من قضايا علم النقد

    شاطر

    الشيخ إبراهيم حسونة
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 9251
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 08/05/2008

    مميز من قضايا علم النقد

    مُساهمة من طرف الشيخ إبراهيم حسونة في 27.04.10 9:01

    من قضايا علم النقد




    من النقد الأدبي :

    من المصطلحات الرئيسة في علم النقد :

    أولا : الإصابة :
    وهي إصابة المعنى إصابة عين القرطاس أو الغرة كما ذكر الجاحظ في "البيان والتبيين" .

    فالكلام كالسهام ربما أصاب كبد الحقيقة ، إن كان خبرا ، أو أصاب عين المراد إن كان إنشاء

    فجاء الأمر أو النهي نصا لا يحتمل أكثر من معنى فهو على قدر المراد وتلك عين البلاغة التي يتوصل بها المتكلم إلى مراده بأوجز عبارة وأفصح دلالة .

    فالشدة لها موضع لا يناسبه اللين ، واللين له موضع لا تناسبه الشدة ،

    ففي معرض بيان المنة الربانية بإنزال المطر حسن اختيار اللفظ ذي الجرس الشديد ليكون أوقع في نفس السامع كما في قوله تعالى : (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) ، ففعل الصب أدل على الغزارة من مجرد السكب ، وقد ناسب تلك المبالغة إسناد الفعل إلى الضمير الدال على الفاعلين فذلك أدل على عظم قدرته ، عز وجل ، فضلا عن التوكيد بالمصدر اللفظي ، الذي يزيد معنى الهطول قوة فيصور الماء حال نزوله وهو يهطل بغزارة تشبه الصب القوي المتكرر ، فذلك من إصابة المعنى إذ اختير اللفظ الأقوى جرسا ودلالة في سياق يتطلب ذلك .

    ومن لم يصب المعنى فإنه يقال له : أخلى ، أي لم يصب المعنى .

    والإصابة تكون باعتبار الصفات اللازمة لا العارضة فوصف الإنسان بالشجاعة أبلغ من وصفه بلبس الدروع ، إذ الشجاعة وصف لازم بخلاف لبس الدروع فإنه صفة عارضة .
    ويشبه ذلك إلى حد كبير : باب صفات الرب ، جل وعلا ، فإن المحققين من أهل العلم يقدمون صفات الذات على صفات الأفعال المتعلقة بالمشيئة الكونية في باب : الرجاء ، فصفات الذات القائمة بذات الرب ، جل وعلا ، على الوجه اللائق بجلاله ، على وجه الدوام فلا يتصور انفكاكها عن ذاته القدسية ، أو عدم اتصافه بها في زمن دون آخر ، مقدمة على صفات الأفعال التي تتعلق آحادها بمشيئة الرب ، جل وعلا ، وإن كان متصفا بنوعها على سبيل الدوام ، فهو فاعل لها بالقوة ، فاعل بالفعل إذا شاء إحداث ما شاء من آحادها ، فالأولى غالبا ما تكون أوصاف الجمال التي يتعلق بها الرجاء رغبة ، والثانية غالبا ما تكون أوصاف الجلال التي يتعلق بها الخوف رهبة ، فالوصف اللازم في الذات تأنس به نفوس المحبين ما لا تأنس بالوصف المتعلق بالمشيئة .
    فيكون مقام الرغبة مما لا يحسن فيه استعمال صفات الجلال فلا يقول القائل : اللهم اغفر لي يا جبار فذلك من التخلية إذ استعمل وصف الجلال في موضع لا يحسن فيه إلا وصف الجمال فجاء قوله على الضد من مراده .

    ويكون مقام الدعاء على الأعداء مما لا يحسن فيه استعمال صفات الجمال فلا يقول القائل : اللهم أهلك الطغاة يا رحيم فذلك من التخلية إذ استعمل وصف الجمال في موضع لا يحسن فيه إلا وصف الجلال فجاء قوله ، أيضا ، على الضد من مراده .

    ومن أصول الصفات التي يمدح بها :
    العقل والشجاعة والعدل والعفة كما ذكر ذلك قدامة بن جعفر في "نقد الشعر" .
    ووجه ذلك أن الشجاعة تضبط القوة الغضبية في الإنسان فتحجزه عن التهور ، والعفة تضبط قوته الشهوانية فتحجزه عن التهتك ، والعدل قوام ذلك بل هو قوام كل الأحوال والأعيان فبه قامت السماوات والأرض ، والحاكم لذلك كله العقل ، وبعض أهل العلم يجعله : العلم ، ولا إشكال إذ العلم من جملة الصناعات العقلية بل هو أعظمها وأخصها به ، فما سمي عقلا إلا لعقله النفس عن مقارفة القبائح ولا يكون ذلك إلا بعلم يعرف به الإنسان الحسن من القبيح ، وأعلاه وأشرفه العلم الشرعي فالعقل وإن أدرك الحسن والقبيح بما ركز فيه من قوة الإدراك إلا أنه أبدا يفتقر إلى الوحي الذي يزيد إدراكه لمعاني الحسن والقبح قوة وسدادا بما يورده من الثواب والعقاب الذي يزيد الحسن قربا للنفوس بما تورثه الرغبة في ثوابه من ذلك ، وفي المقابل يزيد القبيح بعدا عنها بما تورثه الرهبة من عقابه من ذلك .

    ومن أهل العلم من رد أصول الصفات التي يمدح بها الإنسان إلى : الشجاعة فذلك جود البدن ، والكرم فذلك جود المال .


    والهدف من الإصابة تحقيق المثل الأعلى في كل باب ، حتى استحسن قدامة بن جعفر ، رحمه الله ، الغلو لأنه يصل إلى الدرجة العليا من الوصف وهو أشبه بالمثل العليا أو الكلية في كلام أرسطو في "الخطابة" فالغرض من المدح هو الوصول إلى نموذج إنساني يصلح معيارا تقاس عليه خلائق غيره .
    ولذلك استحسن قدامة بن جعفر وأبو هلال العسكري ، رحمهما الله ، الغلو في قول أبي نواس :
    وأخفت أهل الشرك حتى أنه ******* تخافك النطف التي لم تخلق .

