طبيعة الشخصية الطرقية

    شاطر

    الشيخ إبراهيم حسونة
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 9251
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 08/05/2008

    مميز طبيعة الشخصية الطرقية

    مُساهمة من طرف الشيخ إبراهيم حسونة في 14.02.10 9:59

    طبيعة الشخصية الطرقية

    عمر مناصريه






    تشكل الشخصية الطرقية لغزا حقيقيا يصعب فهمه أو ضبطه، ويرجع ذلك إلى غموض المصطلح أولا، فالصوفية كاسم، لا تعبر حقيقة عن تلك الطبيعة الروحية التي تدعيها، مما يثير الارتباك منذ البداية، ثم إلى طبيعة هذه الشخصية التي بقيت في منأى عن الظهور الواضح الذي يجعلها مفهومة لدى الجمبع، وأخيرا، إلى الثقافة التي تندمج فيها، وهي ثقافة تقوم على توظيف الخرافة أكثر من الحقيقة، مما شكل لنا مزيجا غامضا وفوضويا، ساهم في تشكيل ثقافة الخرافة التي لا نزال نعاني منها .



    ورغم أن نشوء الشخصية الطرقية له أسبابه الواقعية والتاريخية، التي تمثلت في الانقسام السياسي ومن ثم الانقسام الفكري بعد انتهاء عصر الراشدين مباشرة، والذي أنتج المدارس الفلسفية والشيعية وحركة التدوين والحركية العلمية وحركة التصوف أيضا، إلا أن التاريخ بعد ذلك قذف بهذه الشخصية إلى الأمام، ففي حين انتهى عصر الفكر والمعرفة منذ زمن طويل، بقيت الشخصيتان الصوفية والشيعية بعيدتان عن عوامل الهدم التاريخية، وكأنهما تستعصيان على ذلك .وكل هذا يدعونا إلى استقصاء طبيعة هذه الشخصية، من حيث خصائصها العقلية والنفسية والسلوكية، محاولين التعرف عليها عن قرب، من خلال ما تركته من تأثير .

    الطبيعة الصوفية




    الطبيعة العقلية :



    إن الحقيقة الصوفية لا تدرك عن طريق إيجاد علاقات بين الأشياء أو الظواهر، بل بمحاولة رؤية حقيقة أخرى خلف الحقيقة الماثلة للعيان، فهي رؤية ماورائية، تسعى لرؤية ما خلف الشيء والحرف والمعنى، وبذلك فهي تتجه إلى التصور بدل العقل، وهو ما يعني اعتمادها الكلي على التخيل والتوهم والرؤية أو الكشف، بدل الربط والاستنتاج والاستقراء، ويتجلى هذا أكثر في تأويلاتهم للقرآن الكريم، ولنأخذ على سبيل المثال تفسير ابن عربي المتوفى سنة 638 هـ، والذي يعتبر من أكبر المتصوفين ورموزهم، فهو مثلا يفسر الآية 67 من سورة البقرة (( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة)) بما يلي : "هي النفس الحيوانية، وذبحها قمع هواها الذي هو حياتها ومنبعها، من الأفعال الخاصة بها بشفرة سكين الرياضة" وكذلك الآية : ((واتخذ الله إبراهيم خليلا )) ، بـ : "يخاله، أي يداخله في خلال ذاته وصفاته بحيث لا يذر منها بقية، أو يسد خلله ويقوم بدل ما يفنى منه عند تكميله وفقره إليه" (1)، أي الحلول .

    والآية 23 من سورة المائدة : (( قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما.. ))

    بـما يلي : "كانا من النقباء الاثني عشر وهما العقل النظري والعقل العملي يخافون سوء عاقبة ملازمة الجسم ووبال العقوبة بهيآته المظلمة ".(2)

    وكذلك الآية 81 في سورة الأنبياء : ((ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها))



    بمايلي :" أي سخرنا لسليمان العقل العملي والمتمكن على عرش النفس في الصدر، ريح الهوى، "عاصفة" : في هبوطها، "بأمره" : مطيعة له، "إلى الأرض" : أرض البدن المتدرب بالطاعة والأدب، "التي باركنا فيها" : بتمييز الأخلاق والمكلمات الفاضلة والأعمال الصالحة " أو كما فسر عبد الكريم الجيلي سورة الإخلاص :"قل يا محمد الإنسان هو الله أحد . فهاء الإشارة في ( هو ) راجع إلى فاعل قل وهو أنت !" ( 3)



    وهذه عينة فقط من هذا الانحراف في الفهم، والذي يستعيض عن المنهجية الصحيحة في التفسير، كما فسر الرسول (صلى الله عليه و سلم) الشرك بالظلم مثلا، من خلال الآية الكريمة : ((وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )) الآية 13 من سورة لقمان . يستعيض ذلك، بآلية محرفة تحاول اختراق الحقيقة نفسها، وذلك للولوج إلى عوالم متوهمة، لا يمكن أن تكون هي نفسها العوالم التي نجدها في القرآن أوفي السنة، بل هي أقرب إلى الخيال .



