أخطار الجامعة الأمريكية في البلاد الإسلامية

    شاطر
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز أخطار الجامعة الأمريكية في البلاد الإسلامية

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 05.12.09 9:51

    أخطار الجامعة الأمريكية في البلاد الإسلامية




    ملف متنوع يبين حقيقة نشأة الجامعة الأمريكية


    وأهدافها في بلاد الإسلام




    إعداد
    سليمان الخراشي
    1423هـ


    خــبر عــــاجل !





    أول جامعة أمريكية في المملكة:

    يعتزم مستثمر سعودي إنشاء جامعة أمريكية في مدينة جدة بتكلفة تصل إلى 600 مليون ريال في عام 2005 المقبل، وكشف عبد الله عايش القرشي رئيس مجلس إدارة البزوغ العالمية لتعليم اللغات للجاليات الفرانكوفونية إن الجامعة المزمع إقامتها بعدة كليات تم التوقيع على اتفاقية بخصوصها للتعاون مع فرع الجامعة الأمريكية في بيروت. وقال لـ(المدينة) إن الاتفاقية تتضمن أن يقوم فرع الجامعة الأمريكية في بيروت بإجراء دراسات الجدوى الاقتصادية والتعليمية ووضع اللمسات النهائية لهذه الجامعة الجديدة التي سيكون مقرها في مدينة جدة، مشيراً إلى أن فريق العمل الخاص بهذه الدراسات من المتوقع أن يصل إلى جدة قريباً للبدء في الدراسات الأولية للمشروع. ولم يكشف القرشي عن أسلوب تمويل هذا المشروع سواء من خلال دخول شركاء ومستثمرين سعوديين أو أجانب لكنه أكد على أنه سيتم اختيار التخصصات النادرة والتي يتطلبها سوق العمل في المملكة العربية السعودية لتدريسها منذ المراحل الأولى؛ خاصة وأن الدراسات سوف تستند إلى احتياجات سوق العمل السعودي ومدى احتياجاته للتخصصات النادرة والدقيقة. وأوضح إن الهيئة التدريسية والأكاديميين سيتم الاستعانة بهم من خلال الخبرات التي تتمتع بها الجامعة الأمريكية في بيروت([1])، وأشار في الوقت نفسه إلى أن الدراسة ستبدأ في الجامعة الجديدة بعدد محدود من الكليات والأقسام، ويتوقع بدء الدراسة الفعلية في منتصف سبتمبر عام 2005م بطاقة استيعابية تقارب 500 طالب وطالبة، وتبلغ رسول التسجيل ما بين (3-5) آلاف دولار في العام الدراسي، إضافة إلى رسوم الخدمات الأخرى التي تقدم وفق الأسعار المعروفة. الجدير بالذكر أن هناك مؤشرات تؤكد أن قرابة خمسة آلاف طالب سعودي اتجهوا للدراسة في خارج المملكة في الوقت الذي تتفق التوجهات عامة للدولة في فتح المجال أمام الاستثمار في مجال التعليم بشكل عام والتعليم الجامعي بشكل خاص.

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعد، وآله وصحبه .

    لقد نشأت فكرة إعداد هذه المادة عن الجامعة الأمريكية في ديار المسلمين بعد لقاء مع أحد الشباب في بعض دول الخليج ممن ارتضت أن تمكن لهذه الجامعة من فتح فرع لها على أراضيها؛ حيث كان هذا الشاب الفاضل يحدثني عن خطورة هذا الأمر على أبناء البلد ممن سيدرس في هذه الجامعة اغترارًا بقدراتها التنظيمية الدنيوية ومهاراتها التعليمية، متغافلاً أو متجاهلاً عن ما قد تزرعه في فكره من شبهات وأفكار منحرفة من خلال مناهجها الموجهة لهدف محدد يخدم مصالح من أنشاؤها.

    عندها فكرت بجمع مادة متنوعة عن هذه الجامعة(نشأتها-غاياتها)كي تكون وثيقة إدانة لها،وسبباً نافعاً بإذن الله في التحذير منها،ولفت أنظار شباب الإسلام إلى خطورتها([2])،وأنها مجرد وسيلة من وسائل الغزو التغريبـي لهذه الأمة.

    ولقد تبين لي من خلال تأمل ما كتب عن هذه الجامعة أن لها أهدافاً ثلاثة تروم إلى تحقيقها من خلال انتشارها في بلاد المسلمين:

    الهدف الأول: تنصير أبناء المسلمين! من خلال تلقينهم مبادئ الديانة النصرانية التي جعلوها كمادة إلزامية لراغبي الدراسة فيها([3])!

    الهدف الثاني: تشكيك أبناء المسلمين في دينهم، من خلال إدخال الشبه عليهم، وزرع بذور الزيغ والإلحاد بينهم. وكذا نشر الانحراف الخلقي من باب أولى([4]).

    الهدف الثالث: تكوين طليعة أو نخبة من أبناء المسلمين (لا سيما من يسمون أبناء الذوات!) في كل بلد تدخله هذه الجامعة ليكونوا قادة المستقبل وأصحاب القرار فيه فيما بعد، والتمكين لهم من ذلك بعد حقنهم بالفكر العلماني وقطع صلتهم بدينهم.

    أما الهدف الأول: ففي ظني أنهم قد فشلوا في تحقيقه فشلاً ذريعًا –ولله الحمد-، وهذا أمر أصبح يعرفه كثير من المسلمين.

    وأما الهدف الثاني: فقد تحقق لهم فيه نسبة لا يستهان بها –كما سيأتي- حيث تخرج من جامعتهم ثلة منحرفة من أبناء المسلمين كانت أشد حرباً على الإسلام وأهله من عُبّاد الصليب.

    وأما الهدف الثالث: فهو –في ظني- أخطرها وأنكاها، وهو –والله أعلم- ما سيركزون عليه جداً في الفترة القادمة؛ لأنهم من خلال صنعهم لهذه الطليعة العلمانية من قادة المستقبل والمتنفذين في مجتمعات المسلمين يضمنون –لأزمان طويلة- تبعية هذه المجتمعات لهم، وخضوعها لأفكارهم، ثم قيادتها وسوقها كيفما شاؤا من خلال طليعة المنافقين.

    فهذه الجامعة الخبيثة بفروعها ستكون معامل متنقلة لتفريخ رويبضات المستقبل في بلاد الإسلام ممن سيجثمون على صدره ويتولون نيابة عن أسيادهم محاربة أهله والتضييق عليهم .

    وصدق الله تعالى إذ يقول (وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) .

    وتأمل –رعاك الله كما سيأتي- إهمال هذه الجامعة للعلوم الدنيوية([5]) النافعة من طب وهندسة وكيمياء وفيزياء وغيرها، وتركيزها على علوم التربية والنفس والاجتماع وغيرها من العلوم التي يسهل من خلالها غزو العقول المسلمة وتدميرها لتعلم وتتيقن أن نفع بلاد المسلمين لا يأتي في قائمتها، كما يظن المغفلون. وإنما الأهداف ما ذكرت لك مما استخلصه المتابعون لأنشطتها منذ نشأتها إلى اليوم.

    فبلاد الإسلام –لا سيما بلادنا- ليست بحاجة إلى مثل هذه الجامعة –ولله الحمد- لأنها لن تفيدنا لا دينياً ولا دنيويًا، ونحن في غنية عنها –إن احتجنا التوسع في التعليم الجامعي الأهلي- بجامعات تنشأ من بيئتنا وتنهج النهج الإسلامي (السلفي) في مناهجها، وتستفيد من العلوم الدنيوية النافعة التي هي مشتركة بين جميع الأمم، والموفق من وفقه الله.

    وتنبه بعد هذا إلى أنه ليس لي من جهد في هذه المواد المعروضة بين يديك مع هوامشها([6]) سوى تنظيمها وجمعها في مكان واحد .

    أخيراً: أتمنى ممن لديه أي معلومات عن هذه الجامعة أو ما كتب فيها أن يبعث به إليّ –مشكورًا- لأتمكن من إضافته إلى هذه المواد.

    أسأل الله أن ينفع بما جمعت، وأن يكون سببًا في تبصير أبناء المسلمين لما يُكاد لهم، وأن يوفق ولاة أمرهم للتصدي لهذا الغزو الجديد، وأن يعلموا أنه لا عز لهم ولا سعادة في الدنيا والآخرة إلا بتحكيم شرع الله، والبعد عن ما يخالفه.

    والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .











    محتويات البحث :

    أولاً: مقال بعنوان: "الجامعة الأمريكية ببيروت مركز لنشاط المخابرات والسفارة الأمريكية.."، نشر في مجلة المجتمع الكويتية، العدد (200).

    ثانياً: مقال بعنوان: "لماذا الجامعة الأمريكية الآن" نشر في مجلة المجتمع الكويتية .

    ثالثاً: مقال بعنوان: "الدور التغريـبـي للجامعة الأمريكية في بيروت" نشر في مجلة المجتمع الكويتية، العدد (917).

    رابعاً: جزء من كتاب: "التبشير والاستعمار في البلاد العربية" للدكتور مصطفى الخالدي والدكتور عمر فروخ، ص 96-110.

    خامساً: جزء من بحث بعنوان: "الغزو الثقافي أهم قضايا التعليم المعاصر" للدكتور إبراهيم سليمان عيسى، مقدم إلى مؤتمر تطوير مناهج التربية الدينية الإسلامية في التعليم العام بالوطن العربي، ص 47-49.

    سادساً: جزء من كتاب: "الجذور التاريخية لإرسالية التنصير الأجنبية في مصر" للدكتور خالد نعيم، ص 85-92.

    سابعاً: بحث بعنوان: "الجامعة الأمريكية والتبعية الثقافية" للدكتور كمال نجيب، نشر في مجلة التربية المعاصرة، العدد: 49، ص 155-190.

    ثامناً: مقال بعنوان: "كيف تحارب الجامعة الأمريكية الإسلام في مصر؟" للدكتورة ليلى بيومي، نشر في مجلة المختار الإسلامي، العدد: 62، ص 78-89.

    تاسعاً: عرض موجز لكتاب "اختراق العقل المصري" للدكتور رفعت سيد أحمد، نشر في مجلة العلوم الاجتماعية، الكويت، المجلد 16، العدد1، 1988.

    عاشراً: عرض مطول لكتاب: "أهداف الجامعة الأمريكية بالقاهرة، 1920-1980" للدكتورة سهير البيلي، نشر في مجلة البيان، العدد (180).


    أولاً: مقال بعنوان: "الجامعة الأمريكية ببيروت مركز لنشاط المخابرات والسفارة الأمريكية"، نشر في مجلة المجتمع الكويتية، العدد (200).


    :"تباكت الصحف ذات الميول الغربية قبل شهر على أن الجامعة الأمريكية مهددة بالإفلاس، وتحرك خريجوها -ومعروف من هم خريجوها- يتدارسون مستقبل "مركز تدريبهم ومصدر توجيههم"!!، ويهيئون الأسباب التي تجعل الجامعة ماضية في أداء رسالتها التي نذرت نفسها لها منذ مائة عام.

    وجاء إضراب طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت مؤخراً ليحدثنا عن لون هذه الرسالة ؟!

    عقدت لجنة المتابعة المنبثقة عن المؤتمر الوطني لدعم طلاب الجامعة الأميركية مؤتمراً صحفياً في دار نقابة الصحافة في بيروت، وقالت اللجنة في بيان تلاه المحامي عزت حرب:

    "إن المعركة في الجامعة تجاوزت كونها معركة بين الطلاب من ناحية والسلطة من ناحية أخرى… لتصبح معركة وطنية بين الوجود الأميركي الاستعماري المسيطر على مختلف مستويات الحياة والسياسية وبين الرافضين لهذا الوجود، وأضاف إن السلطات اللبنانية التي استنفرت جميع أجهزتها العسكرية والإعلامية والإدارية لإجهاض تحركنا المشروع ضد إدارة المخابرات الأميركية وتعفي نفسها عن ملاحقة أجهزة المخابرات.

    وقال إن الوثائق التي نضعها بين أيديكم هي واحدة من جملة وثائق تدين بالملموس الدور الذي تلعبه الجامعة الأميركية بالتجسس على طلابنا وحركته الوطنية بالتعاون مع السفارة الأميركية، كما تفضح موقف الجامعة الأميركية من محاربة الطلبة الوطنيين ومنع دخولهم إلى الجامعة مع كونهم من ذوي الأكاديمية الممتازة فتضعهم أمام واحد من خيارين: إما جرهم إلى التبعية الأميركية وإما إجبارهم على الهجرة.

    وأشار حرب في حديثه إلى أن بعض القضاة أوضحوا للذين كانوا يراجعونهم طلباً لإخلاء سبيل الطلاب بأن هناك تعليمات عليا تقضي بعدم قبول طلبات إخلاء سبيل الطلاب.

    وقد جرى في المؤتمر الصحفي نشر نص وثيقتين تبرزان بوضوح دور الجامعة الأميركية وعلاقاتها بالسفارة الأميركية والاستخبارات المركزية الأمريكية"



    ماذا كنتم تنتظرون من الجامعة الأمريكية ؟

    بعد أن كاد يدرككم الغرق تقولون هذا الكلام! بعد خراب البصرة كما يقولون! بعد مائة عام من تخريب الجامعة في بلاد المسلمين .. إن في لسانكم لكنة من أعجميها، وفي أفكاركم لوثة من تضليلها، وفي مظاهركم هزيمة من تقليد أساتذتها ومبشريها!!

    الجامعة الأمريكية ماذا تنتظرون منها؟؟ هل تنتظرون أن تعيد لكم حضارة الإسلام وأمجاد السلف الصالح؟! ماذا تنتظرون منها وأنتم تعرفون جيداً أن الغرب لا يعرف الإنسانية والرحمة والعطف على الغير.. الغرب مادي في كل شيء لا يتحرك إلا لمصلحته وأهوائه.. ويأبى أن يعاملنا إلا كما يعامل السيد عبده.

    ماذا تنتظرون من الجامعة الأمريكية والله يقول لكم :

    (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء).



    لماذا تأسست الجامعة الأميركية في بيروت ؟

    تأسست الجامعة الأميركية في بيروت سنة 1865م، وهذا التوقيت الزمني له صلة بالإجهاز على الدولة العثمانية –التي أطلقوا عليها لقب الرجل المريض- وكان اسمها "الكلية السورية الإنجيلية" وكان هناك تنافس بينها وبين الجامعة اليسوعية ولكنهما تعاونا معاً بناء على دعوة من جسب الذي قال: يجب ألا يكون ثمة نعوت مثل: أميركي، إنكليزي، ألماني… فليكن اسمنا "نصاري".

    ومعظم أساتذة الجامعة الأميركية قسس مثل: دانيال بلس، فيليب حتي، ستيفن بزوز، بيارد ضودج.

    وأما مناهجها فكانت مادة الإنكليزي عبارة عن نصوص منقولة من التوراة. وقرر مؤتمر القدس سنة 1935م أن يستغل كل درس في سبيل تأويل مسيحي لفروع العلوم كالتاريخ وعلم النبات…

    واتفق في عام 1909م أن احتج الطلبة المسلمون على إجبارهم على الدخول إلى الكنيسة؛ فاجتمعت عمدة الجامعة وأصدرت منشوراً طويلاً جداً، جاء في مادته الرابعة ما يلي:

    "إن هذه كلية مسيحية أسست بأموال شعب مسيحي: هم اشتروا الأرض وهم أقاموا الأبنية، وهم انشأوا المستشفى وجهزوه، ولا يمكن للمؤسسة أن تستمر إذا لم يسندها هؤلاء. وكل هذا قد فعله هؤلاء ليوجدوا تعليماً يكون الإنجيل من مواده، فتعرض منافع الدين المسيحي على كل تلميذ … وهكذا نجد أنفسنا ملزمين بأن نعرض الحقيقة المسيحية على كل تلميذ… وإن كل طالب يدخل إلى مؤسستنا يجب أن يعرف مسبقاً ماذا يطلب منه".

    وأدى ذلك إلى إضراب قام به الطلاب كإضراب اليوم، وغالباً ما تكون أعمالنا –نحن المسلمين- ردود فعل… ثم نتناسى الحقائق ونمضي لما يراد لنا لنستيقظ بعد ستين سنة على زوبعة جديدة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    وهكذا فالجامعة الأميركية تبشيرية منذ قيامها واضحة في ذلك.