    على تقدير يكاد في مثل هذه المواضع تقريبا للصورة إلى الواقع دون تفريط في الصورة المثالية لوصف الهيبة الذي أفاده البيت .
    وهما بذلك يوافقان القاضي الجرجاني ، رحمه الله ، الذي عاب على من يستعمل الغلو الذي يصل إلى حد الإحالة فإن ذلك مما يوعر المعنى ويعميه .

    المبحث الثاني :
    عمود الشعر :
    وهو الخصائص الجوهرية أو المواضيع الأساسية للشعر العربي .
    وكان عمود الشعر هو مقصد الشعراء الفحول دون التفات إلى المحسنات البديعية التي أفرط المتأخرون في استعمالها كما نص على ذلك القاضي الجرجاني رحمه الله .
    ومدار الإجادة ، كما أشار المرزوقي رحمه الله ، على : شرف المعنى ، وجزالة اللفظ ، ومواءمة اللفظ للمعنى ، فقد يكون كلاهما على حد الكمال ولكن لا ملاءمة بينهما .
    فالكلام : لفظ منطوق ومعنى مفهوم وبتمام ركنيه فصاحة وإيجازا أو إطنابا بحسب الحال أو المقتضى في الأول ، وبيانا في الثاني تكون الإجادة .



    العيار :
    وهو بمنزلة المقياس الذي يحتكم إليه في تحقق الخصائص الفنية لعمود الشعر .

    شرف المعنى وصحته :
    فمادة "شرف" تدور حول معنى السمو والارتفاع ، والمراد به بلوغ المعنى أقصى درجات كماله في سائر أغراض الشعر ، فإذا مدح بالكرم جعل ممدوحه أكرم رجل ، وإن ذم بالبخل جعل مذمومه أبخل رجل ..... إلخ .
    وأما المراد بصحة المعنى فهي سلامته من الخلل والاضطراب والتناقض .


    جزالة اللفظ واستقامته :
    وهي لا تخضع إلى مجرد الأداء الصوتي للكلمة وإنما تخضع لدرجة ملاءمتها للسياق الذي ترد فيه فقد تكون في نفسها فخمة ولكن السياق لا يحتملها فلا يستحسن إيرادها في مثل هذا السياق إذ السياق حكم في معرفة مراد المتكلم وفي اختياره للألفاظ الملائمة للمعنى الذي يريد أداءه .
    فلفظ "يؤذي" باعتبار مادته ودلالته المجردة من السياق : واحد ، ولكنه يتباين جودة أو رداءة في الدلالة على المعنى المراد باعتبار السياق الذي يرد فيه فيكون في سياق : جزلا

    وفي سياق آخر ركيكا ، ففي نحو قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ)

    يظهر من جزالة اللفظ ودقة اختياره ما يليق بالتنزيل لكل من تأمله من ذوي الألباب والأذواق السليمة ، بخلاف نفس اللفظ

    في نحو قول أبي الطيب :
    تلذ له المروءة وهي تؤذي ******* ومن يعشق يلذ له الغرام .

    وقد استدرك صاحب "التحرير والتنوير" ، رحمه الله ، على ذلك بقوله :
    "واعلمْ أن في ورود { يؤذي } هنا ما يبطل المثال الذي أورده ابن الأثير في كتاب «المثل السائر» شاهداً على أن الكلمة قد تروق السامعَ في كلام ثم تكون هي بعينها مكروهة للسامع . وجاء بكلمة { يؤذي } في هذه الآية ،

    ونظيرها ( تؤذي ) في قول المتنبي :

    تَلذ له المروءة وهي تُوذي *******

    وزعم أن وجودها في البيت يحط من قدر المعنى الشريف الذي تضمنه البيت وأحال في الجزم بذلك على الطبع السليم ، ولا أحسب هذا الحكم إلا غضباً من ابن الأثير لا تُسوِّغه صناعة ولا يشهد به ذوق ، ولقد صرف أئمة الأدب همهم إلى بحث شعر المتنبي ونقده فلم يَعُدَّ عليه أحد منهم هذا منتقَداً ، مع اعتراف ابن الأثير بأن معنى البيت شريف فلم يبق له إلا أن يزعم أن كراهة هذا اللفظ فيه راجعة إلى أمر لفظي من الفصاحة ، وليس في البيت شيء من الإِخلال بالفصاحة" . اهــ بتصرف يسير

    وأما الاستقامة فتعني :
    البراءة من الانحراف المعنوي باستعمال اللفظ في غير ما وضع له ، وإن كان جزلا .
    و : البراءة من التعقيد المعنوي الذي يعسر على الناظر فيه معرفة مراد قائله .


    الإصابة في الوصف :
    باختيار الأوصاف الجوهرية اللازمة دون الأوصاف العارضة ، فيمدح الشجاع بانغماسه في العدو لا باستتاره بالدروع ، وإن كان ذلك جائزا بل ربما بلغ حد الندب أو الإيجاب فهو من جملة الأخذ بالأسباب المشروعة ، وقد كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يلبس الدروع مع أنه أشجع الناس كما في حديث أنس رضي الله عنه وفيه : "وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا قَالَ وَجَدْنَاهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ قَالَ وَكَانَ فَرَسًا يُبَطَّأُ" .


    المقاربة في التشبيه :
    والمراد منها قوة المشابهة بين الطرفين في وجه الشبه فيستغني المشبه عن ذكر وجه الشبه لقوته فيه فأجمل ذكر وجه الشبه ولم يفصل فالتفصيل مظنة غموض وجه الشبه في المشبه .
    فلو قيل : فلان بحر فذلك أقوى درجات التشبيه فهو بليغ ، ولو قيل فلان كالبحر فذلك أدنى منه دلالة إذ أفادت أداة التشبيه قصور المشبه عن بلوغ درجة المشبه به على جهة التمام ، ولو قيل : فلان كالبحر سعة عطائه كسعة البحر ، فذلك أضعف من الثاني والأول لزوما ، إذ المقاربة بينهما غير متحققة حتى احتيج لذكر وجه الشبه .


    التحام أجزاء النظم والتئامها :
    ويقصد به التلاؤم الصوتي بين ألفاظ العبارة ويضاده التنافر في الكلمة الواحدة بتباعد مخارج حروفها ، كلفظ : "الهعخع" أو التنافر بين كلمات الجملة الواحدة كقول الشاعر :
    وقبر حرب بمكان قفر ******* وليس قرب قبر حرب قبر .

