني وتساهل النساء.
    ومن ذلك أيضا تغير كثير الأوضاع حتى تغيرت عقود الأنكحة من عقود شفهية إلى عقود مكتوبة وغير ذلك لقلة الأمانة وكثرة حاجة المحاكم إلى مثل هذه العقود والله أعلم.

    تلاعب

    العلمانيين والليبراليين بالشريعة:

    إن قول الأئمة: (تتغير الأحكام بتغير الزمان والمكان) لم يريدوا به ما أراده أعداء الشريعة من العلمانيين والليبراليين وأمثالهم، فقد أراد الأئمة بقولهم: (تتغير الأحكام بتغير الزمان والمكان) ما كان في باب اجتهاد العلماء فقط، وفي أبواب معينة وهي: باب العرف وباب فساد الناس، والذي يتأمل في طريقة هؤلاء العلمانيين والليبراليين يجد أنهم يريدون إخضاع الشريعة لمتغيرات العصر من فساد الناس وتمردهم على الشريعة، فينبغي الحذر من طريقة العلمانيين والليبراليين من الخلط بين الأمرين فهم يقولون: "لابد من تغيير كثير من الأحكام الشرعية ولاسيما مع تغير العصر"، وهم يرون سقوط قوامة الرجل على المرأة، وجواز توليها للقضاء، وأمور أخرى كثيرة يصعب حصرها، بل قال بعض المفتين ممن يسلك قريبا من هذا المسلك: "بأنه لا بد من إباحة الغناء، لأن الكثير من الغربيين لا يستغنون عنه، والقول بتحريم الغناء فيه مشقة عليهم وهذا ينفرهم، والقول بجوازه يحبب الإسلام إليهم"، كذا قالوا، وهذا غلط فاحش وتلاعب بالفتوى، لأن الغناء وأمثاله هذا من المحرمات الثابتة بثبوت الشريعة، لأنه يشتمل على مضرة عظيمة على القلوب والأسماع، وإنما جاءت الشرائع بإخراج الناس من هذا الواقع الفاسد لا لإقرارهم عليه، وإلا لزم كذلك القول بأننا نقرهم على الزنا والخمور فهم أشد حبا لها من الغناء.


    الفرق بين فهم الأئمة وفهم غيرهم:


    والفرق بين فهم الأئمة لهذه القاعدة وبين الأفهام الفاسدة كفه الليبراليين وبعض المفتين من أوجه

    يمكن اختصارها إلى وجهين:

    الأول:
    طريقة هؤلاء العلمانيين والليبراليين هي إخضاع الشريعة لمتغيرات العصر وإن كانت في غير أمور العادات

    بينما يرى الفقهاء أن هذا التغير مقيد بكونه من أمور العادات ونحوها من المسائل الاجتهادية فقط.

    والثاني:
    طريقة هؤلاء العلمانيين والليبراليين هي إخضاع الشريعة لمتغيرات العصر وإن كان سببها فساد الناس، بينما يرى الفقهاء أن فساد الناس عامل من عوامل تغير الفتوى من الأيسر إلى المنع ومن السهولة إلى الأشد، أخذا بالأحوط وإغلاقا لباب التلاعب بالنصوص كما حصل مع أمير المؤمنين عمر في إمضاء الطلقات الثلاث، والزيادة في حد الخمر.
    هذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه

    كتبه:
    أبو عمار علي بن حسين الشرفي

    المعروف بـ علي الحذيفي
    ذي القعدة /1431 هـ

    والنقل

    لطفا من هنا
    http://www.sahab.net/forums/showthread.php?t=383059

      الوقت/التاريخ الآن هو 23.06.18 6:48