    ارتباط الجامعة بالسياسية الأميركية الاستعمارية:

    "الدكتور جون بادو" كان مدرباً في الجامعة الأمريكية في بيروت ثم مدير الجامعة الأمريكية بالقاهرة ثم سفيراً للولايات المتحدة الأمريكية في القاهرة… هذا التدرج يرينا أن عمل جون كسفير سياسي لا يزيد أهمية عن عمله كمدرس ثم كمدير للجامعة الأمريكية.

    وبالأصل قامت الجامعة الأنجيلية (الأمريكية) بدعم من القنصلية الأمريكية في الدولة العثمانية وكلما كانت الدولة العثمانية تهم بإغلاقها تضطر للتراجع عن هذا القرار تحت ضغط من سياسة الولايات المتحدة الأميركية. بل إن الدولة العثمانية عام 1888م أغلقت مدارس المبشرين الأمريكيين ولكن المستر "بسنغر" قنصل أمريكا في بيروت والمستر اسكار ستراوس تدخلا في الأمر حتى سمح الوالي علي رضا باشا بأن تعود تلك المدارس إلى فتح أبوابها.

    وما زالت الجامعة الأمريكية ماضية في مخططها الاستعماري؛ فلقد تبنت حلف بغداد ومشروع النقطة الرابعة وأعمال لجنة الإغاثة، ومن قبل نشر الكاتب "لدفيك برنهارد" سنة 1905م مقالاً عنوانه "أمريكه في الشرق" صور فيه الكلية السورية الإنجيلية على أنها محاولة مدروسة لتمهيد الطريق أمام المصالح الأمريكية.



    موقفها من قضية فلسطين :

    كان هو نفسه موقف الولايات المتحدة الأمريكية وقد قال "أوسكار ستراوس" وزير الولايات المتحدة المفوض في تركية والذي كان مشرفاً على الكلية السورية الإنجيلية وسائر المدارس الأمريكية:

    "أنا أمريكي في الدرجة الأولى، ثم أنا يهودي".

    ولقد ساء الدكتور القس "بيارد ضودج" رئيس الجامعة الأمريكية ما بين (1922م-1928م) أن يكون الدكتور مصطفى الخالدي أستاذًا في الجامعة ورئيساً لجمعية الشبان المسلمين في بيروت صاحب نشاط من أجل القضية الفلسطينية وصارحه بذلك، مما جعل الدكتور الخالدي يعتزل التدريس في الجامعة.

    وبسط الدكتور ضودج رأيه في قضية فلسطين عام 1908م فقال: "إن قيام حكومة اتحادية في فلسطين تحت إشراف هيئة الأم يسلب العرب سيطرتهم المطلقة على فلسطين، كما يضع حداً لإدعاء اليهود بهجرة غير مقيدة، إلا أن الفريقين يربحان بذلك ربحاً ثابتاً: إن اليهود يحتفظون بموطن قومي واسع جداً يستطيعون به لتفوقهم الغني الحديث أن يتولوا –بالخطى الاقتصادية السليمة- زعامة الشرق الأوسط كله. أما العرب فإنهم سيجنون ربحاً من ذلك التقدم التجاري والصناعي الذي يأتي من هذا السبيل" !



    الدعوة إلى اللغة العامية :

    أدركت الجامعة الأمريكية أن قوة المسلمين بتمسكهم بلغة القرآن الكريم "الفصحى".. فنشطوا في الدعوة إلى العامية، وأن يحل الحرف اللاتيني مكان العربي.. وهم يقصدون من وراء ذلك أن تتعدد اللهجات. لكن هذه الدعوة فشلت، فأعادت الجامعة الأمريكية الفكرة تحت شعار "تبسيط اللغة" وألف الدكتور أنيس فريحة (أحد أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت) كتاباً أسماه "تبسيط قواعد اللغة العربية وتبويبها على أساس منطقي جديد".

    وتلقف هذه الدعوة الأخيرة عدد من المتفرنجين كان من بينهم طه حسين، ونصارى لبنان… وتجلت هذه الدعوة في مؤتمر "أزمة التخلف الحضاري" التي عقدت أخيراً في الكويت فما كان أحد من المنتسبين إليها يستطيع أن يتكلم الفصحى بطلاقة، وهذا نتيجة طبيعية للثقافة التي تلقوها، فهكذا علمتهم الجامعة الأمريكية وأمثالها من جامعات التضليل والإفساد.

    وعندما فشلت الجامعة الأمريكية في كثير من مخططاتها تبنى بعض القائمين عليها "الدعوة العلمانية" في أوساط المسلمين وهدفهم من ذلك إبعاد المسلمين عن حقيقة دينهم، والزج بهم في مهاوي الضياع والقلق.



    الجامعة الأمريكية استمرار للغزو الصليبي الاستعماري :

    جميع مدارس التبشير على طول امتداد العالم الإسلامي، أوكار للاستعمار الغربي البغيض، واستغلال للدين المسيحي من أجل غايات عدوانية أثيمة. وما عجزت الحروب الصليبية عن تنفيذه بالقوة والاحتلال، نفذه أحفادهم تحت شعار الرحمة والإنسانية والعلم…

    قال غاردنر:

    "لقد خاب الصليبيون في انتزاع القدس من أيدي المسلمين ليقيموا دولة مسيحية في قلب العالم الإسلامي.. والحروب الصليبية لم تكن لإنقاذ هذه المدينة بقدر ما كانت لتدمير الإسلام".

    ويقول ليفونيان :

    "خابت دول أوروبة في الحروب الصليبية الأولى من طريق السيف فأرادت أن تثير على المسلمين حرباً صليبية جديدة من طريق التبشير، فاستخدمت لذلك الكنائس والمدارس والمستشفيات، وفرقت المبشرين في العالم. وهكذا تبنت الدول حركة التبشير لمآربها السياسية ومطامعها الاقتصادية".

    وهكذا: فالجامعة الأمريكية استعمارية في نشأتها، تبشيرية في أهدافها، والاستعمار والتبشير صنوان لا ينفصل أحدهما عن الآخر. وهي بعد ذلك عدوة لآمال العرب المسلمين، تآمرت علينا في كل قضايانا ابتداء بهدم الخلافة الإسلامية وانتهاء بقضية فلسطين. وأكد لنا إضراب طلاب الجامعة الأمريكية الأخير جميع الحقائق التي تحدث عنها كثير من طلاب الجامعة الأمريكية السابقين أمثال الدكتور عمر فروخ والدكتور مصطفى الخالدي.

    وجامعة هذه هي حقيقتها فإنا نحذر من بقائها وأمثالها من أوكار التبشير ونناشد بما هو آت:

    1-إن القائمين عليها كاذبون عندما يدعون أنها ستعلن إفلاسها، وننصح أن لا يتقدم أحد لمساعدتها رسمياً كان أو غير رسمي.. ولسوف نتابع فضح هذه الأوكار الاستعمارية الرهيبة وفضح من يتعامل معها كائناً من كان.

    2-نؤيد مطالب الطلاب.. ونناشد زعماء المسلمين بضرورة إغلاق المدارس التبشيرية، ونأسف أن طلاب الجامعة الأمريكية لم يصدر عنهم بيان يعتزون فيه بإسلامهم العظيم الذي تقف الجامعة العميلة لحربه.

    3-نطالب المسؤولين في بلادنا –الكويت- سحب الطلاب الكويتيين من هذه المدرسة لما أثبتنا من عمالتها، ولئن ما فيها من فوضى وإضرابات شلت إمكانية الفائدة العلمية منها وصار مستقبل طلبتها معلقاً في الهواء.

    4-نناشد زعماء العالم الإسلامي، وأهل الخير، والمنظمات الإسلامية أن يتداعوا لتأسيس جامعات إسلامية متكاملة، فالعلم ليس ملكاً لأحد.. وإنه لشعور بالنقص أن الدور العلمي لا تؤديه الجامعة إلا إذا كانت أمريكية أو يسوعية". انتهى .




    ([1]) ستأتيك حقيقة هذه الخبرات! وفاقد الشيء لا يعطيه. (س) .


    ([2]) ثم عزمت الأمر على نشرها بعد أن نُشر خبرٌ يقول بأن هذه الجامعة الموبوءة قد قررت فتح فرع لها في بلاد التوحيد: المملكة العربية السعودية !! –إنا لله وإنا إليه راجعون-.


    ([3]) ثم ألغوا ذلك –كما سيأتي-؛ لأنه كان سبباً في انصراف كثير من أبناء المسلمين عنها. فأصبح هذا الأمر فيما بعد يتم في الخفاء .


    ([4]) وسيأتي خلال البحث –إن شاء الله- نماذج لأفكار ومقالات بعض المسلمين ممن تخرجوا في الجامعة تنبئك عن مدى حقدهم على شرائع الإسلام!، حيث فاقوا في هذا –أخزاهم الله- أساتذتهم النصارى.


    ([5]) أما العلوم الشرعية فهذه الجامعة ليست مؤهلة للخوض فيها أصلاً. إلا أن تكون علوم التوراة والإنجيل!


    ([6]) وما قد أضيفه من هوامش فإني أتبعه بحرف (س) .
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: أخطار الجامعة الأمريكية في البلاد الإسلامية

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 05.12.09 9:52

    ثانياً: مقال بعنوان: "لماذا الجامعة الأمريكية الآن" نشر في مجلة المجتمع الكويتية :



    "أوردت الصحف الصادرة في 25/9/1987م نبأ مفاده أن مجلس أمناء الجامعة الأمريكية في بيروت عقد اجتماعاً له في عمان تم خلاله مناقشة أوضاع الجامعة الأمريكية والقضايا الأمنية والمعوقات التي تواجه الجامعة.. وتقول صحيفة القبس إن مجلس الأمناء بحث عرضاً أردنياً بنقل الجامعة الأمريكية إلى العاصمة الأردنية بسبب انقطاع الدراسة في الجامعة الأمريكية التي يترأسها الدكتور إبراهيم السلطي وهو أردني.


    لماذا ينبغي أن نولي هذا الموضوع اهتماماً خاصاً ؟



    أثبتت التجارب أن الصليبية واليهودية العالمية تستخدمان في حربهما على الشعوب الإسلامية سلاح التشكيك في عقائد الإسلام والطعن فيها، وأن ذلك التشكيك يعد من أبرز ما يستخدم لعزل المسلمين عن عقيدتهم من خلال برامج ومخططات مدروسة وطويلة الأمد. ولقد سبق للصليبية العالمية أن أقامت بموجب تلك البرامج عدداً من المؤسسات من أهمها: الجامعة الأمريكية في بيروت وذلك إبان فترة الاحتلال العسكري لديار الإسلام في المشرق العربي .. لتكون تلك المؤسسات مدخلاً للنفوذ الغربي وللتآمر على الإسلام من موقع متقدم داخل دياره بإشباع العقول الشابة بالمبادئ والقوانين والأساليب الغربية وصبغها بتلك الصبغة ليكون لها دور أساسي بعد ذلك في تحقيق الهدف المنشود لأعداء الإسلام وهو تحويل وجهة الشعوب المسلمة عن الإسلام ونبذ مبادئه وقيمه.

    والتعليم الجامعي يعد –دون شك- من أهم الوسائل وأنجعها للوصول إلى تلك الغاية إذا ما تم صب الفكر الغربي في عقول الشباب مع شحنها بقدر هائل من الإفك ضد الإسلام والحيلولة دون وصول الإسلام إليها بحيث يترتب على ذلك تخريج أعضاء بارزين في المجتمع ولكن بلا عقيدة ولا قيم ولا أخلاق، وكيف لا يتحقق ذلك عندما تقوم الجامعة باسم العلم الحضارة الحديثة بتلقين الشباب بأن الخمور والمخدرات والعلاقات الخبيثة لا صلة لها بالأخلاق العامة، وأن يدرس معلمون مدربون متمرسون لتلاميذهم أن التعلق بالإسلام ينافي روح العصر والتقدم والعلم ؟!

    وللأسف الشديد فقد وقع ما حذر من وقوعه دعاة مخلصون منذ أن أطلت المؤامرة ضد شعوب الإسلام برأسها وسيطرت الصليبية العالمية على التعليم في ديار الإسلام وحولت وجهته بفلسفته وأساليبه إلى الأنماط الغربية، فكان أن جنت الشعوب المسلمة مر الثمار على أيدي نفر من أبنائها ممن صاغتهم الجامعة الأمريكية وغيرها من مؤسسات الإرساليات الصليبية فأصبح الإسلام غريباً عنهم ومنفراً متخلفاً في نظرهم فكانوا –كما أريد لهم وربما أكثر- حرباً على دينهم وأوطانهم لا يشعرون بأدنى رابطة لهم بالإسلام ولا بقضاياه وشعوبه، وبذلك نجحت الإرساليات في تخريج معاول إفساد ممن يحاربون كل فضيلة ويناهضون كل إصلاح (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) .

    وأخطر ما في شأن أولئك النفر أنهم يسيطرون على أغلب مراكز القيادة والتوجيه في المجالات التربوية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والعلمية وغيرها.. يتفننون من خلال مواقعهم في محاربة شعوبهم وهي تهفو –مع تباشير الصحوة الإسلامية- إلى العودة إلى هويتها الإسلامية وتشعر أن إبعادها عن هذه الهوية في العقود الماضية قد تم بسبب تسلط المنافقين المخادعين على مقدراتها بمن رضوا أن يحصلوا على مراكز في السلطة ثمناً لتمكينهم القوى الدولية الباطشة من رقاب شعوبهم والتحكم في مستقبلها .

    لقد رأينا أولئك الذين ارتضوا لأنفسهم اعتناق الأفكار الغربية ونبذ عقيدة الإسلام لا يبالون وهم خارج السلطة قليلاً أو كثيراً بما يجري من خسف لشعوبهم، ويشاركون إن كانوا داخل السلطة فيما يحل بشعوبهم من بطش وتنكيل وتجويع وتقتيل وتشريد وحصار وخنق للحريات.. وتعطيل كامل للجهاد ضد من يحتلون الأرض المقدسة ويذلون شبعها.

    وهاهم البعض منهم يتحركون في اندفاع وتصميم وحرص بالغ على صيانة مستقبل أخطر المؤسسات الصليبية التنصيرية في المشرق العربي.

    ولعله ينبغي علينا أن نعترف بأن الجامعة الأمريكية قد قطعت شوطاً بعيداً في إنجاز الأهداف التي أنشئت من أجلها، وكل ذي بصيرة يرى –كل يوم- النتائج الوبيلة لإقامة حصان طروادة في صورته العصرية وسط ديار الإسلام.

    نعم.. لقد أوقعت الجامعة الأمريكية التخريب المتعمد في عقول أغلب الشباب المسلم ممن تلقوا تعليمهم على يديها. ألسنا نرى تلاميذ فيليب حتي وشارل مالك وقسطنطين زريق يتبوأون أخطر المراكز في أكثر بقاع البلاد الإسلامية. ولهذا يراد للجامعة الأمريكية أن تستمر في رسالتها التي تعمل لتدمير القيم العليا عند الشباب المسلم، ومصداقاً لهذا القول فلقد رفضت الجامعة الأمريكية في بيروت كل العروض المقدمة من بيروت الشرقية لاستضافتها هناك، فالشباب المسلم هو ميدان عملها !


    ما هي الجامعة الأمريكية في بيروت ؟



    تأسست الكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأمريكية اليوم) في بيروت عام 1865م وعينت الإرسالية الأمريكية البروتستانتية القس دانيال بلس رئيسا لها حيث ألقى خطاباً في إحدى كنائس نيويورك بمناسبة اختياره لهذا المنصب أكد فيه حاجة الشرق الأدنى إلى أطباء وإلى تعليم ديني تكون التوراة فيه كتاب تدريس دائم، أما عمل الكلية –في تصوره- فيجب أن يكون وضع كتب مسيحية تساعد على الاتصال بملايين الناس في آسيا وأفريقيا (مناطق النفوذ الاستعماري) وعلى إسباغ النعمة المسيحية عليها، كما أعلنت الإرسالية أن الكلية هي مؤسسة بروتستانتية وأنها مصممة على إضفاء الطابع التبشيري عليها وعلى أن يكون كل أستاذ فيها مبشراً مسيحياً.