    فالصوفي هنا لا يقنع بالحقيقة التي يتم الوصول إليها عن طريق العقل، بإيجاد الروابط والعلاقات بين الأشياء، وإنما يبحث دائما عن ما وراء الشيء، وأثناء هذا البحث، يقوم هو نفسه بصناعة هذه الحقيقة، لأن الفراغ العقلي لا بد أن يملأ بتهيؤات مما يبحث عنه المتصوف، حسب قانون الامتلاء في علم النفس



    ولهذا نجد أن الكشف الذي يتحدث عنه الصوفيون، إنما يتم في الظلام، حيث يجد الذهن مساحته الفراغية لملئها بما يحتاج إليه، فيتوهم ظهور الأخيلة والأشخاص والخضر والرسول صلى الله عليه وسلم عيانا، وهذه حال ممكنة جدا، فكلما كان العطش النفسي إلى الرؤية قويا، وهي حالة المتصوف، وكلما توفرت الظروف الملائمة كالظلام والهدوء وإماتة الحواس بالذكر المزعوم، كلما استطاع الذهن ابتكار الصور الذهنية التي يبحث عنها المتصوف ويتشوق إلي رؤيتها .



    وبسبب هذا كانت المعرفة الصوفية، التي أنتجها العقل الصوفي، إن جاز لنا استخدام لفظي المعرفة والعقل لوصف هذه الخرافات، معرفة فوضوية، يختلط فيها كل شيء بكل شيء، الدين بالجغرافيا، والسحر بالقرآن، والفقه بالروحانيات، والغيب بالدجل، وكل شيء بكل شيء، دون حدود ودون ضوابط، حتى أصبح العلم الصوفي، ممكنا في لحظة حلم قصيرة، في شكل مضخم، وكأن العلم سلعة من السلع، أو بضاعة من البضائع .



    الطبيعة النفسية :



    إن المتصوف عندما لم يجد منهجا يقوم عليه أو يستند عليه لتبرير حالاته، لجأ إلى مصدر من طبيعة تلك المعرفة التي يسعى للحصول عليها، وهي الأحلام .



    فالحلم يعتبر من أهم المصادر الصوفية، سواء في المعراج إلى السماوات كما يدعون، أو في تلقي الوحي والعلوم التي لا تحصى، كما نجد ذلك عند الجيلي، الذي تلقى مائة ألف علم خلال حلمه بمعراجه، أو في تلقي الذكر الذي يعدل قراءة القرآن،كما عند التيجاني الذي ابتكر صلاة الفاتح لما أغلق والتي تعدل في ثوابها قراءة القرآن ب 6 آلاف مرة كم زعم، بل إنه قد يكون هو الدافع الأساسي في الاتجاه نحو التصوف،



    وهذا ما حدث لابن عربي في بداياته، حيث ))أنه مرض في شبابه مرضا شديدا وفي أثناء شدة الحمى رأى في المنام أنه محوط بعدد ضخم من قوى الشر، مسلحين يريدون الفتك به . وبغتة رأى شخصا جميلا قويا مشرق الوجه، حمل على هذه الأرواح الشريرة ففرقها شذر مذر، فلم يبق منها أي أثر، فيساله محي الدين : من أنت فقال له : أنا سورة يس وعلى اثر هذا استيقظ فرأى والده جالسا إلى وسادته يتلو عند رأسه سورة يس (( (4)



    يتميز الحلم عادة بالتكثيف والترميز، حيث تصبح الحمى جيوشا وقوى شريرة، ويصبح الأب هو الرجل الجميل الذي يقرأ سورة يس، ثم يحدث التداخل بين السورة والشخص، فيصبح الشخص هو نفسه سورة يس .