    مناسبة المستعار منه للمستعار له والمقاربة بين المشبه به والمشبه :
    ولعل اختصاص المناسبة بالاستعارة والمقاربة بالتشبيه مرجعه إلى أن الدلالة على قوة الشبه في الاستعارة أقوى منها في التشبيه إذ في الاستعارة يحذف أحد طرفي التشبيه فكأن المشبه به قد صار عين المشبه فجاز الاستغناء عن ذكر أحدهما بذكر الآخر لدلالته عليه : دلالة مطابقة أو مرادفة ، وتلك من أقوى الدلالات المعنوية . بخلاف التشبيه فإنه وإن كان بليغا إلا أنه لا يستغني عن ذكر ركنيه : المشبه والمشبه به وإلا انقلب استعارة ، فرأيت بحرا أبلغ من فلان كالبحر ، ففي الأول تنوسي المشبه وذكر المشبه به فكأن أحدهما هو عين الآخر بخلاف الثاني فلا زال الفارق بينهما حاضرا فاحتيج إلى ذكر الطرفين .

    مشاكلة اللفظ للمعنى :
    والمراد بالمعنى هنا : المعنى السياقي لا المعنى المعجمي للكلمات المفردة ، فهو راجع إلى ما تقرر مرارا من وجوب مراعاة السياق باختيار الألفاظ الدالة على مراد المتكلم تحديدا ، وإن كان غيرها أفصح منها من جهة الدلالة المعجمية فالعبرة هنا بالسياق التركيبي لا بالألفاظ حال انفرادها فهي لا تدل آنذاك على أكثر من معانيها المعجمية فحد الكلام ذي الإفادة بالتركيب والقصد لا ينطبق عليها إذ لا بد من ورودها في سياق مركب : تحقيقا أو تقديرا كإجابة سؤال أو نحوه .

    المبحث الثالث : الطبع والتكلف :
    فالشاعر المطبوع هو الشاعر الذي ينطق بالشعر غريزة فيجري على لسانه دون أن يدري فلا يتكلف ما يتكلفه أصحاب الشعر المتكلف كمن ينظم مسائل علم ما ، فإنه محكوم بتصور سابق ، فلا يجري النظم على لسانه عفوا كمن ينظم بلا تقيد سابق بمعان بعينها .

    المبحث الرابع : المعاظلة اللفظية :
    العظل هو تراكب الأشياء ، فتعاظل الحيوانات : تسافدها ، وتعاظل المعاني : تراكبها وازدحامها بحيث يجد السامع نفرة .
    جاء في "اللسان" :

    "وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أَنه قال لقوم من العرب أَشْعَرُ شُعَرائكم مَنْ لم يُعاظِل الكلامَ ولم يتَتَبَّع حُوشِيَّه قوله لم يُعاظِل الكلام أَي لم يَحْمِل بعضَه على بعض ولم يتكلم بالرَّجِيع من القول ولم يكرر اللفظ والمعنى وحُوشِيُّ الكلامِ وَحْشِيُّه وغريبُه

    وفي حديث عمر رضي الله عنه أَيضاً أَنه قال لابن عباس أَنْشِدْنا لشاعر الشُّعراء قال ومَنْ هو ؟ قال الذي : لا يُعاظِل بين القول ولا يتَتَبَّع حُوشِيَّ الكلام قال ومَنْ هو ؟ قال زُهَيْر أَي لا يُعَقِّده ولا يُوالي بعضَه فوق بعض" . اهــ

    وجاء في وصف عمر ، رضي الله عنه ، لزهير قوله : "ولا يمدح الرجل إلا بما يكون في الرجال" .

    والمعاظلة إما أن تكون :

    معنوية كقول الفرزدق :
    وما مثله في الناس إلا مملكا ******* أبو أمه حي أبوه يقاربه .
    فقد توصل إلى مدح خال الخليفة بذكر نسبة معقدة لا تتضح بها درجة القرابة إلا بعد طول تأمل .

    أو لفظية :
    كتوالي الإضافات على نحو يستثقله السمع كقول ابن بابك :
    حمامة جرعا حومة الجندل اسجعي ******* فأنت بمرأى من سعاد ومسمع .


    &&&&&


    من أهم مصادر النقد :

    كتاب طبقات فحول الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 232 هـــ :

    وقد بدأ المصنف بطبقات الشعراء الجاهليين وقسمهم : عشر طبقات في كل طبقة أربعة شعراء ، وألحق بهم بعض المخضرمين كنابغة بني جعدة ولبيد بن ربيعة .

    ثم طبقة أصحاب المراثي وهم أربعة : متمم بن نويرة ، والخنساء ، وأعشى باهلة ، وكعب بن سعد .

    ثم طبقة شعراء القرى العربية : ما عدا اليمامة إذ لم يجد من شعرائها شاعرا مشهورا .

    ثم طبقة شعراء اليهود : ومنهم السموأل بن عادياء .

    ثم طبقات الشعراء الإسلاميين : وقد قسمهم إلى عشر طبقات في كل طبقة أربعة رهط .

    ولم يورد شيئا من شعر المحدثين .


    وأبرز الأسس التي بنى عليها كتابه :

    أولا : الزمان :
    فقسمهم إلى جاهليين وإسلاميين .

    ثانيا : الجودة :
    فجمع أشعر العرب في طبقة واحدة وهم : امرئ القيس وزهير بن أبي سلمى والأعمش والنابغة الذبياني .

    ثالثا : الكثرة :
    ولذلك أخر طرفة بن العبد لقلة شعره مع جودته .

    رابعا : تعدد الأغراض :
    فقدم كثير عزة على جميل بثينة فجعل كثيرا في الطبقة الثانية من طبقات الإسلاميين ، وجعل جميل في الطبقة السادسة لأن كثير كتب في أكثر من غرض ، مع اشتهار كليهما بالغزل ، بل قد كان جميل أبرع في التشبيب فقد كان صادق الصبابة بينما كان كثير متقولا ، ولكنه طرق من الأغراض ما لم يطرقه جميل فتنوع إنتاجه بخلاف جميل .