    وفي عام 1909م احتج الطلبة المسلمون على إجبارهم على الحضور إلى الكنيسة فاجتمعت إدارة الكلية وأصدرت منشوراً جاء فيه "إن هذه كلية مسيحية أسست بأموال شعب مسيحي وأقيمت لتوجد تعليماً يكون الإنجيل من مواده لكي تعرض منافع الدين المسيحي على كل تلميذ وهكذا نجد أنفسنا ملزمين بأن نعرض الحقيقة المسيحية على كل تلميذ وأن كل طالب يدخل إلى مؤسستنا يجب أن يعرف مسبقاً ماذا يطلب منه" .

    وأعلن مجلس الأمناء أن الكلية لم تؤسس للتعليم اللاديني ولا لبث الأخلاق الحميدة ولكن من أولى غاياتها أن تعلم الحقائق الكبرى التي في التوراة وأن تكون مركزاً للنور المسيحي وللتأثير المسيحي وأن تخرج بذلك على الناس وتوصيهم به.



    لماذا الاندفاع والحرص على صيانة مستقبل أخطر المؤسسات الصليبية التنصيرية في المشرق العربي ؟

    وحتى عام 1922م كانت الجامعة الأمريكية لا تزال تصر على تعليم التوراة لطلابها حيثما تسنح الفرصة.

    ويقول بنروز رئيس الجامعة الأمريكية لدى تنصيبه رئيساً لها عام 1948م "إن الدلائل قد أثبتت أن التعليم هو أثمن وسيلة استغلها المبشرون الأمريكيون في سعيهم لتنصير سوريا ولبنان ومن أجل ذلك كان اختيار رئيس الجامعة من مبشري الإرسالية البروتستانتية" .

    فهل –بعد هذا الوضوح- يمكن لأحد أن يماري في أن للجامعة الأمريكية رسالة تؤديها وأن لهذه الرسالة غاية واضحة المعالم: هي تهيئة البلاد العربية للتبعية للنظم الغربية وعزلها عن أي تأثير للإسلام…!



    العرب وأمريكا :

    إن تاريخ العلاقات العربية الأمريكية حافل بالمواقف العدائية من جانب الولايات المتحدة مما لا يمكن تفسيره إلا بالحقد الصليبي والكيد الكافر الذي يملي عليها تلك المواقف، ولطالما مد حكام العرب أيديهم لأمريكا وفتحوا ديارهم وقدموا ثروات أمتهم لها في الوقت الذي لم يجدوا منها –ولن يجدوا- سوى الصلف والعنجهية وكأنها تعامل جماعة من المتخلفين عقلياً.

    فبعد الحرب العالمية الأولى حمت أمريكا تنفيذ وعد بلفور بالشراكة مع بريطانيا وهو الصك الذي استخدم لاقتلاع الشعب الفلسطيني المسلم من دياره.

    وفي أواخر أيام الحرب العالمية الثانية قابل الرئيس روزفلت الملك عبد العزيز آل سعود في مصر في فبراير 1945م وكان أول مطلب لروزفلت هو السماح لعائلات يهودية بإقامة مستعمرات صهيونية في ضواحي المدينة المنورة ملوّحاً بأنه سيقدم ثمناً لذلك عشرات الآلاف من الجنيهات الذهبية إن حاز مطلبه القبول –وكانت الجزيرة العربية وقتها تعاني من ضائقة اقتصادية شديدة.. ولقد رفض الملك عبد العزيز رحمه الله آنذاك مجرد مناقشة الأمر.

    ثم جاء دور ترومان في إقامة دولة اليهود عام 1948م وما لحق ذلك من تاريخ حافل بالتمكين والدعم لليهود بالأموال والأسلحة والنفوذ والضغط الدولي والتصدي لكل الحقوق العربية مما يعرفه كل صغير وكبير ولا حاجة لنا لإعادة سرده… حتى وصلنا مع أمريكا قبل أيام إلى قيامها بإغلاق مكتب إعلام منظمة التحرير في واشنطن رغم أن المكتب يسعى لعرض وجهة النظر العربية بإمكانات هزيلة جداً بما لا يغني من الحق شيئاً، فالمسألة لم تكن في يوم من الأيام مسألة شرح عدالة الحقوق العربية!! وإنهم يعرفون ذلك لكنه الحقد والكراهية التي لا حدود لها..

    والعجيب أنه بعد إعلان إغلاق مكتب الإعلام الفلسطيني لوح ممثل العرب في الأمم المتحدة الدكتور كلوفيس مقصود بأن ذلك سوف تنعكس آثاره على المصالح الأمريكية في المنطقة العربية .


    ولماذا الجامعة الأمريكية الآن ؟



    ولنا أن نتساءل هل فتح الجامعة الأمريكية في عمان وإنقاذها من أزمتها المالية في لبنان هو إحدى هذه الانعكاسات التي ألمح إليها من الجامعة العربية ؟

    ويحق لنا أن نعجب –في زمن كله عجائب- كيف مر تدمير جامعة بيروت العربية قبل بضعة أشهر ونسف بناياتها والتفجير المتعمد للمختبرات العلمية بها بما تتجاوز خسائره 20 مليون دولار –حسب تقديرات الصحافة وقتئذ- ولم يتحرك أحد لإنقاذ هذا الصرح العلمي العربي…

    لكنها المؤامرة .. لا تزال مستمرة وعلى مختلف الأصعدة وكافة الميادين فمن يتصدى لها …؟!". انتهى .











    ثالثاً: مقال بعنوان: "الدور التغريـبـي للجامعة الأمريكية في بيروت" نشر في مجلة المجتمع الكويتية، العدد (917) :



    "اعتمد الاستعمار الغربي في توطيد نفوذه في العالم العربي والإسلامي على وسائل شتى، ففي البداية كان الاحتلال العسكري هو النمط السائد للاستعمار، وكما أفاقت الشعوب من سباتها وبدأت تتململ وتتمرد تحول المستعمر الدخيل من الاحتلال السافر إلى (الحماية) و(الانتداب) وحكم المستشارين، ولما اشتد تيار الاستقلال وأيقن المستعمرون أنه لابد جارفهم وأساطيلهم، وجدوا بعد دراسة وتجربة أن أكبر سهم في كنانتهم لبقاء هذه الشعوب تابعة مفككة، ممسوخة الشخصية، تائهة الوجهة هو توجيه مناهج التعليم والتغلغل في مرافقه والسيطرة على مصادره.

    ولم يشهد قرن من القرون الخالية ما نشهده في قرننا هذا، تصديقاً لمقولة العلامة ابن خلدون عن ولع المغلوب بتقليد الغالب، ولم يشهد قرن من القرون -خلا قرننا هذا- مثل هذا الاستغلال السافر من الغالب للوسائل التعليمية والفكرية والإعلامية للسيطرة على تفكير المغلوب وقولبة أفكاره ليضمن الغالب فرض هيمنته وبسط نفوذه.



    الزعامة تنتقل إلى أمريكا:

    انتقلت في منتصف هذا القرن زعامة المعسكر الغربي من بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبح من واجبات أمريكا المحافظة لا على التراث الفكري والحضاري لهذا المعسكر فحسب، بل عليها أن تحافظ على التراث الاستعماري والهيمنة والنفوذ الغربيين.

    والماضي التاريخي لأمريكا –إذا استثنيا إبادة الهنود الحمر- لا يشجع هذه الدولة كثيراً على التدخل العسكري المباشر، وقد بقي الرأي العام الأمريكي ميالاً للعزلة والمسالمة حتى وقع الهجوم الياباني على بيرل هاربور، فتحول هذا الرأي العام إلى تأييد الحرب ووقف التوسع الياباني الألماني، وكانت تلك بداية زعامة أمريكا للمعسكر الغربي ونهجها سياسة تعتمد على التدخل الفعال في شؤون الدول الأخرى للمحافظة على استغلالها لثروات هذه الدول وخيراتها وهو ما تسميه الدول العظمى بالمصالح الحيوية.

    ولئن كان تاريخ التدخل الأمريكي العسكري والدبلوماسي السافر المستتر يعود إلى الخمسينات من هذا القرن، فإن النشاط الثقافي والتبشيري الأمريكي يعود قبل هذا إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين أنشأت الإرساليات التنصيرية المدارس والمستشفيات حيثما تمكنت في أنحاء العالم الإسلامي مثل استانبول والقاهرة وبيروت وإيران والخليج والهند وفلسطين.


    العلم مقابل الانسلاخ !!



    ولعل أبرز نجاح حققته هذه المراكز التعليمية هو بيع الجيل الناشئ العلم والمعرفة مقابل الانسلاخ عن جذوره الثقافية والتخلي عن شخصيته المميزة، والذوبان والتبعية لثقافة هذه المراكز وحضارتها.

    ولعل كذلك أبرز هذه المراكز نجاحاً في أداء هذا الدور الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث نَشَّأت هذه الجامعة جيلين أو ثلاثة أجيال بدت فيها النـزعة التغريبية واضحة المعالم وظهرت آثارها المدمرة عندما تولت النخبة التي تخرجت من هذه الجامعة مقاليد كثير من الأمور في عدد غير قليل من بلدان العالم العربي والإسلامي.

    وقد تناولت بحوث كثيرة دور الجامعة الأمريكية وتأثيرها السلبي على المنطقة، ولذا فإن ما يورده الكتاب الذي بين يدينا ليس بجديد كل الجدة، ولكن أهميته ترجع إلى كون مؤلفه من المفكرين البارزين في صفوف اليسار العربي، وهو في هذا الكتاب الذي يصفه أنه (ذكريات مثقف عربي) يستعرض بعض مراحل حياته ونشأته في بساطة وعفوية ويقدم لكثير منا معلومات غنية عن حياة الجيل (المثقف) في تلك الحقبة من الزمن، وعن نشوء الحركات التغريبية من محضنها الأول: الجامعة الأميركية في بيروت.



    تساؤلات :

    إن قراءة هذا الكتاب تجيب على كثير من التساؤلات التي تدور في أذهان غير المطلعين: ما هو دور التعليم –والتعليم الأجنبي بخاصة- في حركة التغريب؟ لماذا لم يكن للإسلاميين في تلك الفترة مكان في الإدارات والمناصب العليا؟ كيف استطاع زعماء التغريب خداع أتباعهم بهذه البساطة والسهولة ؟ .

    والسؤال الأهم: كيف ابتعدت الحركة الثورية الفلسطينية عن جذورها الإسلامية؟ وما هي أفكار ونشأة بعض الأشخاص الذي تحكموا بوجهتها وخططوا سياستها ورسموا مساراتها المتعرجة الملتوية، وجعلوا منها –في بعض المراحل- جزءاً من تيار التغريب المعادي للإسلام؟ .

    نقول ذلك لأن د. شرابي عضو في مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ورئيس تحرير مجلة الدراسات الفلسطينية الصادرة باللغة الإنكليزية عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية وصديق لحسن الإبراهيم وحليم بركات وأدونيس الذي راجع الكتاب لغوياً!!

    يقدم د. شرابي للكتاب بكلمة توماس مان (لا يعيش الفرد حياته الشخصية فحسب، بل أيضاً حياة عصره وحياة جيله) ومن هنا كما أشرنا تنبع أهمية الكتاب !

    تبدأ ذكريات د. شرابي بمغادرته في آخر عام 1947م فلسطين في طريقه إلى شيكاغو لمتابعة دراسته العليا فيها، دون أن يدور في خلده أنها آخر نظرة يلقيها على يافا بلده الحبيب.

    ويسأل المؤلف نفسه الآن بعد مرور سنوات عديدة (كيف غادرنا بلادنا والحرب قائمة فيها، واليهود يستعدون لابتلاعها؟ لم يدر هذا السؤال في بالي حينئذ.. لم يكن يخطر على بالنا تأجيل دراستنا والبقاء في وطننا لنقاتل. كان هناك من يقاتل عوضا عنا. أولئك الذين قاتلوا في ثورة 1936م، والذين سيقاتلون في المستقبل، إنهم فلاحون.. موقعهم الطبيعي هنا)

    ويحدثنا د. هشام شرابي في مكان آخر.. عمن قاتل في ثورة 1936م، إذ يقول: (عندما اندلعت ثورة القسام سنة 1936م كنت في التاسعة من عمري.. لم ينقصنا شيء.. كان الخطر بعيداً عن الطبقات الميسورة، فقط الفلاحون والطبقات المحرومة قاتلت وتعذبت، ودفعت ثمن الثورة. المثقفون والأفندية كانوا يتبعون أخبار الثورة في صحيفتي (فلسطين) و(الدفاع)، كنا نسمع أن فلاناً قُتل، أن بيتاً نُسف، أو ثائراً عدم، فنلعن الإنكليز. لكن حياتنا بقيت تسير على نمطها المعتاد).
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: أخطار الجامعة الأمريكية في البلاد الإسلامية

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 05.12.09 9:55

    رسالة جامعة بيروت التغريبية :

    ثم ينتقل بنا د. شرابي للوراء قليلاً، فيروي لنا تجربته الجامعية في الجامعة الأميركية في بيروت، والتي يحسب كثير من المبهورين بها وبمن يقف وراءها أن الحياد الأكاديمي والنـزاهة العلمية تمارسان فيها على أوسع نطاق، ولكن الحقيقة أن للجامعة رسالة تغريبية استعمارية محددة لابد أن تؤديها..

    (كانت الحرية التي مارسناها في الجامعة الأميركية أقل بكثير مما كان يعتقد الناس. فقد خضعت حياتنا في الجامعة لسلطتين كان لا قدرة لنا على مغالبتها: سلطة الإدارة، وسلطة الأستاذ.

    كانت سلطة الإدارة بالنسبة إلينا كسلطة الدولة بالنسبة إلى المواطن، شاملة متكاملة لا نعرف أين تبدأ وأين تنتهي. أما سلطة الأستاذ فكانت.. تفرض من فوق ولا تقبل المعارضة أو النقض.

    هكذا كان الهدف الأساسي لعملية تثقيفنا في الجامعة.. يقوم على تطويعنا وإخضاعنا نفسياً.. كانت حصيلة دراستنا الجامعية أن خضعنا لسلطة الكلمة المطبوعة كما خضعنا لسلطة الكلمة المسموعة، فأصبحنا مشلولي الفكر تجاه ما نقرأ، وبخاصة إذا كان مصدره أجنبياً).

    أما البحث العلمي والروح النقدية وتقوية التفكير المنهجي فهو أمر ثانوي ربما لأن هدف الجامعة –آنذاك؟!- هو استلاب عقول النخبة من الطبقات الرئيسة في المجتمع، وتخريج جيل من أبنائها ييمم وجهه شطر حضارة الرجل النموذج الغربي (المتحضر).

    وقد لاحظ د. شرابي بعد ذهابه إلى شيكاغو الفرق بين مناهج الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة شيكاغو.. (أستطيع القول بصدق إنه خلال سنواتي الجامعية لم يرشدني أحد من أساتذتي حول أسلوب البحث الصحيح ولم أتلق مرة نقداً أو تحليلاً في أي بحث قدمته، وتخرجت من الجامعة وأنا أكاد لا أعرف معنى المنهجية أو البحث بمعناه الصحيح.. فنشأ عندنا الشعور أن الفكر الصحيح إنما هو الفكر المدعوم بقوة الحس وحسن اللغة، لا بقوة النقد والتحليل.. واكتشفت جهلي بعد أسابيع قليلة في جامعة شيكاغو).

    إرهاب فكري في جامعة بيروت :

    من كان يستطيع المخالفة في جو إرهاب فكري كهذا الجو، وكيف يتمكن من الاعتزاز بأمته ورسالتها السامية؟، وهو يلقن صباح مساء الأفكار التغريبية من لدن جهاز تدريس صليبي متعصب أو تغريـبـي متعال، فلا يُسمح للطالب بالنقد ولا بالاعتراض على ما يقدمه أساتذته من معلومات ومعطيات. إن مفهوم الحرية والمنهج العلمي لدى أئمة التغريب لا يطبق إلا عند توجيههما -بأساليب ملتوية- إلى صدر هذه الأمة ومبادئها.