    وهذه هي نفسها حالة الحلول في الله التي يدعيها المتصوفة، وحالة وحدة الوجود، التي تعني عدم التمايز التي نجد لها مثيلا في النمو النفسي للطفل، حيث لا يستطيع الطفل في بدايات نموه التمييز بين ذاته وبين الوجود الذي يكون فيه، ولعل هذه مرحلة دنيا من مراحل الانتقال الروحي، بما أن الأمر مستحيل طبعا، نظرا لصعوبة الدخول إلى ذلك العالم الروحاني البعيد، بما يؤدي بالمتصوفة إلى الشعور بذلك، كحالة حلول في الله، أو حالة عدم تمايز، أو وحدة وجود، دون أن يعوا بأنها مجرد مرحلة طفلية، أمام رشد الغيب كعالم لا يمكن اختراقه على هذا النحو، هذا إذا حاولنا تبرير هذا الادعاء فقط .



    إن الاعتماد على الحلم كمصدر من مصادر الكشف الصوفي، مع ما يتميز به الحلم من لا منطقية وكثافة وترميز، هو الذي أنشأ كل تلك الخرافات التي وصلت إلى حد الكفر، والاتجاه الصوفي حاول مرارا عقلنة المعرفة التي نتجت عن هذا المصدر في حال اليقظة، وذلك باللجوء إلى العلوم الغريبة كعلوم الرمز والخرافة، وابن عربي نفسه تعلم مذهب الأمبيذوقلية المفعمة بالرموز والتأويلات الموروثة عن الفيثاغورثية والأورفوسية و الفطرية الدينية الهندية، ونجد هذا مبثوثا في كتاباته .



    إن الحلم المكثف والتوهمات الكثيرة يعطياننا صورة عن طبيعة الشخصية الصوفية، إنها شخصية مصابة باضطرابات توهمية وبذهان عظمة، وهو ما يجعلها تسعى إلى التفوق ليس على بني الشر فحسب، وإنما على قوى الغيب



    ولذا نجد في الأحلام الصوفية أن الولي المزعوم كثيرا ما يتغلب على الملائكة ويبزهم، وكثيرا ما يتفوق على الأنبياء حتى يصل إلى الله الذي يحل فيه، ولنستمع إلى الجيلي وهو يتحدث عن معراجه إلى السماوات، فهو في السماء الثالثة، يعترضه ملك من الملائكة :(( قال : تريد أن تنظر إلى عجائب الله ؟ قلت : بلى، فنشر جناحا من أجنحته، فإذا كل ريشة من ريشه قنديل أظلم ضياء الشمس من ضيئها، ثم قال : تعال يا أبا يزيد، واستظل في جناحي حتى نسبح الله تعالى ونهلله إلى الموت، فقلت الله قادر على أن يغنيني عنك، ثم هاج من سري نور من ضياء معرفتي أظلم ضوءها أي ضوء القناديل من ضوئي، فصار الملك كالبعوضة في جنب كمالي )) (5)، وهكذا إلى أن يصل إلى الله، فيقول الجيلي :(( فنادى ( أي الله ) إلي إلي، وقال : يا صفي ادن مني، واشرف على مشرفات بهائي، وميادين ضيائي، ...أنت صفي وحبيبي، وخيرتي من خلقي، فكنت أذوب فيه كما يذوب الرصاص، ثم سقاني شربة من عين اللطف بكأس الأسن، ثم صيرني إلى حال لم أقدر على وصفه، ثم قربني منه وقربني حتى صرت أقرب منه من الروح إلى الجسد )) (6).



    وهذه الأوهام تطغى على المتصوفين بشكل لافت، حتى أن أحدهم قال، لو أن وليا دخل النار لأطفأها ببصقة واحدة منه ! وهذا الغرور الديني أو الوهم أو المرض، راجع إلى طبيعة الشخصية الصوفية ، فهي بعد أن تحلم بتلك الكثافة وتصدق ذلك، لا تفهم الحلم كعملية نفسية، وإنما كرسالة موجهة، أو كسلطة تبرر لها ممارساتها، ونحن لا زلنا في ثقافتنا نفهم الحلم على هذا النحو، أي كرسالة غامضة جاءت من عالم الغيب وتتطلب الحل والتفسير فورا، والصوفي بما أنه غارق في حالته الصوفية، فإنه يقوم بعملية تضخيم كثيفة لحلمه، حيث يلبسه صفة القداسة، ومن ثم يصبح الحلم طريقا للوصول إلى عالم الغيب، وطريقا للحصول على أنواع العلوم .