    خامسا : الاتفاق في الغرض الشعري :
    كالجمع بين أصحاب المراثي وأصحاب الأراجيز : العجاج ورؤبة والأغلب النمري وأبو النجم .

    سادسا : المكان أو البيئة :
    فشعراء القرى في طبقة كلية تندرج تحتها طبقات جزئية إذ لكل قرية طبقة خاصة .

    سابعا : العقيدة :
    كإفراد شعراء اليهود بطبقة خاصة بهم .


    ولا يخلو ترتيبه من اضطراب إذ اعتمد تقسيما رياضيا : 4 × 10 ، فإذا لم تستوف طبقة عددها ألحق بها شاعرا من طبقة تالية وإن كان شعره دون شعر أصحاب هذه الطبقة ، فقد قدم الراعي النميري من الطبقة الثانية من الإسلاميين ليلحقه برجال الطبقة الأولى : جرير والفرزدق والأخطل .

    وإذا استوفت أخر شاعرا يستحق الإلحاق بها لاكتمال عدد رجالها كما صنع مع أوس بن حجر إذ أخره عن رجال الطبقة الأولى من الجاهليين مع كونه مضارعا لهم في الجودة .

    ومن أهم القضايا التي عالجها ابن سلام في كتابه :

    أولا : قضية الدعوة إلى التخصص
    بعد أن تبلورت العلوم الإسلامية ومنها علوم العربية وحصل الانفصال والتمايز بينها فصار لكل علم أدواته واصطلاحاته ومناهجه البحثية التي تخصه دون بقية العلوم ، فهو من جنس التخصص في العلوم الطبيعية فلكل علم ميدانه البحثي ، وإن حصل التداخل بين بعض العلوم كتداخل الفيزياء مع الرياضيات أو الكيمياء، وهو مع ذلك تداخل لا يلغي استقلال كل علم عن غيره ، فغايته أن يقع الاشتراك بين العلمين في جملة من المسائل على جهة العموم والخصوص الوجهي .


    ثانيا : قضية الانتحال في الشعر :

    أسباب الانتحال :

    أولا : العصبية القبلية
    وذلك يرجع إلى أن بعض القبائل كانت بلا مآثر فأرادت أن تصطنع لنفسها مآثر ولو زيفا فانتحلت من الأشعار التي تمدحها بما ليس فيها ما ترفع به من شأنها ، ولكن ذلك لم يكن مسلكا عاما فضلا عن تصدي الرواة له

    بل قد كان ذلك أحد معايير تمكن الراوية وسعة حفظه فكلما كانت قدرته على اكتشاف المنتحل بعرضه على محفوظاته أعظم كانت مكانته في عالم الرواية أعلى ، فليس ذلك أمرا عاما يشمل سائر إنتاج العرب الأدبي كما صور ذلك طه حسين صاحب نظرية الانتحال في الشعر الجاهلي ، وهي من بنات أفكار "مارجليوث" المستشرق اليهودي

    فلم يزد عليها إلا نشرها وبثها في الأوساط الأدبية تمهيدا للتشكيك في الكتاب العزيز

    بعرضه كأي إنتاج أدبي بشري على معايير النقد التي وضعتها العقول البشرية فلا يمكن الحكم بها على الوحي المعصوم مهما بلغت دقتها فكيف وهي محض تخرصات حملها عدو لدود من أعداء الثقافة الإسلامية عن مستشرق يهودي ؟! .

    ثانيا : تنافس الرواة :
    فأدرجوا في الشعر ما ليس منه لتظهر ملكتهم في الحفظ كما وقع من حماد الراوية وخلف الأحمر .

    ثالثا : كتاب السير
    الذين زينوا كتبهم بالأشعار ولو كانت موضوعة كما صنع ابن إسحاق ، رحمه الله ، الذي بلغ به الأمر أن روى في سيرته شعرا منسوبا إلى عاد وثمود مع كونهما من العرب البائدة التي انقطع ذكرها فلم ينقل من كلامهم شيء ، بل لم يكن الشعر آنذاك ، والله أعلم ، قد جرى على لسان العرب .

    ثالثا : أثر البيئة في الشاعر وشعره :
    فإن الشاعر يكتسب مفرداته من البيئة التي يعيش فيها فلا تستوي ألفاظ أهل الوبر من البدو ، وألفاظ أهل المدر من الحضر ، فألفاظ الأولين : جزلة قد طبعتها البادية بطابعها الشديد ، وألفاظ أهل الحضر رخوة قد طبعتها المدنية بطابعها اللين ، وهذا أمر مشاهد حتى في الأخلاق النفسانية فأخلاق أهل البادية أشد من أخلاق أهل المدينة فتجد فيهم من الغلظة ما لا تجده في أهل المدن ، وتجد فيهم أيضا من الحشمة والغيرة والفطرة السليمة ما لا تجده في كثير من أهل المدن الذين قلت حشمتهم وغيرتهم وفسدت فطرتهم إلا من رحم الرب ، جل وعلا ، فطبيعة الحياة المدنية بلينها وزخرفها تورث النفس ميوعة ثؤثر سلبا على خلائقها النفسانية .

    وإلى طرف من ذلك أشار صاحب "التحرير والتنوير" ، رحمه الله ، بقوله :
    "أصول الانتقاد الأدبي تؤول إلى بيان ما لا يحسن أن يشتمل عليه كلام الأديب من جانب صناعة الكلام ، ومن جانب صور المعاني ، ومن جانب المستحسن منها والمكروه

    وهذا النوع الثالث يختلف باختلاف العوائد ومدارك العقول وأصالة الأفهام بحسب الغالب من أحوال أهل صناعة الأدب ، ألا ترى أنه قد يكون اللفظ مقبولاً عند قوم غير مقبول عند آخرين ، ومقبولاً في عصر مرفوضاً في غيره

    ألا ترى إلى قول النابغة يخاطب الملك النعمان :

    :فإنكَ كالليل الذي هو مُدْركي ******* وإن خِلْتُ أن المُنْتَأَى عنك واسع

    فإن تشبيه الملك بالليل لو وقع في زمان المولدين لعُدَّ من الجفاء أو العجرفة ، وكذلك تشبيههم بالحية في الإقدام وإهلاك العدو في قول ذي الإصبع :

    عَذير الحي من عَدوَا ******* نَ كانُوا حَيَّةَ الأرض

    وقول النابغة في رثاء الحارث الغسّاني :

    ماذا رُزِئْنا به من حيَّةٍ ذَكَرٍ ******* نَضْنَاضَةٍ بالرزايا صِلّ أَصلاَلِ

    وقد زعم بعض أهل الأدب أن عليًّا بن الجهم مدح الخليفة المتوكل بقوله :
    أنت كالكلب في وفائك بالعد ... ه وكالتيْس في قراع الخطوب
    وأنه لما سكن بغداد وعلقت نضارة الناس بخياله قال في أول ما قاله :
    عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أَدري ولا أدري
    " . اهــ

    ومن أبرز ما انتقد على ابن سلام : افتقار كتابه إلى التحليل الفني فكان كتابه : كتاب رواية أكثر منه دراية .