    هل يستطيع الطالب أن يعترض ؟ وما المصير الذي ينتظره؟ (كان التهكم هو السلاح الفكري الأشد فتكاً في يد أساتذتنا، وكانوا لا يتورعون عن استعماله في جميع المناسبات. وما أسهل أن يحطم الأستاذ في قاعة الدراسة كل ما يتعارض مع اعتقاداته وميوله) .

    الدكتور شارل مالك من أبرز أساتذة الفلسفة في تاريخ الجامعة الأميركية ويحدثنا المؤلف عن هذا الرجل الذي كان وزير خارجية لبنان ردحاً من الزمن في عدة مواضع ولعل أعمقها دلالة: (في سنة 1945م غادرنا الدكتور مالك ليصبح وزير لبنان المفوض في واشنطن، وأقمنا له قبل مغادرته حفلة وداع خطب فيها عدد من الطلبة والأساتذة، وقال جميعهم ما معناه: (إنك أفلاطون ذاهب إلى أميركا لتحقيق فلسفتك، فيالخسارتنا، وهنيئاً لأميركا). ولم يخطر ببالنا آنذاك أن ما سيفعله مالك في الولايات المتحدة هو التخصص في مهاجمة الشيوعية ومدح المسيحية ودعم الحرب الباردة ليعود إلى لبنان ويصبح أيديولوجي اليمين المسيحي المتعصب) .







    تقزيم وتحقير للتراث العري :

    ماذا قرأ د. شرابي في السنوات التي قضاها في الجامعة في بيروت، إن نظرة عابرة على ما أورده عن قراءاته تظهر الدور التغريـبـي للجامعة، ومن أهم وسائله يتم في إطار تقزيم وتحقير التراث العربي الإسلامي والنظر إليه إن وقع ذلك في إطار الطرافة المندثرة الغابرة.

    لقد أصبح لدى د. شرابي في نهاية دراسته الجامعية مكتبة تضم مئات الكتب من هوميروس إلى نيتشه، وقرأ لدوستوفسكي وهرمن ملفل وسومرست موم والدوس هكسلي.. ولكن ماذا عن الكتب العربية وثقافته القومية.. يقول المؤلف (ومن الغريب إني بعد صف الغرشمن –أي السنة الأولى- انقطعت كلياً عن قراءة الكتب العربية). وفي إطار ما سبق استعراضه والحديث عنه نقول: لا غرابة!!

    هذا ما كانت عليه الجامعة الأميركية، وفي الكتاب زيادة لمن أراد حول العجب العجاب الذي كان يسود الجامعة من الناحية الأكاديمية والأخلاقية.



    الحزب القومي السوري والنشاط الاستعراضي :

    وفي نهاية المطاف بالجامعة الأميركية يحدثنا المؤلف عن التحاقه بالحزب القومي السوري بعد أن كان عضواً في خلية من نوى حركة القوميين العرب، ولئن بدأ هذا متناقضاً إلا أنه –في رأيه- لم يكن كذلك لأن "الجو الفكري والعاطفي الذي انتقلتُ إليه لم يختلف كثيراً عن الجو العروبي الذي كنت فيه، فالقيم والمقولات والمعاني بقيت نفسها، وإن اختلفت محتوياتها في بعض أوجهها"

    أصبح د. شرابي بعد التحاقه بالحزب القومي السوري من المقربين الخلص لزعيمه انطون سعادة الذي كان قوي الشخصية واسع الطموح، وتأثر شرابي بسعادة تأثراً بالغاً يتضح أثره في كتابه الذي ألفه بعد ثلاثين سنة من إعدام سعادة الذي يقول عنه "أحببته واحترمته كما لم أحترم أو أحب أي إنسان آخر.."

    ويشير د. شرابي في هذا الصدد إلى اهتمام أنطون سعادة اهتماماً بالغاً بالقضية الفلسطينية ويستعرض آراءه في هذا المجال والتي لا يخلو بعضها من الصحة، والتي تفسر لنا –جزئياً- نشاط هذا الحزب -المشوب بالدعاية والاستعراض- ضد إسرائيل في لبنان.


    طفولة مشوشة !



    وقبل أن ينتقل بنا د. شرابي من بيروت حيث أنهى دراسته الجامعية إلى شيكاغو حيث درس للحصول على الماجستير ثم الدكتوراه، يقف بنا وقفة قصيرة ليستعرض طفولته منذ ألحقه والده في السابعة من عمره طالباً داخلياً في مدرسة الفرندز Friends في رام الله إلى ذكرياته عن عكا التي اعتاد أن يقضي فيها صيف كل عام والتي "كانت لديه –وما تزال- أجمل مدينة في العالم".

    درس الدكتور شرابي في مدرسة الفرندز التنصيرية، والفرندز أو الكويكرز جماعة نصرانية تركز في دعوتها على النواحي الأخلاقية والتعليمية، وتهتم بإنشاء المدارس والمستشفيات للوصول إلى أهدافها في نشر النصرانية، واقتصرت تجربة المؤلف الدينية إلى جانب ذلك، على ما حبته به جدته الورعة المصلّية –أهي الوحيدة بين أسرته، لا يعطينا الكتاب إشارات غير ذلك- من حنان وتوجيه ديني… "وكان يؤلمها تقاعسي في القيام بالفرائض الدينية.. وحاولت مرة، عندما كنت في العاشرة أو الحادية عشرة، إصلاح أموري الدينية بالأسلوب المباشر –كانت تلك المحاولة الأولى والأخيرة- فأرسلتني إلى الشيخ لأتعلم أصول الدين، ولسبب لا أعرفه حتى اليوم جعل الشيخ موعد درسنا عند الفجر من كل يوم، فكنت أستيقظ كل يوم في الساعة الرابعة –أراحك الله- أو ما يقاربها وظلام الليل ما يزال مخيماً… ولم تدم دراستي الدينية طويلاً، وكان سبب انقطاعها رفضي التيمم.." الذي قدمه له الشيخ تقديماً غير موفق، مما جعل جدته لا تلح عليه بالعودة للشيخ فقد "خافت إن استمر الشيخ في تلقيني، أن أفقد ما تبقى في نفسي من إيمان".

    لا غرابة إذاً مع طفولة وبيئة كهاتين إضافة إلى دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت –وهي على ما قدمنا- أن يبتعد مؤلفنا وأمثاله شيئاً فشيئاً عن ثقافة الأمة ومشاكل ذاته وشخصيتها المستقلة وأن تكون معالجته لقضاياها معالجة مبتسرة مستعارة المقاييس والمفاهيم.



    إعادة نظر للمواقف :

    وفي شيكاغو أقبل د. شرابي على الدراسة بنشاط ودأب، مستفيداً من الجو الأكاديمي المحايد نسبياً، والذي تباين تبايناً واضحاً مع أجواء الجامعة الأميركية الموجهة "وما إن مرت بضعة أشهر حتى ابتدأت أستوعب مبادئ الثقافة الليبرالية النقدية التي فشلت الجامعة الأميركية في تلقيني إياها. وبدأت أتقن أيضاً ذلك الفن الصعب: فن القراءة وفن الإصغاء".

    كان من الطبيعي في إطار البيئة الجديدة والاحتكاك بالطلبة الأمريكان والأساتذة والجو الجامعي أن يعيد المؤلف النظر في مواقفه ومبادئه وقناعاته ويحاول بناء شخصيته المستقلة، بعد أن اكتشف –كما يكتشف كثيرون- مواطن ضعف كثيرة في قناعاته ومواقفه وأحوال نفسه وقومه، وإن كانت نظرته لم تشمل –كما يبدو- الجوانب الإيجابية منها، بل كانت نقدية شديدة الوطأة تركز على السلبيات، مما زاد في ابتعاده واغترابه عن قضايا أمته المتميزة تميز إسلامها وتراثها العربي.

    ويلفت د. شرابي نظر قارئه إلى ظاهرة لا تزال نعاني منها على الصعيدين الاجتماعي والأكاديمي، وهي أن فشل كثير من الطلبة العرب في دراستهم الجامعية العليا يعود إلى "أن النظام التعليمي الذي نشأوا عليه حدَّ من قدرتهم على استيعاب الأسس في حقول اختصاصهم وعن تفهم مناهجها الفكرية" ولا يتردد المؤلف في صراحته البادية في كل مراحل الكتاب عن القول "هناك فئة منهم (أي الطلبة العرب) نجحت في الحصول على الشهادات العليا لا بفضل جهودها بل بفضل عطف الأساتذة الأميركيين على الطلبة الأجانب وتقييم مجهودهم الدراسي على مستوى أدنى من مستوى أدنى من مستوى الطلاب العام، وقد عاد هؤلاء الطلاب إلى ديارهم يحملون شهادة الدكتوراه دون أن يتغير في نفوسهم الشيء الكثير، إلا أن لقب الدكتوراه أسبغ عليهم مكانة علمية تمكنهم من نشر أفكارهم المنقولة وغير المكتملة بين أبناء الجيل الطالع".

    ويستطرد د. شرابي في فخر قائلاً "حصلت على شهادتي بعرق جبيني لا بعطف أساتذتي أو تسامحهم".

    هل استطاع الدكتور شرابي أن يقيم علاقات صداقة مع الأمريكان خلال إقامة ثلاثين عاماً بعد دراسته وعمله واستيعابه وتشبعه بأساليب الحياة وأسس التفكير الغربي؟ يجيبنا على ذلك بقوله "لم تقم بيني وبين أميركي علاقة يمكن تسميتها بعلاقة صداقة بالمعنى الذي نفهمه في مجتمعنا العربي، ويعود ذلك لأسباب حضارية واجتماعية" ويعلل المؤلف ذلك بقلة الذكاء والحيوية والمرح لدى الرجل الأمريكي، ويستثني من ذلك علاقته بالبرفسور مارشال هورجسون أستاذ التاريخ الإسلامي وصديقه أثناء الدراسة في شيكاغو، والذي –رغم تميز هذه الصداقة- لم يجتمع به إلا في مكانين: درج مكتبة المعهد الشرقي لجامعة شيكاغو، وفي مسبح الجامعة!



    صدمة وعودة للوطن :

    صدمت أحداث ربيع 1948م د. شرابي، فالهزائم العربية تترى، وتقارير المراسلين الغربيين لصحفهم لا تحمل غير نذر الخطر والشؤم، ويوم سقطت يافا في أيدي اليهود، شعر الشاب المغترب بالمرارة واليأس، ولم ينقذه من حالته هذه سوى إيمانه أن الحزب القومي السوري سيحرر فلسطين ويزيل العار الذي لحق بالعرب !!

    قرّر د. شرابي أن يحاول الحصول على الماجستير في نهاية العام والعودة إلى الوطن لاسيما وقد تفرقت أسرته بين من لجأ إلى بيروت ومن آوته عمان، ويحقق ما تمناه بالدراسة والمثابرة، وينال الماجستير في آخر العام، ويسافر في أوائل 1949م بالباخرة من نيويورك إلى جنوة ومنها إلى بيروت، وتمر الباخرة وهي تعبر المحيط الأطلسي بعاصفة خطيرة يعود أثناءها المؤلف إلى جذوره الدينية… "عدت القهقري إلى سن المراهقة… كنت في تلك السن، لا أقوم بعمل ما إلا بعد قراءة الفاتحة وقل هو الله أحد واتجهت أفكاري إلى موضوعات دينية، وتركزت حول النبي محمد([1])، فبرز في ذهني بطلاً هادياً مخلصاً، وتركت نفسي ترسو رويداً في عالم بعيد معهود حبيب".

    هل استمرت تلك التجربة؟ للأسف لم تؤثر كثيراً ولم تفلح في جعل المؤلف يعود لهذا العالم الحبيب البعيد، ويوظف طاقته وكفاءته في ربط البعيد بالقريب وإحياء هذه الأمة على أساس من دينها وشخصيتها المتميزة .

    "كانت تلك التجربة مجرد حالة نفسية عارضة ما لبثت أن تبددت لدى وصولنا إلى جبل طارق" لقد استحكم فيه الابتعاد عن هذه الوجهة، بحيث أضحى مجرد القرب منها انهياراً للاستحكامات الداخلية وهروباً من الحاضر.. "ولست أدري حتى اليوم ما مكنني من مقاومة هذا الجذب السلفي ورفض أوهام الطفولة والسير في طريق العقل الموضوعي".



    مرة أخرى في صفوف القوميين :

    انخرط د. شرابي فور وصوله إلى بيروت في أوائل 1949م في نشاطات الحزب القومي السوري، وتبوأ فيه مركزاً مقرباً من زعيمه أنطون سعادة، وكانت سنة 1949م حُبلى بالأحداث التي تركت آثارها العميقة على الحزب القومي السوري، فقد عانى زعيمه من الإحباط بسبب ضعف الإقبال الجماهيري على الحزب، في نفس الوقت الذي تمكنت من نفسه عقدة التحدث عن الحزب "وكأنه دولة قائمة على وشك أن يتسلم الحكم.. وكان يسلك في تصرفه الشخصي وفي مواقفه العامة سلوك رجل الدولة" واستمر بسبب ذلك في استفزاز الدولة اللبنانية وتحديها، فكانت النتيجة في رأي المؤلف أن "تمكنت القوى الطائفية والإقطاعية والرجعية والتي كانت تتصارع فيما بينها باستمرار، من الإيقاع بالحزب والتخلص من أنطون سعادة" ويستمر د. هشام شرابي في تحليل فشل الحزب في تعاطف واضح لم تذهب به السنون "كان الحزب نخبوياً في تركيبه ونظامه بعيداً كل البعد عن المنظور الطبقي.. رفضنا المفهوم الطبقي لأنه يناقض المفهوم القومي وينفي نظرية الأمة، وهكذا حجب ضم الأمة حقيقة الجماهير عن ناظرنا…".

    وتتابع الأحداث.. أشعل الكتائبيون النار في المطبعة التي تطبع صحيفة الحزب، وبدأت سلطات الأمن اللبنانية في ملاحقة واعتقال القوميين السوريين، ويهرب المؤلف إلى عمان مستعملاً جوازاً أردنياً دبره له والده ناوياً السفر إلى شيكاغو في أقرب فرصة، ثم يعود إلى دمشق حيث نجح في الحصول على التأشيرة الأميركية، ويلتقي هناك بأنطون سعادة الذي لجأ لدمشق، ويتبين للمؤلف أن الحزب يعد للقيام بثورة مسلحة في لبنان، ولكن هذه المحاولة فشلت فشلاً ذريعاً، وقامت حكومة حسني الزعيم بتسليم سعادة إلى الحكومة اللبنانية التي بادرت بإعدامه خلال بضعة أيام .

    ويتضح تأثير هذه الأحداث على د. شرابي حتى ويومنا هذا، فالقارئ لا يسعه إلا أن يلاحظ جدة الذكريات في مخيلته وتعاطفه الشديد مع سعادة، واستياءه ومرارته من إعدامه وملاحقة أفراد حزبه، وينتقل لنا جزء من أفكاره في تلك الفترة "مجتمعنا قاسٍ، لا يرحم.. من يرفع رأسه يضرب ويحقر ويطعم التراب.. ما أتعسك يا وطني".

    وعندما غادرت الطائرة أجواء عمان تقل في جوفها د. شرابي كان آخر خواطره كما أوردها في كتابه "لقد نبذتني يا وطني.. لن أرجع إليك.. لن أرجع أبداً.." .



    حنين للعودة :

    ولكن الجذور التي خلفها د. شرابي في الوطن لم تذبل تماماً، وما زال في أعماقه حنين للعودة إلى بلاده التي أحبها ونبذته، لذا فهو يقول في المقدمة المكتوبة في واشنطن عام 1978 "يغمرني إحساس في هذه اللحظة أنني لن أعود إلى وطني، بل سأمضي ما تبقى لي من العمر هنا في هذه البلاد الغريبة، وأنني سأموت فيها. لكن لا.. هذا لن يحدث، شعبي هو جزء من حياتي لم أتركه يوماً، ووطني أحمله في قلبي لا أقدر أن أتخلى عنه، سأعود يوماً…"

    تلكم هي إحدى قصص الفصام والاغتراب الذي تضافرت على إيجاده عوامل مختلفة من الجهل وفَقْدِ الالتزام والتعليم التغريبـي والسيطرة الاستعمارية والاستلاب الفكري. إنها قصة جيل لم يستطع أن يضطلع بمسؤوليته التاريخية في التوفيق بين تراث هذه الأمة وبين متطلبات العصر، وكان عاجزاً –لانقطاعه وعزلته- عن استثارة همم وحماسة الجماهير المسلمة لإحياء حضارة إسلامية تقوم على أسس متفردة لا شرقية ولا غربية، وبقي هذا الجيل متخبطاً في دوامة المذاهب المستوردة ينتابه التردد والشك، بل زاد من التخبط والضياع الذي انتاب هذه الأمة ردحاً طويلاً من الزمن.