    والحقيقة



    أن الحلم ما هو إلا انعكاس لحالة المتصوف نفسه، إذ أن استحالة إرضاء ذلك المطلب الديني والروحي، يجد تحققه في عملية الحلم نفسها، فنحن نعلم أن الغيب هو الذي يتنزل على الواقع وليس العكس، والله هو الذي يقوم بالاصطفاء والاختيار، وبالتالي فهو مطلب مستحيل تماما بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولقد عاد الرسول صلى الله عليه وسلم يوم رآه وجها لوجه مذعورا، بما ينبئ حقا عن صعوبة ولوج ذلك العالم، فتتم الاستعاضة عن هذه الاستحالة بالحلم الذي يوفر تحققا للرغبة الروحية لدى المتصوف



    ولذا نجد أن لكل متصوف أحلاما، وأنه التقى الرسول والخضر وعرج إلى السماوات السبع، وجلس على العرش، وما إلى ذلك من الأوهام والخرافات التي يصدقها الناس، بصورة فيها الكثير من الاستهزاء والتخبط بعالم منزه عن الخطأ، شديد القوى، كما وصف القرآن سيدنا جبريل عليه السلام، فهل يمكن لملك من الملائكة أن يتحول إلى بعوضة، وهو الذي إذا ظهر على الدنيا ملأها كلها .



    الطبيعة الأخلاقية :



    المتصوف منحرف بطبعه، وانحرافاته السابقة، العقلية والنفسية، ساهمت في انحرافه الأخلاقي، حيث يصبح من حقه إتيان جميع الفواحش والمنكرات التي يندى الجبين لذكرها، ورغم أن المتصوف يبرر ذلك بتخاريف هي من طبيعة الإيهامات السابقة، كالقول بأن الخمر مثلا تنقلب في بطن الولي إلى لبن، أو أن الزانية لا تكون هي ذاتها، وإنما هي هيئتها فقط، أو أن المتصوف يخاف عل نفسه من البقاء في حالته الروحية، ولذلك، يعود إلى الواقع والدنيا بمزاولة الفواحش والمنكرات، وكل هذا هو محاولة فقط لتبرير الانحراف الحقيقي الذي يعانيه المتصوف . ولا يجد له علاجا، إلا بالانخراط فيه، وهذا هو المقام الحقيقي الذي يسعى المتصوف للوصول إليه ؛ مقام الفواحش والمنكرات والسيطرة على عقول الناس.



    يتجلى هذا أكثر في ابتعاد الصوفي عن الدين تدريجيا، من خلال ترك التكاليف الشرعية والأوامر الدينية التي تعتبر حقائق ظاهرية لا تليق إلا بالعوام، إنها عبادات الجسد التي لا تغني شيئا ولا تمثل شيئا أمام عبادة الروح والقلب المزعومة.



    لقد أسرفت الشخصية الصوفية في تعبيراتها وانحرافاتها، حتى انقلبت الحقائق كلها إلى أوهام، فالشيطان افضل من كل الملائكة، وفرعون أفضل من موسى، لأن فرعون أدرك الحقيقة الإلهية وموسى لم يدركها، والإنسان هو الله، وكل عبادة من عبادات البشر هي عبادة صحيحة، حتى العبادات الوثنية،لأن الله هو الوجود نفسه، فهو الكلب، حاشا لله، وهو الخنزير، وهو كل هذه المخلوقات، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.



    ولذا لا تستطيع هذه الشخصية الظهور على مرأى من الناس وفي الوضوح التام، بل تجعل لنفسها طرقا سرية تلجها، طرقا مظلمة في الزوايا والتكايا والخانات، متخذة المكر والخداع سبيلا في الإيقاع بضعفاء الدين والمعتوهين، وهي تجد راحتها أكثر في عصور الظلام والانحطاط التي تنطفئ فيها مشاعل العلم والمعرفة، بغرض جمع الأتباع والمريدين، وأسرهم في عالم الخرافة والدجل، واجدة في ثقافتنا الخرافية منجما لا ينفذ، تستمد منه انتشارها وإيمان الناس بها .

    ----------------------

    ----------------

    هوامش

    (1)محي الدين ابن عربي . تفسير ابن عربي . دار الكتب العلمية . بيروت لبنان . الطبعة الأولى 2001ص 181

    (2) المرجع السابق ص197

    (3)عبد الرحمن عبد الخالق : الفكر الصوفي .مكتبة سلسبيل . القاهرة . مصر .الطبعة الأولى 2006. ص 123

    (4) محي الدين ابن عربي : تفسير ابن عربي . دار الكتب العلمية . بيروت لبنان . لطبعة الأولى 2001ص4

    (5) عبد الرحمن عبد الخالق : الفكر الصوفي .مكتبة سلسبيل . القاهرة . مصر . الطبعة الأولى 2006.ص166

    (6) المرجع السابق ص 168



    والنقل
    لطفا من هنا
    http://www.alsoufia.com/articles.aspx?id=2038&selected_id=-2039&page_size=5&links=False&gate_id=0

      الوقت/التاريخ الآن هو 20.08.17 5:49