    ومن مصادر النقد في تراث العرب الفكري أيضا :
    كتاب : نقد الشعر لقدامة بن جعفر :
    فقد أسس قدامة بناء موضوعيا لعلمي البلاغة والنقد بعد أن كانا يعتمدان إجمالا على الذوق دون معايير نقدية واضحة المعالم .

    وقد تأثر قدامة بن جعفر بعلم المنطق في حد تعريفات كتابه ، فاستعمل الحدود الجامعة المانعة كما في تعريفه الشعر بأنه : "قول موزون مقفى يدل على معنى" ، ولعل ذلك من آثار نشاط حركة الترجمة فقد ترجم في ذلك العصر كتابا أرسطو : "فن الشعر" ، و : "فن الخطابة" ، واعتناء الفلاسفة بصناعة الحدود إلى حد الغلو طلبا لتعيين الماهيات على جهة التعيين أمر مشهور ، وهو ما ثبت تعذره حتى في الطبيعيات المحسوسة فكيف بالمعنويات المعقولة ؟! .

    وقد مزج قدامة بين البلاغة والنقد ووضع أساس البلاغة بمصطلحاته الدقيقة التي كانت أشبه ما تكون بالمعجم البلاغي ، وقسيمه في ذلك هو ابن المعتز وإن كان متقدما عليه .

    من أهم قضايا كتاب "نقد الشعر" :

    أولا : اهتمام قدامة بعنصر المعنى :
    وهو ما نقضه صاحب "دلائل الإعجاز" الذي انتصر لنظرية النظم ، فالبلاغة مما اختلفت فيه الأنظار :

    فمن الناس من نظر إلى جانب اللفظ دون التفات إلى المعنى فالبلاغة عنده تتعلق بجودة الألفاظ وإن لم تكن المعاني جزلة على وزان ما يوجد في كلام المتكلفين للسجع في الخطب دون مراعاة للمعاني ، فالمعاني عندهم تابعة للألفاظ وإن لم تكن ذات قيمة .

    ومنهم من نظر إلى جانب المعنى دون اعتناء باللفظ فهو على الضد من الأول ، أو رجح المعنى على اللفظ ، وإن اعتنى باللفظ ، ولكن نظره متوجه ابتداء إلى المعنى ، وهو أحسن حالا من الأول ، بلا شك ، لأن كلامه ، وإن لم يكن ذا وقع رنان مؤثر إلا أنه جزل مريء بما يتضمنه من معان جليلة

    ويشبه ذلك إلى حد كبير : المقارنة بين خطاب المنابر الإعلامية الذي يتميز بالاعتناء بالألفاظ دون أن تكون له قيمة علمية فهدفه الرئيس جذب انتباه السامع

    فيخف على النفس وإن كان باطلا ، كسائر الخطابات الدعائية سياسية كانت أو تجارية ..... إلخ ، بخلاف خطاب المؤسسات العلمية في حلقات أو قاعات الدرس فهو خطاب جزل المعاني ثقيل على النفوس ولكنه مريء نافع لا يجد القلب فيه لذة ابتداء لثقل ألفاظه وصرامة أدائه ، ولكن العقل يجد فيه زادا نافعا يفيد القلب بعد ذلك يقينا وسكونا ، إن كان شرعيا فهو أنفع الخطابات العلمية

    فمثله مثل الوجبة الثقيلة التي يستغرق إعدادها زمنا طويلا ويستغرق هضمها وقتا طويلا فلا يظهر أثرها النافع إلا بعد حين ، ومثل الأول كالوجبة السريعة فقد تكون ألذ في الطعم بما يضاف إليها من محسنات ومكسبات للطعم يكافئها في الكلام : المحسنات البديعية لا سيما اللفظية التي لا تفيد تقريبا أي معنى ، فهدفها الرئيس تحلية الألفاظ ، فالوجبة السريعة قد تلذ بها النفس ، ولا تجد المعدة صعوبة في هضمها ، وهي مع ذلك قليلة النفع بل قد تكون ضارة كحال الوجبات السريعة المعاصرة ، فكذلك الكلام التافه فد يحلى ويزخرف ، وهو تافه لا نفع فيه ، بل قد يكون باطلا ضرره أكبر من نفعه

    وتأمل حال دعاة الباطل من المنصرين ودعاة الترفض ، ومن على شاكلتهم من مفسدي الملل والنحل ، تجد الكلام المحلى والابتسامات الزائفة والسماحة المتكلفة ...... إلخ فكلها من المحسنات التي تحجب عن الطاعم مرارة سمهم الزعاف ، ولذلك تجد أسلحة أهل الباطل : أشعارا ، ومعان تجريدية خيالية من قبيل الفداء والمحبة ..... إلخ من الأمور التي تنطلي على ضعاف العقول لنقص في علومهم التي استثقلتها النفوس فانصرفت عنها فصارت صيدا سهلا لكل دعاية باطل رنانة ، إذ هي طالبة للغذاء لا محالة فإن لم تغتذ بالغذاء الثقيل المريء اغتذت بالغذاء الخفيف الوبيء .