    إننا نأمل أن يعود المؤلف إلى عقيدته وتراثه، مثلما بقي في نفسه الحنان للعودة إلى وطنه وشعبه .. والقلوب بيد الرحمن". انتهى .



































    رابعاً: جزء من كتاب "التبشير والاستعمار في البلاد العربية" للدكتور مصطفى الخالدي والدكتور عمر فروخ([2])، ص 96-110 :



    "الجامعة الأمريكية في بيروت:

    ومع أن المبشرين الأميركيين قد أنشأوا في عبيه مدرسة للصبيان وأخرى للبنات، فإنهم لم يعفوا بيروت من نشاطهم، فقد أسس سيمون كالهون منذ عام 1835م مدرسة في بيروت ليساعد في حملة التبشير([3]) التي شنها البروتستانت على سورية. ولكن لما تأسست الكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأميركية اليوم) في بيروت (عام 1865م) لم يبق من حاجة إلى مدرسة عبيه ولا إلى مدرسة كالهون، فإن الكلية السورية الإنجيلية أخذت مكانهما.

    وجاء في تقرير لدانيال بلس، الرئيس الأول للكلية السورية الإنجيلية في بيروت، هذه الحقائق نثبتها موجزة فيما يلي([4]):

    في عام 1861م و 1862م كان دانيال بلس والدكتور وليم طومسون يبحثان في ضرورة إيجاد معهد عالٍ لسورية ولسائر العالم العربي في الشرق الأدنى، فإن ذلك أفضل من أن يتعلم الطلاب علومهم العالية في الخارج: في أميركة وإنكلترة مثلاً. ذلك لأن ثمت أفراداً تعلموا قليلاً أو كثيراً في إنكلترة وأميركة ثم إنهم استقروا نهائياً حيث تلقوا علومهم، أو إنهم رجعوا إلى بلادهم في الشرق الأدنى من غير أن يؤثروا في قومهم قط (أي لم يساعدوا المبشرين على التبشير بين أهل البلاد!) بينما الذين تعلموا في مدرسة عبيه قد اتخذ منهم المبشرون مدرسين لمدارس التبشير وواعظين ومساعدين في أعمال مختلفة…

    واعتمدت الكلية السورية الإنجيلية في تأسيسها على الرجال الذين يمولون التبشير، وخصوصاً من الإنكليز والأميركيين.

    في 23 كانون الثاني من عام 1862م اقترح الدكتور طومسون أن يكون دانيال بلس رئيساً للكلية. وفي 27 كانون الثاني اقترح طومسون وبلس معاً أن يكون الاعتماد الأول على الإرسالية الأميركية (للتبشير). وقد وافقت الإرسالية على ذلك وعلى أن يكون دانيال بلس رئيساً للكلية أيضاً([5])… على ألا يتعارض ذلك مع عمل الإرسالية في سورية.

    وعلى هذا الأساس سافر دانيال بلس في 14 آب 1862م إلى نيويورك فوصل إليها في 17 أيلول. وفي أيار من عام 1863م خطب دانيال بلس في الكنيسة المشيخية([6]) في نيويورك فأكد الحاجة في الشرق الأدنى إلى أطباء وإلى تعليم ديني تكون التوراة فيه كتاب تدريس دائم. أما عمل الكلية فيجب أن يكون وضع كتب مسيحية تساعد على الاتصال بملايين الناس في آسية وفي أفريقية وعلى إسباغ النعمة (المسيحية) عليهم.

    وبعد أن عاد دانيال بلس من الولايات المتحدة ببضعة أشهر انعقد اجتماع في بيت الدكتور فاندَيك في الثلاثين من كانون الأول 1863م حضرة فانديك نفسه وفورد وجَسَب وهرتر من الإرسالية الأميركية. ثم حضر جونسون قنصل الولايات المتحدة في بيروت وقد قرر المجتمعون يومذاك، بعد أن تذاكروا في إنشاء الكلية السورية الإنجيلية، اتجاه تلك الكلية فقالوا: "نحن نصر على الطابع التبشيري للكلية، وعلى أن يكون كل أستاذ فيها مبشراً مسيحياً". وكذلك تبنى المجتمعون شرعة الاتحاد التبشيري على أن تكون تلك الشرعة هي الخطة التي يحب أن يعمل كل أستاذ عليها. وفي عام 1902م –أي في العام الذي اعتزل فيه دانيال بلس رئاسة الكلية- زال الإصرار على الفقرة الأخيرة فقط([7]).

    وهكذا نرى أن الكلية السورية الإنجيلية قد ولدت في رؤوس المبشرين ثم تعهدها المبشرون بعد ذلك أيضاً. ولقد اشترط المبشرون على القائمين بأمر الكلية ألا تفسد هذه الكلية عليهم عملهم (أي ألا تعلم ما يناقض مبدأهم التبشيري) وأن تكون مؤسسة بروتستانتية([8]).

    وهكذا نرى بكل وضوح أن الكلية السورية الإنجيلية كانت نتاج التعليم البروتستانتي ووليد الإرسالية الأمريكية (للتبشير) ([9]). ومع أن الكلية كانت تعتمد في أول أمرها فقط على مساعدة الإرسالية المادية، فإنها كانت دائماً تتفق معها في الغاية: في السياسية التبشيرية وفي العمل معها في هذه السبيل([10]).

    وفي أول الأمر مالت الكلية إلى كتمان جهودها التبشيرية –وإن ظلت تبذلها- تجنباً لسخط الحكومة العثمانية، ولذلك قال دانيال بلس نفسه:

    "إن السنوات الأولى التي شهدت تطور الكلية قضت أن تسير الكلية في مجراها بهدوء قدر الإمكان، فلا تلفت إليها رجال الحكم قبل أن تثبت جذورها في الأرض"([11]). فلما ثبتت جذورها تركت التستر وأصبح لها اجتماعات دينية ظاهرة فأجبرت جميع الطلاب على حضور الصلوات في الكنيسة كل يوم، وأجبرت الطلاب الداخليين خاصة على أن يحضروا صلاة يوم الأحد أيضاً.

    ولما زار المبشر جون موط الكلية السورية الإنجيلية عام 1895م أسست الكلية فرعاً لجمعية الشبان المسيحيين([12]) إلا أن الاسم كان محرجاً أمام غير النصارى، فغيرته الكلية وجعلته "الأخوية"([13]). وهذه الأخوية لا تزال قائمة إلى اليوم ولكنها كانت تدعى بأسماء مختلفة في الأدوار المختلفة. ومع أن الدخول في هذه الجمعية "جمعية الأخوية" كان اختيارياً لجميع الطلاب، فإن أساتذة الكلية السورية الإنجيلية([14]) كانوا كثيراً ما ينحدرون إلى مستوى يعطفون فيه على التلاميذ المتأخرين في التحصيل إذا كانوا أعضاء في هذه الأخوية. وتخرج أحدنا عام 1928م وكان كل طالب لا يزال يشعر هذا الشعور. ولقد اصطدمت([15]) أنا بعقبات كثيرة ذللتها بجهد شخصي، ولو أنني كنت أحضر الصلوات في الكنيسة أو أنني كنت عضواً في الأخوية لوفرت على نفسي كثيراً من الإزعاج !

    لقد كان حضور اجتماع الصباح إجبارياً إما في الكنيسة وإما في منتدى وست هول. وكان بديهياً أن أختار الحضور في وست هول حيث تكون الاجتماعات بعيدة عن الدين قليلاً أو كثيراً. وفي يوم من الأيام دعاني عميد الدائرة العلمية الأستاذ أدورد نيقولي وسألني لماذا كنت غائباً عن الكنيسة؟ فقلت له أنا لا أحضر الكنيسة ولكن أحضر اجتماعات وست هول، فصرفني، ولكن في اليوم التالي دعاني ثم ذكر أنه يستغرب كثرة غيابي عن الكنيسة، فأعدت عليه القول بأنني منذ أول العام قد اخترت الحضور في وست هول. وأخيراً أدرك الأستاذ نيقولي أن الإيحاء إلي بحضور الكنيسة غير ممكن، فتركني وشأني.

    ولا يزال الإصرار على الطابع الديني التبشيري للكلية السورية الإنجيلية قائماً إلى اليوم. نشر الكاتب لدفيك برنهارد في الكتاب السنوي الروسي لعام 1905م مقالاً عنوانه "أميركة في الشرق" صور فيه الكلية السورية الإنجيلية على أنها محاولة مدروسة لتمهيد الطريق أمام المصالح الأميركية والتجارية منها خاصة. فرد عليه رشتر([16]) بقوله: إن مثل هذا الرأي في هذه المؤسسة يصدق على ناحية واحدة منها ويضلل عن هدفها الحقيقي. إن الكلية مؤسسة تبشيرية وليس هذا فقط بل هي كما يقول جسب([17]) أوضح سياسة دينية وتبشيرية من سائر المدارس الأميركية في الشرق، ككلية روبرت في استانبول مثلاً، أما رشتر فقال عنها([18]): إنها أرقى مدرسة مسيحية في الإمبراطورية العثمانية وإيران([19])، إذ هي التي تهيئ المدرسين المبشرين للمدارس الأمريكية المنثورة في الشرق الأدنى كله([20]).

    فالجامعة الأمريكية في بيروت كانت عند إنشائها مؤسسة تبشيرية، ولم تؤسس للتعليم العلماني؛ ذلك لأنها كانت نتاج حركة التبشير الأمريكية([21]). هذا ما أجمع عليه الذين كتبوا عن هذه الجامعة([22]).

    على أن الغريب أن الجامعة الأميركية لا تزال إلى الآن تبشيرية: يقول ستيفن بنروز([23])… ومع ذلك فإن (الجامعة الأميركية) كانت ولا تزال مؤسسة تبشيرية. ثم إنه يصر على أنها تبشيرية، بل إن التبشير كان المبرر الوحيد لتأسيسها([24]). وذلك بعد أن صرح فقال: إن الغاية القصوى للكلية (السورية الإنجيلية) أن تحتضن التبشير المسيحي وتبذر بذور الحقيقة الإنجيلية. وعلى هذا الأساس ذهب دانيال بلس إلى أمريكة ليثير رغبة الجمهور المسيحي لمحاولة تأسيس معهد أدبي يعمل على نشر الإرساليات البروتستانتية والمدنية المسيحية في سورية والأقطار المجاورة([25]).

    ولما اعتزل دانيال بلس إدارة الكلية عام 1902م، وقد بلغ يومذاك ثمانين عاماً([26])، خلفه ابنه هوارد بلس.



    ([1]) صلى الله عليه وسلم. (س).



    ([2]) وهما ممن درس في هذه الجامعة، كما يأتي في حديثهما.



    ([3]) Bliss 163, 212.



    ([4]) Bliss 162; cf. Penrose 8.



    ([5]) cf. Jessup 241



    ([6]) Presbyterian من فرق المذهب البروتستاني .



    ([7]) Jessup 274.



    ([8]) Bliss 163-9.



    ([9]) cf. Jessup 298; Bliss (R) 329.



    ([10]) Pliss (R) 392: Jessup 298, 817.



    ([11]) Bliss 217.



    ([12]) وهي اليوم "الجمعية المسيحية للشبان" أو جمعية الشبان المسيحية.



    ([13]) Bliss 217-8 Brotherhood.



    ([14]) الجامعة الأميركية في بيروت .



    ([15]) الكلام هنا للدكتور عمر فروخ.



    ([16]) Richter 220



    ([17]) Jessup 737



    ([18]) Richter 74



    ([19]) Gairdner 27-8



    ([20]) Richter 221



    ([21]) Penrose 307, 309, cf. 5. 13, 139



    ([22]) cf. Bliss 214f. Gairdner 277-8; Jesstip, 274, 298, 737, 818; Riehter 74; 220; Bliss (R) 329; Addison 91.



    ([23]) Penrone 46.



    ([24]) ibid. 180, 181.



    ([25]) ibid. 81 f.



    ([26]) cf. Bliss 11, 214-5
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: أخطار الجامعة الأمريكية في البلاد الإسلامية

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 05.12.09 10:01

    هوارد بلس:

    ولد هوارد بلس عام 1860م في سوق الغرب بجبل لبنان([1]). ولكنه نشأ في الولايات المتحدة، وكان قسيساً راعياً([2]). ظل هوارد بلس بعد أن تولى الكلية السورية الإنجيلية قسيساً مبشراً ومعلماً مبشراً([3]). ولقد حضر، وهو رئيس للكلية، مؤتمراً لاتحاد الطلاب المسيحيين في العالم عقد في كلية روبرت في استانبول عام 1911م، وحضر معه من الأشخاص([4]) الآنسة مريم بارودي، الدكتور فيليب حتي وأخوه حبيب حتي، الآنسة ماري كساب مؤسسة المدرسة الأهلية للبنات في بيروت)، الأستاذ بولص الخولي، طانيوس سعد([5]) وادورد نيقولي عميد الدائرة العلمية (ت1937م).

    أما غاية هذا المؤتمر فهي مثبتة على الصفحة الأولى من المتن([6]): إنها توحيد حركات الطلاب المسيحيين ومنظماتهم في العالم… وجمع المعلومات المتعلقة بالأحوال الدينية للطلاب في كل العالم … وقيادة الطلاب حتى يصبحوا تباعاً ليسوع المسيح على أنه مخلصهم الوحيد وربهم… ثم ضم جهود الطلاب التعاون على مد مملكة المسيح في جميع العالم… وعلى الأخص في البلدان عير المسيحية. ولقد تكلم في هذا المؤتمر هوارد بلس نفسه (ص 131-138) والدكتور فيليب حتي (ص 229-230).
    بيارد ضودج



    ولما توفي هوارد بلس عام 1920م بقيت الجامعة الأميركية في بيروت بلا رئيس أصيل حتى عام 1923م حين عُين لها بيارد ضودج.

    كان بيارد ضودج في الأصل تلميذ لاهوت ثم نال شهادة دكتور في اللاهوت([7])، ولقد بقي سبع سنوات رئيساً مساعداً لجمعية الشبان المسيحيين (913-1920)، ومع ذلك فإنه لم يتسامح في أن يصبح أحدنا (الدكتور مصطفى الخالدي) رئيساً لجمعية الشبان المسلمين في بيروت وأن يظل في الوقت نفسه أستاذاً في الجامعة، ولقد صارحه بأن جهوده في سبيل فلسطين وفي سبيل الشبان المسلمين لا يمكن أن ترضى عنها الجامعة. ولم يكن من المعقول أن يتخلى الدكتور مصطفى الخالدي عن خدمة اجتماعية في رئاسة الشبان المسلمين والشابات المسلمات تشبه الخدمة الاجتماعية([8]) التي يقوم بها بيارد ضودج نفسه في رئاسة الشبان المسيحيين([9]) ! وكذلك لم يكن من المعقول أن يتخلى الدكتور مصطفى الخالدي عن الاهتمام بقضية فلسطين وهي القضية التي كان يهتم لها الرئيس ضودج نفسه. وهكذا فضل الدكتور مصطفى الخالدي أن يعتزل التدريس في الجامعة.

    ولا ريب في أن شعور الطلاب بالتبشير المكشوف كان قليلاً جداً في رئاسة الدكتور بيارد ضودج، وذلك لسببين اثنين: أولهما بلا ريب أن شخصية الرئيس بيارد ضودج لم تكن مهاجمة قهارة، كالذي يروى عن دانيال بلس مثلاً. وكان في الرئيس ضودج تسامح كبير، إلا أننا نعلم أن في الجامعة وللجامعة أناساً كان الرئيس ضودج مضطراً إلى تنفيذ رغباتهم، ثم إن الجامعة لم تتخل بعد عن سياسة التبشير قط. ويكفينا دليل واحد على ذلك: أن الجامعة قد استغنت عن العدد الأكبر، وإذا نحن رجعنا إلى المساعدات المالية التي تعطيها الجامعة رأينا قسماً منها بلا ريب خاصاً بأفراد مسلمين أو بمؤسسات تساعد أفراداً مسلمين، ولكننا إذا نظرنا إلى "المساعدات المنظمة" نراها شيئاً آخر.

    وثاني السببين أن اليقظة العربية تطورت تطوراً كبيراً في مدة رئاسة الدكتور ضودج (1923م-1947م)، فمن الثورة السورية إلى قضايا فلسطين إلى استقلال البلاد العربية إلى ولادة جامعة الدول العربية، كل ذلك غمر العالم العربي حتى أصبحت كل سياسة تبشيرية مكشوفة بجانبه تدعو إلى كثير من الاستغراب .
    ستيفن بنروز



    والدكتور بيارد ضودج لم يكن قليل الذكاء، ولكن القصة التي يرويها عنه ستيفن بنروز([10])، الرئيس الحالي للجامعة الأميركية في بيروت، بعيدة عن المعقول. قال بنروز:

    كان الدكتور ضودج كثيراً ما يروي أنه رأى مرة في القطار الكهربائي في بيروت رجلاً مسلماً مسناً يحاول أن يصلي. كان هذا الرجل المسن لا يكاد يوجه نفسه في وقوفه نحو مكة (القبلة) حتى يكون القطار قد دار حول منعطف في الشارع فيضطر المسكين إلى أن يصحح اتجاهه. وقبل أن يمضي وقت طويل كان هذا المسكين قد اضطرب تماماً وأخذ ينظر إلى الراكبين بذلة وانكسار كأنه يطلب منهم معونة لا يستطيعون أن يسدوها إليه. إن هذا الرجل (والكلام للدكتور ضودج، كما يزعم بنروز) كان يمثل الصعوبة التي تواجهها التقاليد الإسلامية في عصر يتبدل بسرعة لا تصدق" !

    واستغربت أنا([11]) هذه القصة يرويها الدكتور ضودج لأنني أعرفه معرفة تامة، فلقد كان يعلمنا "دروس الأخلاق" في الدائرة الاستعدادية، قبل أن يصبح رئيساً للجامعة. من أجل ذلك كتبت إلى بنروز أسأله إذا كان قد نقل هذه الحكاية من كتاب مطبوع أو أنه سمعها سمعاً فقط، فتلقيت من بنروز الرسالة التالية (أنقلها أولاً إلى اللغة العربية ثم أثبتها بنصها الإنكليزي مصوراً بالزنكوغراف) ([12]).

    :" عزيزي الدكتور فروخ: تلقيت رسالتك المؤرخة في 12 أيار تسألني عن قول استشهدت به في كتابي "كيما تكون لهم الحياة" إن هذا القول قد أخذته عن طريق السماع ..".

    إن مثل هذه القصة، قصة المسلم العجوز الذي يصلي في حافلة القطار الكهربائي، لا يمكن أن تجد إلا راوياً أميركياً، والذين يعرفون بيروت والقطار الكهربائي في بيروت ويرون المسلمين في الشوارع يستطيعون أن يدركوا إلى أي حد بلغ الخيال بواضع هذه القصة.

    أما نحن فنستغرب أن يشترك رئيسان لأعظم جامعة في الشرق الأدنى في رواية مثل هذه القصة التي لا يمكن أن تكون إلا سخيفة. نقول هذا بصرف النظر عن أنها بعيدة عن الحقيقة، وخصوصاً إذا قبلنا أن تكون منسوبة إلى الدكتور بيارد ضودج الذي قضى في الشرق خمسة وثلاثين عاماً، ودرس اللغة العربية والدين الإسلامي على العلامة الشيخ أحمد عمر المحمصاني، تلميذ المصلح الكبير الشيخ محمد عبده (رحمهما الله) ([13]). على أننا نحب أن نقول رأينا في هذه الحادثة.

    إن أغلب الظن أن الدكتور بنروز قد اختلق هذه القصة رأساً من أساسها، بعد أن دله مبشر جاهل على المسألة الفقهية المتعلقة بها، أو أنه هو قد قرأ هذه المسألة الفقهية ولكن لم يفهمها:

    "في الفقه الإسلامي، أن المسلم إذا كان سائراً (على جمل أو في واسطة أخرى للنقل) وأراد الصلاة ثم اتجه إلى القبلة، فإنه يلزم اتجاهه هذا مهما تبدل اتجاه الواسطة التي يستعملها"([14]).

    إن الذين يأتون إلى الشرق ليعلمونا يجب أن يكونوا هم أنفسهم أكثر علما منا، أو يجب ألا يتعرضوا لما لا يعرفون على الأقل! وبعد، فأي وزن لحادثة يذكرها المؤرخ أو العالم الاجتماعي إذا كان لا يعرف أين وجدها ولا متى سمعها. ولكن المستر بنروز اختلق قصة ثم جعل يزعم، بالاستناد إليها، أن المسلمين متأخرون جهلة أغبياء! على أن المستر بنروز ليس مسلماً لأنه صرح في كتابه بأن الغاية الأولى من تأسيس الجامعة لم يكن تعليم العلم وبث الأخلاق الحميدة، بل نشر المذهب البروتستانتي. ولكن لعله نسي أن الجامعة قد أعلنت منذ مدة طويلة أنها غيرت سياستها هذه! .

    وهنا نحب نحن أن نشير إلى أن القائمين على أمر الجامعة الأميركية في بيروت لم يكتفوا من أول أمرهم بأن يكون رئيس هذه المؤسسة مبشراً، بل أصروا على أن يكون جميع المدرسين فيها مبشرين، إن الدكتور جورج بوست جاء إلى الشرق الأدنى مبشراً كزملائه، ثم ذهب إلى طرابلس عام 1863م كطبيب مبشر([15]). وكذلك كان كورنيليوس فانديك، وابنه هنري فنديك ويوحنا ورتبات، كلهم أطباء مبشرين([16]).

    وكان على هؤلاء المدرسين أن يوقعوا يميناً يقسمون فيها بأن يوجهوا جميع أعمالهم نحو هدف واحد، هو التبشير، ولم يقبل منهم أن يكونوا نصارى بروتستانتيين فقط، بل وجب أن يكونوا مبشرين أيضاً([17])، ومع الأيام ألغت الجامعة توقيع هذا اليمين، ولكنها لم تلغ مؤداها.

    وكانت الجامعة تحرص على أن يظهر جميع أساتذتها بمظهر المبشرين ثم تحملهم على أن يحضروا المؤتمرات التبشرية، ولعل الأستاذ بولص الخولي لم يعن بالتبشير –مما نعرفه نحن- ولكنه حمل بلا ريب هو والدكتور فيليب حتي على أن يحضروا مؤتمر استانبول مع الدكتور هوارد بلس عام 1911م، تكثيراً للأسماء الوطنية.

    ومع أن الجامعة الأميركية لم تعلن سياستها التبشيرية في مطلع حياته خوفاً من أن يغلقها العثمانيون، فإنها لم تأل جهداً في التبشير في كل درس. حتى في الدروس التي لا صلة خاصة بينها وبين الدين، كانت المبادئ المسيحية موضع تأكيد وتزيين كلما سنحت لذلك فرصة، فمن أمثال ذلك مثلاً أن درس اللغة الإنكليزية كان يستغل في نقل نصوص التوراة الإنكليزية إلى العربية، وفي هذه الأثناء ينتقل إلى مناقشة المشاكل الدينية من الزاوية التبشيرية طبعاً([18]).

    وهذا أمر غير مستغرب في المدارس التبشيرية، لقد قرر مؤتمر القدس المنعقد عام 1935م أن يستغل كل درس في سبيل تأويل مسيحي لفروع العلوم كالتاريخ وعلم النبات الخ([19]).

    ومع أن الجامعة الأميركية، كما يقول بنروز، لم تفكر بأن تفرض المذهب البروتستانتي على طلابها فرضاً، فإنها كانت تستغل كل فرصة سانحة ليعرف أولئك الطلاب الحقيقة كما تريدها النصرانية البروتستانتية. وكان الدخول إلى الكنيسة فرضاً على كل تلميذ([20]).

    واتفق في عام 1909م أن احتج الطلبة المسلمون على إجبارهم على الدخول إلى الكنيسة فاجتمعت عمدة الجامعة الموقرة! وأصدرت منشوراً طويلاً جداً، جاء في مادته الرابعة ما يلي:

    إن هذه كلية مسيحية، أسست بأموال شعب مسيحي: هم اشتروا الأرض وهم أقاموا الأبنية، وهم أنشأوا المستشفى وجهزوه، ولا يمكن للمؤسسة أن تستمر إذا لم يسندها هؤلاء، وكل هذا قد فعله هؤلاء ليوجدوا تعليماً يكون الإنجيل من مواده فتعرض منافع الدين المسيحي على كل تلميذ.. وهكذا نجد أنفسنا ملزمين بأن نعرض الحقيقة المسيحية على كل تلميذ.. وأن كل طالب يدخل إلى مؤسستنا يجب أن يعرف مسبقاً ماذا يطلب منه.

    وكان هذا التهديد المجرد من الذوق والروح العلمية كافياً لأن يعلن الطلاب الإضراب، إلا أن العمدة تصلبت في ظاهر أمرها فترك ثمانية طلاب العلم في المؤسسة المتعصبة([21])، ولم تتأخر الكلية عن أن تعلن بلسان مجلس الأمناء أن الكلية لم تؤسس للتعليم العلماني ولا لبث الأخلاق الحميدة (كذا)، ولكن من أولى غاياتها أن تعلم الحقائق الكبرى التي في التوراة، وأن تكون مركزاً للنور المسيحي وللتأثير المسيحي، وأن تخرج بذلك على الناس وتوصيهم به([22]).

    إلا أن الروح الحرة لم تلبث أن انتصرت فثابت الجامعة الأميركية إلى نفسها ورأت، ولو بعد حين، وجه الصواب فتنازلت حينئذ عن رأيها الذي لم يكن من العلم في شيء، ولا من الحرية في شيء، ولا من الإنسانية في شيء.

    لقد شاهدت الجامعة الأميركية يقظة العرب على هذا التراب الطاهر في الشرق الأدنى، وشاهدت جموع الشرقيين والعرب يتجهون أفواجاً نحو هيكل العلم النبيل، في أفق يسع المشرق والمغرب ويسع الأديان كلها والألوان جميعها([23])، فأي فضل للجامعة بعد ذلك إذا اعترضت هذا الموكب الفخم المهيب لتسوق جزءاً منه نحو الكنيسة البروتستانتية! أما حجتها فكانت أوهى من عملها، إنها احتجت بأن نفراً من المتمولين الأميركيين لا يعينون الجامعة بأموالهم التي جمعوها إلا إذا علموا أنها تزيد عدد البروتستانت في الشرق. وهكذا حكمت الجامعة الأميركية على نفسها بأنها مسوقة في تيار قوم آخرين، وأنها مستأجرة لتنفيذ رغبات لا تشرف صاحبها فضلا عن منفذها.

    على أن استغرابنا قد زاد عام 1948م ولم ينقص. إن الجامعة الأمريكية تعترف بأنها بدأت تبشيرية ثم تخلت عن التبشير في عصر القومية الواسعة والتسامح العظيم والتعاون الشامل.

    إلا أن الدكتور ستيفن بنروز –رئيس الجامعة الأمريكية الحالي- قد أتى، مما هو ظاهر واضح في كتابه، بعقلية دانيال بلس لا بعقلية بيارد ضودج على الأقل: لقد جاء مبشراً لا معلماً. ولو أنه جاء معلماً لا مبشراً لأرخ الجامعة الأميركية في بيروت تأريخاً مختلفاً من حيث الاتجاه والتوجيه على الأقل، لا من حيث المادة". انتهى .


















    خامساً: جزء من بحث بعنوان: "الغزو الثقافي أهم قضايا التعليم المعاصر" للدكتور إبراهيم سليمان عيسى([24])، مقدم إلى مؤتمر تطوير مناهج التربية الدينية الإسلامية في التعليم العام بالوطن العربي، ص 47-49:



    "إن المتتبع لعناصر التعليم وسياسته ونظامه في الأمة العربية يجد أن الغزو الثقافي يعتبر من أهم وأخطر قضايا التعليم في الأمة العربية كلها وخاصة في ضوء المستحدثات والمستجدات على الساحة العربية والدولية، وليست المناهج هي المعرضة للغزو الثقافي فقط بل إن الكيفية التي يعد بها المعلم قد لحقها التشويه والتشويش، خاصة إذا وضعنا في اعتبارنا النقاط التالية:

    1-ما زالت كل الدول العربية بما فيها مصر تستعين بالخبراء الأجانب من بعض البلاد المتقدمة تكنولوجيا والغنية في وضع وتعديل وصياغة سياسة ونظام التعليم فيها، وتزداد هذه الظاهرة في الدول العربية التي تتلقى القروض من الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية، ورغبة من الدول المانحة للقروض في أخذ ما تعطيه يوفد هؤلاء الخبراء وهي صاحبة الكلمة الفصل في تحديد رواتبهم وخبراتهم والدول المانحة للقروض تهدف إلى :

    أ-إن المبالغ والقروض تعطى في صورة رواتب لهؤلاء الخبراء وهي رواتب مبالغ فيها كما أن خبرتهم مبالغ فيها أيضاً.

    ب-فرصة لهذه الدول المانحة للقروض في التعرف على مميزات وسلبيات وعناصر وأهداف وغايات التعليم في الدول العربية .

    2-تقوم الدول العربية وحتى الآن بإيفاد الكثير من أبنائها إلى مختلف البلاد الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية في بعثات ومنح دراسية للحصول على مؤهلات مختلفة في مجالات معرفية وتقنية (تكنولوجية) متعددة وأي محتوى ثقافي أو تربوي في هذه البلاد لا يتفق مع متطلبات التعليم في الأمة العربية بل والإسلامية ينعكس دون شك على ثقافة هؤلاء الطلاب بعد تخرجهم في ظل هذه السياسات والنظم التعليمية وبالتالي ينقلون للطلاب هذه الانعكاسات لأنهم سوف يقومون بمهمة التعليم والتوجيه والإشراف في مراحل التعليم المختلفة وفي الجامعات والمعاهد العليا والمتوسطة.

    من أجل ذلك وغيره مما سنلقي عليه مزيداً من الضوء فإن الغزو الثقافي لمناهج ومقررات التعليم وسياسة إعداد المعلم في الدول العربية واقع لا محالة سواء حدث ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ومن ثم وجب تتبع مصادر وأبعاد الغزو الثقافي وعوامل انتشاره واتخاذ الإجراءات الوقائية من هذا الوباء لأنه أخطر بكثير من الغزو العسكري، وما تجربة بلاد المغرب العربية (تونس والجزائر والمغرب) عنا ببعيد، ولذلك فإنني أرى أن الغزو الثقافي قضية يجب الاهتمام بها نتيجة أن الأمة العربية بموقعها وتميزها الديني ولكونها أرض الرسالة المحمدية مستهدفة من مصادر وقوى متعددة كما سيتضح ذلك من هذا البحث.



    مصادر الغزو الثقافي للتعليم وأبعاده :

    تتعدد مصادر الغزو الثقافي للتعليم في البلاد العربية والإسلامية لتشمل مصادر خارجية وأخرى داخلية.

    أولاً: المصادر الخارجية للغزو الثقافي للتعليم :

    1-التغلغل الأمريكي في حقل التعليم وخطره على عقول الأمة العربية والإسلامية وهويتها. وتختلف نسبة التغلغل الأمريكي من بلد إلى آخر وتشتد الوطأة على البلاد التي تمنحها الحكومة الأمريكية معونة أو قروضاً، وتعمل الإدارة الأمريكية على تحويل التعليم إلى تعليم علماني بقصد تحطيم عقيدتنا وقيمنا حتى لا يبقى لنا بعدها ما ندافع عنه أو نحرص عليه فيسهل على الأعداء قيادتنا -والعياذ بالله تعالى- ويعبر عن ذلك الشاعر محمد إقبال فيقول: "إن التعليم هو الحامض الذي يذيب شخصية الكائن الحي ثم يكونها كيف يشاء"([25]) وأمثلة ذلك واضحة بعضها معلن وظاهر والآخر خفي وباطن، ففي مصر يحدث الكثير من أنماط التغلغل الأمريكي في التعليم([26]) المصري وبالتالي ينعكس أثره على التعليم في المملكة العربية السعودية وتكثف أمريكا معونتها في مجال التعليم بصفة خاصة وكذلك تسهم في تلوث البيئة. وهناك الكثير من الأمثلة التي لو تتبعناها ما وسعنا هذا البحث([27]) وعلى سبيل المثال -لا الحصر- بعض نماذج لقروض أمريكية في حقل التعليم وآثاره غير الحميدة مثل: …. الخ". انتهى .