    ومن ماثورات عمر رضي الله عنه : "إن هذا الحق ثقيل مريء حميد العاقبة ، وإن الباطل حفيف وبيء وخيم العاقبة" . اهــ

    وهو عند ابن المبارك ، رحمه الله ، من قول ابن مسعود ، رضي الله عنه ، بلفظ : "الحق ثقيل مريء ، والباطل خفيف وبيء ، ورب شهوة ساعة ، تورث حزنا طويلا" . اهــ


    فجاء صاحب دلائل الإعجاز ، رحمه الله ، فانتصر لنظرية النظم ، وهو ما أرجع إليه بلاغة الكتاب العزيز فهو مع إعجازه في معانيه وألفاظه إلا أنه معجز في نظمه وسياقه فلا يمكن نزع لفظ منه ووضع آخر مكانه بحيث يؤدي البديل دور المستبدل فضلا عن أن يفوقه في الدلالة على المعنى المراد .

    وقد حد معاني الشعر العامة أو "أغراض الشعر" بستة أغراض :
    المديح والهجاء والنسيب والمراثي والوصف والتشبيه .
    وتحت هذه المعاني : معان جزئية فالمديح تحته أربع صفات : العقل والشجاعة والعدل والعفة .
    وتحت هذه الأنواع : أنواع أخص : فتحت العقل : المعرفة والحياء والسياسة والحلم .
    ويتولد من اجتماع هذه الأوصاف : أوصاف جديدة : فالعقل مع الشجاعة يتولد منهما : الصبر في الملمات .

    وهذا التقسيم الذي يشبه التصنيف العام لأجناس كلية تندرج تحتها أنواع فأفراد يدل على مدى تأثر قدامة بالدرس المنطقي الذي راج في زمانه بعد ترجمة كتب اليونان .

    فقد جعل الأمر مقننا إلى حد كبير فصار الشعر أشبه ما يكون بالصناعات المادية المحسوسة لا التجارب الإنسانية المعقولة ، فهو يخضع لسنن رتيبة أشبه ما تكون بالمعادلات الرياضية ذات الحدود المتغيرة فهي ثابتة من جهة الصيغة وإنما يتم التنوع فيها بإبدال المتغيرات بقيم ، وهذا عمل رياضي عقلي هو من أثر الفلسفة اليونانية التقنينية ، إن صح التعبير ، للعلوم الإنسانية التي تتطلب ، لا سيما ما يتعلق منها بالذوق ، فضاء أوسع من ذلك .
    فصار الأمر على حد ما قرره الفلاسفة أصحاب المثل الإنسانية المجردة التي لا وجود لها تقريبا في عالم الشهادة ، وإنما هي محض معان قائمة بأذهانهم ، صار قانونا محفوظا :
    من أراد أن يمدح ملكا أو متأمرا فيجب أن يستعمل في مدحه : حسن السياسة ، وسعة العطاء و ..... إلخ من القوالب المحفوظة .
    ومن أراد أن يمدح قائد الجيش فيجب أن يستعمل في مدحه : الشجاعة والصبر ........... إلخ .

    وقد تأثر قدامة بنظرية الجاحظ الذي جعل معيار الجودة في العمل الأدبي هو : حسن الصناعة والصياغة ، فالمعاني مطروحة في الطريق وإنما يقع التفاضل بين المتكلمين من جهة صياغتها في قوالب لفظية جزلة ، فصار المعنى بمنزلة المادة ، واللفظ بمنزلة الصورة ، وذلك أثر آخر من آثار الدرس المنطقي في النقد العربي فهو جار على حد تقسيم المناطقة العلة إلى : علة مادية وهي هنا تكافئ المعاني ، والعلة الفاعلية وتكافئ المتكلم ، والعلة الصورية وتكافئ الألفاظ التي تؤدى بها المعاني ، والعلة الغائية وتكافئ الغاية من الكلام مدحا أو هجاء أو رثاء ..... إلخ .

    وقد أتى عبد القاهر الجرجاني بعده فانتصر لهذه النظرية مطلقا ، كما تقدم في بيان خلاف البلاغيين في تحرير محل البلاغة هل هو : الللفظ أو المعنى أو النظم .


    وانتصر قدامة للغلو في التعبير عن المعاني لأنه يزيد المعنى قوة فهو تجاوز لنقل الخارج نقلا محضا ففيه زيادة بتصور المستحيل أو افتراضه وذلك من جملة مؤثرات الدرس المنطقي في العلوم الإسلامية . فالفلسفة تضع قيما ومثلا لا توجد عادة في عالم الشهادة وإن جاز وقوعها عقلا فهي تفترض بلوغ البشر حد الكمال وذلك نقض صريح للواقع إذ لا عصمة لغير الرسل عليهم السلام فالرسالة تعالج الواقع بخلاف الفلسفة التي تحلق بعيدا في سماء الخيال .


    &&&&&


    قضية التجديد :
    تدور هذه القضية كسائر القضايا المعرفية على محور : الصراع بين القديم والجديد ، فلا يخلو الأمر من : تفريط بمصادرة أي حركة تجديدية فينتصر للقدماء مطلقا ، بحجة أن الأول لم يترك للآخر شيئا ، فقد اكتمل البناء العلمي والمعرفي بما شيده المتقدمون ولم يبق للمتأخرين إلا السير على خطاهم والنسج على منوالهم تقليدا بلا اجتهاد أو تجديد ، وتلك آفة اصابت سائر العلوم الإسلامية في عصور التقليد والجمود المتأخرة ، فجمد المتأخر على مصنفات المتقدم فلا يتعدى دوره الشرح والتحشية والاختصار ..... إلخ مما لا يظهر فيه وجه تجديد ، فذلك آخر أدوار كل العلوم : دور الاستقرار والجمود .

    أو إفراط ، وهذا حال من غلا في التجديد فحقر من شأن المتقدم ، وربما بلغ به الأمر حد العبث بالأصول المستقرة ، وذلك أمر يظهر في سلوك كثير من مدعي التجديد في العلوم الإسلامية لا سيما العلوم التي تمت بصلة مباشرة للعقائد والشرائع فيتم تحريف النصوص وتبديل الثوابت تحت ستار الاجتهاد والتجديد .

    وفي ميدان النقد الأدبي تركز الصراع بين طرف تمسك بالقديم فوقع في الغلو ، و وطرف غلا في تشيعه للجديد فتنكر للقديم ، وبينهما فريق توسط هو فريق النقاد .