    ([1]) Bliss 130



    ([2]) Bliss 214-5



    ([3]) Bliss 228



    ([4]) World Student Christian Federation 5, cf. 236 f.



    ([5]) كذا في الأصل: ولعله (القس) طانيوس سعد، مؤسس مدرسة الشويفات الوطنية (ت 1953).



    ([6]) World Student Christian Federation 5 cf. 6f.



    ([7]) cf. Penrose 204 ff.



    ([8]) ثخلي الدكتور مصطلى الخالدي عن الرئاسة في جمعيتي الشبان المسلمين والشابات المسلمات فيما بعد للانصراف إلى رئاسة مدرسة التمريض الوطنية التي أنشأها هو، وللسهر على المستشفى الذي أسسه.



    ([9]) Penrose 204



    ([10]) Penrose 301.



    ([11]) الكلام هنا للدكتور عمر فروخ.



    ([12]) انظرها في: (ص 104-105) من الكتاب. (س).



    ([13]) الشيخ محمد عبده له انحرافات خطيرة نتيجة تعظيمه للعقل على حساب الشرع، ومحاولته تطويع الإسلام وأحكامه لأهواء العصر. انظر: "العصرانية قنطرة العلمانية" لمعد هذا البحث. (س).



    ([14]) الصواب أن راكب القطار إذا لم يستطع أن يقيم شروط الصلاة فإنه يؤخرها حتى ينـزل. إلا إذا خشي فوات الوقت فإنه يصليها مستقبلاً القبلة في أول صلاته ثم لا حرج عليه لو تغير اتجاهه؛ لقوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم). (س).



    ([15]) Penrose 39



    ([16]) ibid, 8, 36, 37 etc.



    ([17]) ibid. 83. F.



    ([18]) Penrose 46.



    ([19]) Danby 31 etc.



    ([20]) Penrose 135 f.



    ([21]) Penrose 137 f.; ct. Biss (R) 331; Jessup 788



    ([22]) Penrose 139.



    ([23]) نعم، إذا كان علماً دنيوياً تشترك فيه جميع الأمم. لكن الجامعة –كما هو معلوم- لم تعن بهذا العلم أصلاً. (س).



    ([24]) الأستاذ بكلية الزراعة جامعة الأزهر.



    ([25]) المؤامرة على التعليم والمعلم، حسن جودة وآخرون ص 3 دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، جمهورية مصر العربية 1993م .



    ([26]) اختراق العقل المصري، د.رفعت سيد أحمد ص 10،18،19، مجلة لواء الإسلام، عدد جمادى الأولى سنة 1408هـ.



    ([27]) كتاب المعونة الأمريكية لمن؟ مصر أم أمريكا، دينا جلال ص 84 من سلسلة كتاب الأهرام الاقتصادي سنة 1988م، القاهرة (رسالة ماجستير: جامعة القاهرة).
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: أخطار الجامعة الأمريكية في البلاد الإسلامية

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 05.12.09 10:03

    سادساً: جزء من كتاب : "الجذور التاريخية لإرساليات التنصير الأجنبية في مصر" للدكتور خالد نعيم، ص 85-92:



    "جامعة القاهرة الأمريكية: وتوجت الإرسالية الأمريكية جهودها التنصيرية، بإنشاء الجامعة الأمريكية في عام 1919م، على غرار (كلية روبرت) بالقسطنطينية، عندما اتضحت لها أهمية (القاهرة) كمركز ثقافي هام يتولى زمام القيادة الفكرية الإسلامية في العالم الإسلامي، بسبب وجود الأزهر بها، وعلى حد قول واطسون: "إن شهادة منه بين العرب توازي شهادة الدكتوراه من أكسفورد أو باريس أو هارفارد في العالم الغربي"([1]). فضلاً عن أن مصر تسود فيها اللغة العربية الفصحى، التي تعتبر لغة جميع الدول العربية الإسلامية، وأن أكثر من مليون نسخة من المجلات العربية والجرائد تصدر سنوياً في القاهرة. وهذا بلا شك له تأثير كبير على العالم العربي) ([2]). وعلى هذا الأساس استقر الرأي على إنشاء الجامعة الأمريكية بالقاهرة لتكون كبرى المؤسسات التنصيرية الأمريكية، بل والدولية.

    ويرجع الجهد في تأسيس هذه المؤسسة التنصيرية الأمريكية بالقاهرة، إلى (تشارلز روجر واطسون)، ابن المنصر الخطير (أندرو واطسون). وكان (تشارلز) في عام 1912م قد بدأ في دراسة نظام التعليم في مصر، ووضع في مُخيلته بعض التصورات بشأن تطوير النشاط التنصيري، ونقله من مجال التلاميذ والصبية إلى مجال وجدان الشباب. وسافر بعد ذلك إلى أمريكا في عام 1914م، وعندما اجتمعت (الكنيسة المشيخية الأمريكية)، في نيويورك، يوم 30 نوفمبر عام 1914م، اجتماعها الدوري، وكان حاضراً هذا الاجتماع بعض رجال الأعمال الأمريكيين، الذين يمولون النشاط التنصيري الأمريكي في وادي النيل، برئاسة الدكتور (مكلوركن). عرض عليهم (تشارلز واطسون)، فكرة إنشاء مؤسسة تنصيرية شابة في القاهرة، تحت اسم (جامعة القاهرة الأمريكية)، وطلب منهم كذلك (أن يرفعوا صلاة الرب كي يساعده في تحقيق هذا الحُلم) ([3]).

    وبعد عودته إلى القاهرة في عام 1919م، وجد أنه قد صدر مرسوم بإنشاء الجامعة المصرية، (جامعة القاهرة). فبدأ (تشارلز واطسون) مفاوضاته لشراء مبنى الجامعة الأهلية، والتي كانت تشغل مبنى كبيراً في ميدان الإسماعيلية (ميدان التحرير حالياً)، والتي سوف تكون النواة للجامعة المصرية، والتي سوف تنُقل إلى (الجيزة) ([4]). وكانت (الجامعة الأهلية) تشغل سراي الخواجة (جناكليس)؛ وهو المبنى الذي اشتراه (تشارلز واطسون) في عام 1920م فعلاً.

    وقد سُميت الجامعة الأمريكية في القاهرة، في البداية باسم (مدرسة لنكولن للدراسات الشرقية) حيث أدمج فيها المركز الدراسي لإعداد المنُصرين الجُدد. "وأصبح أعضاء حفل العشاء يشكلون مجلساً يرسم سياسة الجامعة في مختلف النواحي المالية والإدارية والدراسية، كما يقوم هذا المجلس بتعيين رئيس الجامعة، ويسمى هذا المجلس –القائم حتى اليوم- بمجلس (الأوصياء).

    وكان (تشارلز واطسون)، أول رئيس لهذه الجامعة، وظل كذلك حتى عام 1945م. وكان أغلب تمويل الجامعة في البداية، عبارة عن تقدمات من الكنائس الأمريكية، أما الآن فتمويل الجامعة يتم عن طريق المؤسسات التنصيرية الكبرى في العالم كله، لتصبح هذه المؤسسة حصناً منيعاً للمسيحية، ومركزاً خطيراً من مراكز التنصير في العالم الإسلامي.

    وكانت هذه المدارس والكليات والجامعة الأمريكية في القاهرة يغلب عليها الطابع الديني المسيحي الصرف، وتكرس جهودها لتخرج نفراً من الناس يدينون بالمسيحية ويشبون على التفاني في خدمة النشاط التنصيري، وتنمية العاملين بهذا الحقل([5]). على أن هذه المؤسسات أخذت تفقد طابعها الديني، عندما اضطرت إلى تطويع خطة الدراسة بها حتى تساير المدارس الحكومية، التي استحدثت نظام شهادة إتمام الدراسة الثانوية بمدارس الحكومة([6]). وذلك لكي يتسنى لتلاميذها التقدم إلى الامتحانات العامة، وحتى لا يهجر هؤلاء التلاميذ المصريون المسلمون مدارسها إلى المدارس الحكومية أو الأهلية التي تعدهم للحصول على تلك الشهادة للالتحاق بالوظائف الحكومية.

    ولم تقتصر تلك المؤسسات التنصيرية الأمريكية على مدينة القاهرة وحدها، بل انتشرت الإرسالية الأمريكية في كل أنحاء مصر تقريباً سواء في الوجه البحري أو القبلي.


    مدرسة اللاهوت:



    كان الهدف من إنشاء هذه المدرسة، هو إعداد كوادر تنصيرية للعمل في مجال تنصير المسلمين في مصر. وبدأت المدرسة في عام 1864م بفصول مسائية غير منتظمة. ثم افتتح (صف اللاهوت) بعد ذلك، في عوامة المنُصر (هوج). وكان (الصف) ينتقل تبعاً لتنقلات المنصرين، الذين كانوا يقومون بالتدريس به. وبعد فترة استمر (الصف) في موقعين هما: أسيوط والقاهرة.

    فقد كان (يوحنا هوج) يقوم بالتدريس للصفين الأول والثاني في (أسيوط) (تشارلز روجر واطسون) يقوم بذلك في (القاهرة) إلى أن كان عام 1885م عندما استقر (الصف) نهائياً بالقاهرة. وأصبحت سنوات الدراسة به ثلاث سنوات بدلاً من أربع، وتغير اسم الصف إلى (مدرسة اللاهوت)؛ والتي كان يقوم بالتدريس بها، طلائع المنُصرين الأمريكيين، "لا نسنج، يوحنا هوج، وأندرو واطسون، وليم هارفي، جون جفن، هنت، وآخرين"([7]). وغدت هذه المدرسة مركزاً خطيراً لتخريج المنصرين الوطنيين، والذين عاونوا المنصرين الأجانب في مصر". انتهى .










    سابعاً: بحث بعنوان: "الجامعة الأمريكية والتبعية الثقافية" للدكتور كمال نجيب ([8])، نشر في مجلة التربية المعاصرة، العدد:49، ص 155-190:



    "في مقدمة كتابهما عن "التعليم والاستعمار"، أوضح "فيليب التباخ"، و"جيل كيلى" أن الثقافة تعد جزءاً من العلاقات غير المتكافئة القائمة بين دول المركز والهامش. ففي حركة التوسع الدائم للنظام الرأسمالي العالمي، وامتداده لمناطق تختلف في أنظمتها عن الثقافة والإنتاج والاستهلاك والقيم والاتجاهات والرغبات الخاصة بمجتمعات المركز، تبدو ضرورة "التحديث الثقافي" والتربوي لمجتمعات الهامش، حتى يتحقق دمجها بالنظام الرأسمالي العالمي([9]).

    وتعد الجامعات التي أنشأتها دول المركز في كثير من بلدان العالم الثالث –خصوصاً في القارة الأفريقية- وصممت نظمها، وبرامجها، لكي تكون امتداداً للجامعات الأوربية والأمريكية، ومراكز البحث العلمي بها، أدوات رئيسية للتحديث الثقافي والتربوي، كما أنها بهذا المعنى، مثال بارز لمساعي الهيمنة الثقافية التي يفرضها الغرب على بقاع العالم المختلفة، ومن ثم، فهي أكثر أدوات التبعية الثقافية قوة وتأثيراً.

    وتعمل هذه الجامعات بمثابة "شركات ثقافية" متعددة الجنسية، وتتشابه في خصائصها مع الشركات التجارية عابرة القارات. فلقد بدأت معظم الجامعات الأفريقية، على سبيل المثال، بوصفها امتداداً للمؤسسات الأوربية التي ساهمت في إنشائها، وكانت قرارات تطوير التعليم بها، تصدر وفق إملاءات الشركات الثقافية "الأم" في بريطانيا وفرنسا وبلجيكا. ولم تكن السلع الثقافية التي تروجها هذه الجامعات، تتلاءم بالضرورة مع حاجات المجتمعات الأفريقية الناشئة. وكما تعد المؤسسات متعددة الجنسية، "شركات اقتصادية" ذات تبعات سياسية وثقافية، كذلك يمكن النظر إلى الجامعات الأجنبية باعتبارها "شركات ثقافية" ذات تبعات سياسية واقتصادية([10]).

    ولقد سعت مؤسسات التعليم العالي الأوربية والأمريكية المنشأة في بلدان العالم الثالث إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية هي:

    1-خلق صفوة من الشرائح الاجتماعية العليا المهيمنة في الهوامش (البلدان التابعة) والمركز (الدولة الإمبريالية) بما يخدم ويعمق حالة التبعية البنيوية التي تعيشها الهوامش.

    2-إنتاج أيدٍ عاملة مدربة –على النمط الغربي- لتغطية حاجات القطاع الاستثماري الأجنبي.

    3-نشر القيم الاستهلاكية، وأساليب الحياة والعادات التي من شأنها توسيع نطاق السوق الرأسمالي الغربي.

    4-ومن ثم تكمن أهمية الجامعات الأجنبية في العالم الثالث، للمؤسسات الاقتصادية متعددة الجنسية في هذه الأهداف الثلاثة: خلق صفوة موالية للغرب، إنتاج أيدٍ عاملة تتواءم مع متطلبات هذه المؤسسات، وإعادة تشكيل السوق من خلال عمليات البث الثقافي.

    فأولاً: يرتكز المشروع الأوربي/ الأمريكي للتغلغل في أنظمة تعليم العالم الثالث على فكرة خلق نظام عالمي تسهم فيه الصفوة، تحت وهم "التعاون" و"التفاهم الدولي" و"تولي المراكز الاقتصادية تبعاً للإمكانيات الفردية" أي بعيداً وبصرف النظر عن الانتماءات الوطنية. ويذكر "إيف اود" أن الألفة الثقافية والممارسة التلقائية والمتمرسة لثقافية ولغة البلد المهيمن، والتقليد في السلوكيات اليومية وفي انتقاء الرموز الاجتماعية –تلك التي تكتسب في الجامعات الأجنبية- هي الكفيلة بتحويل طبقة أجنبية حليفة إلى "ملحق" بكل معاني الكلمة لمركز القوة والهيمنة الإمبريالي([11]).

    وثانياً: تلعب الجامعات الأجنبية دوراً على قدر كبير من الأهمية للاستثمار الغربي بوجه عام. ولقد سعت الشركات متعددة الجنسيات، منذ بداية نشاطها إلى توظيف الوطنيين في المناصب الإدارية، لأن بإمكانهم فهم طبيعة الأسواق المحلية، واستيعاب النـزعات العدائية ومواجهتها بفاعلية. وفضلاً عن ذلك تزودهم هذه الجامعات بأساليب الإدارة الشائعة في الغرب، وتقنيات العلاقات الإنسانية الحديثة. وهكذا تقوم الجامعات الأجنبية بترسيخ حالة التبعية الاقتصادية في العالم الثالث وتعزيزها .