    فالفريق الذي انتصر للقديم : يمثله اللغويون والرواة الذين حفظوا أشعار الأوائل كأبي عمرو بن العلاء ، رحمه الله ، وهو من أشد المتعصبين ضد الشعراء المولدين بل إنه لم يؤثر عنه أنه استشهد ببيت إسلامي ولو كان صاحبه من طبقة الإسلاميين الذين يحتج بكلامهم أو حتى من رجال القرن الأول الذي يدخل في حد القديم الذي ينتصر له ، فالقديم في هذا الباب يشمل : أشعار الجاهليين وأشعار الإسلاميين في القرن الأول ، ومع ذلك لم يحتج أبو عمرو بشعر الإسلاميين مطلقا ولو كانوا متقدمين كجرير والفرزدق .

    قال في "خزانة الأدب" :
    "وكان أبو عمرو يقول : لقد أحسن هذا المولد حتى لقد هممت أن آمر صبياننا برواية شعره - يعني بذلك شعر جرير والفرزدق - فجعله مولداً بالإضافة إلى شعر الجاهلية والمخضرمين . وكان لا يعد الشعر إلا ما كان للمتقدمين ، قال الأصمعي : جلست إليه عشر حجج ، فما سمعته يحتج ببيت إسلامي" . اهــ

    فقد كانت ثقة الرواة واللغويين في أشعار المولدين قليلة فكان قياسهم : رداءة كل محدث ، وإن كان جيدا في صياغته ، إذ ظهر اللحن في أشعار المحدثين على نحو أسقط الاحتجاج بكلامهم ، فاختلط العرب بالعجم ففسد لسان العرب ، بل إن معظم المحدثين كانوا عجما كأبي نواس الذي كان أبوه من الموالي وأمه جارية فارسية .

    ومن مأثور أبي عمرو بن العلاء ، رحمه الله ، في هذا الشأن : "ما كان من حسن فقد سبقوا إليه ، وما كان من قبيح فهو من عندهم" .

    فضلا عن كون كثير من المحدثين عربا غير خلص فكان شعرهم مشوبا بالسخرية من العرب ، فانتصر الرواة للعرب منهم فكان انتقاص شعرهم ردا على الشعوبية التي ظهرت فيه ، بل إن في تسميتهم بالمولدين إشارة إلى أصولهم غير العربية كما كان هذا اللفظ يطلق على المسلمين المولودين لأمهات إسبانيات وآباء مسلمين من العرب أو البربر الذين فتحوا الجزيرة الأندلسية فهو تمييز لهم عن غيرهم .

    وأما الحديث فيمثله أبو نواس ، فقد كان شديد الوطأة على العرب ، بدافع الشعوبية التي تفشت في العجم الذين دخلوا في الإسلام بعد أن قهرهم الفاتحون الأوائل بسيف الشريعة ومع ذلك لم يكن عمله نقضا صريحا لشعر الأوائل بل التزم عمود الشعر إجمالا

    بل له قصائد سار فيها على طريقة الأوائل دون أدنى مخالفة لهم ، فأبرز أثر في ثورته على القديم كان دعوته إلى التجديد في مطلع القصيدة فاستبدل خمرياته المعروفة بالبكاء على الأطلال .

    وأما مدرسة النقاد فيمثلها الجاحظ ومن بعده ابن قتيبة فابن المعتز :
    فقد تباين صنيع النقاد في القرن الثالث الهجري في الانتصار للقديم أو للجديد أو التوسط بينهما ، فكان ابن سلام في كتابه : "طبقات فحول
    الشعراء" متأثرا بمذهب اللغويين والرواة فلم يترجم لشاعر محدث .

    ثم جاء الجاحظ فانتصر للمحدثين وهاجم الرواة واللغويين ، فتناولهم للشعر ، في رأيه ، لا يتطرق إلى الصناعة وإنما يقف عند حدود أهدافهم الخاصة من نحو كالأخفش ، أو غريب كالأصمعي ، أو شاهد أو خبر ماض كأبي عبيدة ..... إلخ .

    وسار على طريقته ابن قتيبة ، رحمه الله ، فدعا إلى النظر المنصف في كل من القديم والجديد فما كان من جيد قبل وما كان من رديء رد .

    ثم جاء ابن المعتز ، فزاد على ما صنع الجاحظ وابن قتيبة فلم يترجم في كتابه : "طبقات الشعراء" ، إلا للشعراء المحدثين بل ترجم لبعض شاعرات عصره وهو ما حمل بعض النقاد على تسمية كتابه بــ : "الاختيار من شعر المحدثين" في إشارة إلى اقتصاره على شعر المحدثين .

    ويكاد الأثر الوحيد الملحوظ في هذه القضية يكون في الألفاظ والصياغة فحسب ، وهو أمر أيسر بكثير من صنيع المحدثين المعاصرين الذين خرج شعرهم عن كل حدود الشعر العمودي ، بحجة التجديد ، الذي هو في حقيقته تخريب للذوق العربي ، فالمعاني ، مع ركاكتها ، مئنة من ضياع صاحبها واستلهامه أفكارا دخيلة على العقل الإسلامي ، فتجد الحيرة والاضطراب والقلق ، فضلا عن اختلال الميزان وعشوائية الألفاظ ....... إلخ من مظاهر الفساد التي تدل على رداءة ذوق القائل وقلة بضاعته من المعاني الجليلة والألفاظ الفخمة .

    يقول صاحب رسالة العلمانية حفظه الله وسدده وأتم شفاءه :
    "وكما برزت الوجودية في إنتاج أنيس منصور والماركسية في كتابات نجيب محفوظ برز الاتجاه الضائع نهج اللامعقول في شعر بدر شاكر السياب كما في "أنشودة المطر" ومثله الشاعر اللبناني الملقب "أدونيس " .

    على أن الاتجاه إلى اللامعقول لم يفض إلى الثورة على الأدب الأصيل في – مضمونه بل تعداه إلى الشكل والأسلوب – مثلما فعل أليوت "اليهودي" .

    بالشعر الإنجليزي – وذلك بظهور ما يسمى الشعر الحر الذي هو في الحقيقة نوع من الهذيان والإسهال العقلي – على حد تعبير الشيخ الغزالي في إحدى محاضراته .

    وقد بدأه باكثير والسياب بترجمة الشعر الأوروبي إلى عربية منثورة ثم جاء الجيل التالي الذي كان هزيلاً ممسوخاً في كل شيء فانحصر إنتاجه في هذا الهذيان .

    ما دمنا قد تعرضنا لذكر ذلك الغثاء فلنأت بمثال له :

    يقول أحد أدعيائه (محمد الفيتوري) :
    نار خطايانا
    تسيل في حنايانا
    فلنتكئ على عظام موتانا
    ولنصمت الآنا …
    برج كنيسة قديمة وراهب قلق
    وغيمة تشد قدميها وتعبر الأفق
    ورجل بلا عنق ...
    وامرأة على الرصيف تنزلق
    وقطة في أسفل السلم تختنق
    وصوت ناقوس يدق ... إلخ" .

    يقول الشيخ الغزالي بعد إيراد هذا الغثاء :
    "ودعك من أضغاث الأحلام التي ينقلك إلى جوها هذا الكلام المفكك ... ودعك من تقطع الروابط العقلية بين الألفاظ المتصيدة ، فهي كما قيل : سمك ، لبن ، تمر هندي ...

    ولكن الشيء الذي يثير انتباهك حتماً هو جراثيم الاستعمار الثقافي أو الغزو الصليبي الذي سيطر على هذا الشاعر الهائم .

    فهو في القاهرة المدينة المعروفة بشمسها الضاحية ومآذنها السامقة وصبغتها الإسلامية الأولى ، ولكن التبعية الفكرية والنفسية الغالبة على هذا الشخص التائه جعلته لا يرى إلا الغيوم وأبراج الكنائس والرهبان القلقين ورنين النواقيس وكأنه في لندن أو روما لا في مصر !!
    " . اهــ


    الظواهر التي ترتبت على قضية التجديد :

    أولا : المحافظة على أغراض الشعر القديم ،
    فلم يخل المحدثون بعامود الشعر وإن استبدلوا عناصر جديدة ببعض عناصره كما صنع ابو نواس .

    ثانيا : النقد الجزئي وفقا لمعايير العرب النقدية ،
    فالبيئة العربية على سبيل المثال تستحسن التمنع من المرأة فتوصف المرأة بالصيانة والتعفف في معرض المدح بخلاف المرأة عند العجم فإنها لرداءة أخلاقهم تمدح بالتهتك وقله الصيانة والاحتشام وهو أمر لا زال متوارثا من ذلك الزمان مرورا بالحملات الصليبية التي أدهش المسلمين فيها تهتك نساء الصليبيين حتى خرجت بعضهن لمجرد الترفيه عن جنود الحملة فشاركت في الجهاد المقدس بفرجها ! ، إلى الحملة الفرنسية على مصر

    وقد سطر الجبرتي ، رحمه الله ، طرفا من تهتك النساء الفرنسيات اللاتي اصطحبهن نابليون خصيصا ليعلمن المصريات فنون التهتك والخلاعة ، إلى يوم الناس هذا وصورة المرأة في الغرب أشهر من أن يشار إلى انحطاطها وابتذالها .

    ثالثا : التسليم بنفاد المعاني :
    فغالب صنيع المحدثين إنما كان صياغة للمعاني القديمة في قوالب لفظية جديدة ، ولذلك برعوا في فنون البديع الذي استجد في زمانهم .



    قضية السرقات الشعرية :

    ينظر النقاد إلى الشعر على أنه صناعة ولا بد لكل صناعة من :

    المادة :
    وهي المعاني فتلك مبذولة لكل أحد ، فلا يدخل التقليد فيها في حد السرقات الشعرية فهو اقتباس للمعاني والشعر إنما يظهر بصورته اللفظية وهي الركن الثاني من أركان الصناعة الشعرية .

    فــ : الصورة : وهي محل النقد .

    فلا حرج إذن على الشاعر في أخذ معاني سابقيه بشرط تجويد الصورة وإنما تعاب السرقة إذا أخذ الشاعر المحدث معاني القدماء وألفاظهم فليس له فيه عمل بتجويد أو ابتكار ، بل محض محاكاة كاملة في اللفظ والمعنى لسابقيه .

    وقد عني النقاد بتتبع السرقات لعوامل من أهمها :

    أولا : الرواية :
    فكانت براعة الراوي تقاس بما يكتشفه من السرقات فذلك مئنة من علمه الواسع بالشعر القديم الذي كان يروى رواية الحديث .

    ثانيا : إقامة الحجة على من ادعى أنه لا يأخذ عن غيره :
    كما فعل ذلك الصاحب بن عباد في إحصائه سرقات المتنبي من المحدثين كالبحتري وأبي تمام مع إنكاره ذلك .

    ثالثا : التعصب :
    الذي يحمل الناقد على الإسراف في اتهام الشاعر الذي يناوئه بالسرقة دون تمييز بين المعيب والمستحسن ، كما في تتبع أحمد بن طاهر وأحمد بن عمار لسرقات أبي تمام كما أشار إلى ذلك القاضي الجرجاني ، رحمه الله ، في "الوساطة" .


    &&&&&


    وأما الوحدة الفنية فهي على ثلاثة مستويات :

    الأول : وحدة الموضوع : فلا يتطرق الشاعر إلا لتجربة إنسانية واحدة كمدح أو رثاء أو غزل فلا ينوع في أغراضه ، وهو موجود بكثرة في الشعر الحديث ، وبندرة في الشعر القديم .


    والثاني : وحدة الملاءمة بين الأجزاء المتباينة : وفيها يظهر حسن التخلص من غرض إلى غرض في انسيابية معنوية ولفظية لا يشعر معها القائل بالعسر في الأداء ، والسامع بالعنت أو التكلف في التلقي ، وهذا الغالب على الشعر القديم .


    والثالث : الوحدة العضوية :
    وهي بناء القصيدة بناء هندسيا عضويا تتمايز أجزاؤه تمايز أعضاء البدن ، وهو غير موجود تقريبا إلا في الشعر المسرحي .

    والله أعلى وأعلم .


    والنقل
    لطفا من هنا
    http://aljame3.net/ib/index.php?showtopic=8502

      الوقت/التاريخ الآن هو 22.10.17 20:55