    وثالثاً: فإن ما يربط بين الجامعات الأجنبية باعتبارها "شركات ثقافية" والمشروعات التجارية، يتمثل في تهيئة السوق للسلع الاستهلاكية الغربية، والعمل بدأب واستمرار من أجل اتساعه. وكثير من السلع الأجنبية مثل المعلبات، وساعات اليد، والصابون، ومستحضرات التجميل، وأجهزة التسجيل وشرائطها، والملابس الجاهزة، والدخان، والمربات، وأجهزة الراديو والتليفزيون، والمنظفات الصناعية، والآلات والسيارات، والعدسات والنظارات.. كان ينتج محلياً، لكنها –مع زيادة ارتباط المجتمع بالسوق العالمي- ارتبطت بالمؤسسات متعددة الجنسية. بيد أن نمو سوق السلع الاستهلاكية الغربية والأمريكية، يعتمد –جزئياً- على انتشار القيم والأذواق الغربية. ولذلك تم بث أنماط الحياة الأوربية والأمريكية بواسطة الإعلانات، والمجلات، والأفلام السينمائية والبرامج التليفزيونية، لكن أكثر أدوات التغريب فاعلية ونجاحاً، تمثلت في "التنشئة الاجتماعية والسياسية" التي تقدمها الجامعات الأجنبية، حيث تعزز لدى المواطنين من جمهورها نزعة تقليد الغرب. وبعد أن غدا نمط الحياة الأوربية جزءاً من معايير المكانة الاجتماعية الرفيعة، أخذ سوق السلع الاستهلاكية الغربية في الاتساع، مع زيادة أعداد المتعلمين في هذه الجامعات.

    وفي إطار هذه الخلفية عن دور الجامعات الأجنبية في مجتمعات العالم الثالث، تضطلع الورقة الحالية بإلقاء الضوء على العلاقة بين التطورات التي شهدتها الجامعة الأمريكية في القاهرة خلال العقدين الماضيين، وتبني المجتمع المصري سياسة الاقتصاد الحر، وسعيه للحاق بالسوق الرأسمالي العالمي.

    وجدير بالذكر أن الجامعة الأمريكية قد شهدت –منذ منتصف السبعينيات- توسعاً هائلاً في برامجها ومبانيها وأعداد الملتحقين بها من الطلاب، وتعاظم بالتالي مدى تأثيرها في الحياة الثقافية والسياسية المصرية. ورغم ذلك لم يوجه الباحثون اهتمامهم إلى تناول تطور هذه المؤسسة التعليمية المهمة، وما يجري داخل قاعاتها وأروقتها، والبرامج التعليمية التي تحفل بها.

    ذلك الأمر يدعو للدهشة والاستغراب، فرغم أن هذه الجامعة تعد بمثابة مركز إقليمي أمريكي يخدم مصالح الشركات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، والمصالح السياسية والعسكرية للولايات المتحدة، بالإضافة إلى الدور الهام الذي يقوم به في التدريب وفي خدمة شبكات دراسات الشرق الأوسط، ومساندة الدعاية للولايات المتحدة سياستها، إلا أن صمتاً مريباً يعم كافة مراكز البحث العلمي التربوي حول هذا الدور، وتكاد الدراسات تنعدم في هذا الصدد.

    وتدعو ندرة الأدبيات المتصلة بنشأة الجامعة الأمريكية ومبررات قيامها إلى أن نفرد القسم الأول من الورقة لعرض هذا الموضوع، ثم يعقبه القسم الثاني حول آثار سياسة الانفتاح الاقتصادي على زيادة موارد الجامعة المالية، ويخصص القسم الثالث للتوسعات التي شهدتها الجامعة في أقسامها وبرامجها خلال العشرين سنة الماضية.



    الجامعة الأمريكية والهيمنة الثقافية :

    تعود أصول فكرة إنشاء جامعة أمريكية في مصر إلى قيادات إرساليات التبشير الديني التي بدأت في التوافد على مصر وممارسة أنشطتها التبشيرية التعليمية منذ منتصف القرن التاسع عشر. ورغم الشعارات الإنسانية والروحية البراقة التي روج لها خطاب إرساليات التبشير الديني بوجه عام، فمن المهم الإشارة إلى أن كثيراً من الدراسات التاريخية والاقتصادية، أكدت بما لا يدع أي مجال للشك، أن هذه الإرساليات لعبت دوراً مهماً في تثبيت أركان الاستعمار الأوروبي، وتحقيق اندماج بلدان العالم الثالث في السوق الرأسمالي العالمي. وبهذا المعنى، كانت الإرساليات أدوات للاستعمار من الناحية العملية، مثلها في ذلك، مثل الجنود والتجار، والمستكشفين.

    ولم تكسر الإرسالية الأمريكية في مصر هذه القاعدة، فلقد كان "شارلز واطسن" Charles Watson مؤسس الجامعة الأمريكية، يؤيد بشدة الاحتلال البريطاني، حتى أنه في كتاباته أشاد بإعلان "لورد روزبري" Lord Roseberry "الإمبراطورية البريطانية تعد بحق: أعظم قوة مدنية للخير عرفها العلم([12])"

    ومن ثم، يمكن القول إن دور الكنيسة كان يتمثل أساساً في الإبقاء على العلاقات الاجتماعية للاحتلال، بوصفه امتداداً للدور الذي لعبته في الإبقاء على العلاقات الاجتماعية الرأسمالية في أوربا.

    وتجدر الإشارة بداية إلى أن العمل التبشيري الأمريكي بدأ في مصر في 15 نوفمبر سنة 1854م بوصول "القس توماس ماكاج" وزوجته إلى القاهرة، وتبعهما بعد وقت قصير القس "جيمس بارنت" وكان مركز هؤلاء المبشرين دمشق، وأرسلتهم إلى مصر كنيسة الإصلاح الجماعية التي اندمجت عام 1858م مع الكنيسة الجماعية لتكونا الكنيسة المشيخية المتحدة لأمريكا الشمالية.

    ولقد وصل المبشرون الأمريكيون مصر، كما في بلاد الشرق الأدنى الأخرى، وكلهم لهفة على تحولي المسلمين إلى المسيحية، ولكنهم ووجهوا بمقاومة شديدة، دفعتهم إلى التركيز على الأقلية القبطية والمسيحية. ولذا كانت غالبية من تحول إلى مذهبهم من الأقباط. ومن أجل تحقيق أغراضهم أنشأوا كنيستهم الخاصة: الكنيسة البروتستانتية أو الإنجيلية([13]) على أنهم وجدوا أنفسهم –بعد فترة وجيزة من الزمن- مضطرين إلى تحويل نشاطهم من التبشير إلى التعليم.

    ومن المؤكد، أن "الإرسالية الأمريكية" أحرزت نجاحاً هائلاً، بل ومنقطع النظير، في مجال الهيمنة على عمليات تعليم المصريين، وتوجت هذا النجاح بتأسيس أضخم جامعة أمريكية خارج الولايات المتحدة وهي الجامعة الأمريكية بالقاهرة.

    قامت "الإرسالية الأمريكية" بافتتاح أولى مدارسها في القاهرة عام 1955م للأولاد، تلاها في تتابع سريع مدارس منفصلة للأولاد وأخرى للبنات في الإسكندرية وفي مختلف مدن الصعيد. ويمكن الحكم على التقدم الحقيقي لبرنامج الإرسالية التعليمي بدراسة إحصائيات عام 1881م. فلقد كان للإرسالية في ذلك العام معهد لاهوتي في أسيوط، وأيضاً كلية تعليمية، 39 مدرسة للبنين، 9 مدارس للبنات. وبلغ إجمالي عدد الطلبة والطالبات 2410 منهم 896 في مدارس الإرسالية مباشرة، والباقي في مدارس تحت إشراف الإرسالية، ولقد ارتفع عدد المدارس التابعة لمكتب التبشير المشيخي الأمريكي في عام 1914م إلى 191 مدرسة، تضم 17000 طالباً وطالبة، منهم أكثر من 5000 طالبة، أي ما يربو على أكثر من ستة أضعاف الملتحقات بالمدارس الحكومية آنذاك، كما كان حوالي 25% من هؤلاء الطلاب من المسلمين([14])!

    ويكتب "ريتشارد بيردسلي" القنصل العام الأمريكي عام 1873م تقريراً ذكر فيه أن ثلاثة أرباع موظفي الحكومة في التلغراف والسكك الحديدة ومكاتب البريد، تلقوا تعليمهم في مدارس الإرسالية([15]).

    كما كتب "لويس ادنجز" عام 1907م رسالته "من أجل الأهداف الفكرية والروحية" قال فيها:

    "لقد احتل الأمريكيون مصر تماماً مثلما فعلت إنجلترا التي كانت أغراضها مادية، لقد كان للمبشرين الأمريكيين هناك، أفضل، وأغلب المدارس والمستشفيات القائمة"([16]).

    ورغم أن النجاح الضخم للمؤسسات التعليمية التي أسستها الإرسالية الأمريكية، كان وراء تفكير "شارلز واطس" في إنشاء "جامعة أمريكية" في القاهرة، إلا أن الباعث الحقيقي أنه كان يسعى إلى إنشاء مركز تعليمي على غرار كلية أسيوط التي اضطلعت بمهمة تعليم الشباب المصري البروتستانتي أساساً، وتغلغلت من خلالهم في أعماق الثقافة المصرية في الوجه القبلي.

    وكانت كلية أسيوط، ومعها معهد برسلي التذكاري للنساء قد بدءآ نشاطهما عام 1865م في وقت واحد. وكان دورهما الرئيسي تدريب النشء المصري من البروتستانت. بيد أنهما كانا يضمان أيضاً مسلمين ويهود وغيرهم. وقد بلغ عدد المسلمين المدونين في سجلات هذين المعهدين عام 1882م :566 طالباً وطالبة، أي حوالي 18% من إجمالي عدد الطلبة البالغ 3070 طالباً، وكان مما يدعو "واطسن" للأسف أنه لا يوجد مؤسسة شبيهة بكلية أسيوط في القاهرة([17]).

    بدأت فكرة "الجامعة الأمريكية" تطفو على السطح للمرة الأولى في عام 1899م، حيث دعت ثلاث إرساليات تبشيرية، من بينها الإرسالية التي كان يخدم بها "أندرو واطسن" والد "شارلز واطسن"، إلى تأسيس "كلية مسيحية بروتستانتية" تقوم على أساس التعليم باللغة الإنجليزية، وتتشابه مع كلية "روبرت" في استانبول، أو "الكلية البروتستانتية السورية" (التي أصبح اسمها فيما بعد الجامعة الأمريكية في بيروت) ([18]).

    وأكد المسئولون عن هذه الإرساليات أن المجتمع المصري في حاجة إلى مؤسسة تعليمية من هذا النوع، يرحل حوالي 60% من شباب مصر، سنوياً، إلى بيروت للحصول على فرص تعليمية متقدمة، واعتقد هؤلاء المسئولون أن التقدير المبدئي لعدد الملتحقين بالمؤسسة المزمع إنشاؤها لا يقل بحال من الأحوال عن 500 طالباً([19]).

    وفي عام 1903م، تكونت من هذه الإرساليات، لجنة لدراسة الموضوع، لكن "مجلس الإرساليات الأجنبية بالكنيسة المشيخية المتحدة بالولايات المتحدة الأمريكية" لم يهتم في ذلك الحين بالنظر في هذه الفكرة. وظل "واطسن" يسعى خلال السنوات التالية، حتى أنه قابل بمصاحبة "روبرت ماكليناهان" مدير كلية أسيوط، ممثل "جون روكفلر"، لعرض الفكرة عليه، وحثه على تمويلها، لكن اللقاء لم يثمر بسبب إصرار "واطسن" على أن تظل الجامعة مسيحية، وتحت السيطرة الكاملة للإرسالية الأمريكية، على أن "روكفلر" عاد ومنح في عام 1907م، "الكنيسة المشيخية" مبلغ 100.000 دولار لاستخدامها في شراء الممتلكات الثابتة في مصر، على أن يخصص الجزء الأكبر من هذه المنحة في تشييد المباني اللازمة لكلية أسيوط([20]).

    وفي عام 1911م ضم مؤتمر المبشرين الذي انعقد في الهند، قيادات مسيحية من كنائس متعددة، وصدرت آنذاك توصية المؤتمر بإقامة كلية مجهزة تجهيزاً حديثاً تشرف عليها الإرساليات التبشيرية الموجهة للمسلمين بالقاهرة.

    وقام "واطسن" في عام 1912م، يشاركه "سيلر"، وهو من المتخصصين بجامعة كولومبيا، في مجال الجهود التعليمية للإرساليات التبشيرية، ومعهما "روبر ماكليناهان" بدراسة علمية، على أساس واقعي، لمدى إمكانية إقامة جامعة مسيحية بالقاهرة. وأجرى الفريق مسحاً شاملاً لجميع مدارس القطر المصري، في الريف والحضر الخاصة والحكومية، المدارس الابتدائية والثانوية، وفي ثنايا هذه الدراسة، قابل الثلاثة مديري المدارس، مستفسرين عن نسب الالتحاق ومعدلات الرسوب والنجاح، والفلسفة التعليمية وأهداف المدرسة، كما قابلوا "حشمت باشا" وزير المعارف في ذلك الحين ومستشاره الإنجليزي "دوجلاس دانلوب" وعرضت نتيجة هذه الدراسة، في مؤتمر عام للمبشرين بالإسكندرية([21]).

    ونتيجة لهذه الجهود، طرحت "الإرسالية الأمريكية" في عام 1912م توصية إنشاء الجامعة، ورفعتها إلى مجلس الإرساليات الأجنبية بالكنسية المشيخية المتحدة بالولايات المتحدة. ووصل الدكتور "صمويل زويمر" المعروف بنشاطه التبشيري في الجزيرة العربية إلى مصر عام 1912م، للعمل جاهداً في تنفيذ هذا المشروع. وفي العام التالي، وافقت الجمعية العمومية للكنيسة الأبوية على تلك التوصية، وتم اختيار مجلس أمناء على أساس ديني يتولى أعمال المراقبة والتنظيم، تقرر عقد أول اجتماع في 30 نوفمبر 1914م. وتوقعت بمختلف الكنائس البروتستانتية بمصر، أن يكون لها نفوذ ملموس في اختيار مجلس الأمناء، إلا أنه في يونيو 1914م، اقترح "اللورد كتشنر" وكيل قنصل عام بريطانيا في مصر –نظراً للمعارضة القوية من المسلمين- تأجيل افتتاح المؤسسة الجديدة مدة عام، على أن يتم إنشاؤها في الإسكندرية بدلاً من القاهرة. ومن الناحية الفعلية، لم يتيسر إنشاء هذه الجامعة الجديدة قبل عام 1920م وكان مقرها القاهرة([22]).

    وضم أول مجلس أمناء بعض كبار رجال الدين والمال والعلم منهم "جون ماكلوركين" رجل الدين المعروف في مدينة بتسبرج، والدكتور "وليام هيل" الذي كان يمتلك هو وأسرته أضخم شركة لقطع الأخشاب بالولايات المتحدة، وكان في نفس الوقت يُدرس الإنجيل وتفسيراته في كلية "فاسار"، و"الكوت" من كبار رجال الأعمال بنيويورك، و"جوزيف ستيل" من ذوي الخبرة في إدارة الجامعات والشئون الإدارية والمالية، كما ضم أيضاً رئيس جامعة روتجرز، "ديمترتس" و"صمويل ثورن" من خبراء القانون([23]).

    استقر الأمر إذن، على أن تكون الجامعة الناشئة ممثلة للكنيسة البروتستانتية، وتضم قسماً للبنين فقط، مهمته إعداد الطلاب لمواصلة التعليم في مصر، أو بيروت، أو أوروبا وأمريكا، لكن الذين لا يرغبون في الاستزادة من التعليم، يمكنهم الانخراط في الحياة المصرية بشكل فعال، ويمكن أن يتيح هذا القسم للطلاب بعض التسهيلات في الإقامة. فضلاً عن ذلك تمنح الجامعة الجديدة، تدريباً متقدماً، في ميادين التعليم، والهندسة، والاقتصاد، والصحافة، والعقيدة، والقانون.

    وهكذا برز إلى السطح، ثلاثة معايير أساسية: أولها: أن تكون المؤسسة الناشئة في مستوى جامعي حقيقي، وثانيها: تكريسها لمستوى رفيع من الكفاءة، وأخيراً: أن تكون -هذه المؤسسة- ذات توجه مسيحي. ومن ثم، كان لابد أن يتكون مجلس الأمناء بموافقة مجلس الإرساليات الأجنبية، من أجل ضمان ألا يسيطر على الجامعة الناشئة، سوى الكنيسة المشيخية، وهذا في حد ذاته يضمن التزامها بالمثل المسيحية.

    وثار جدل في مجلس الأمناء حول اسم الجامعة الجديدة. هل يطلق عليها "الجامعة المسيحية". أو "المؤسسة الأمريكية للتعليم المسيحي في مصر والشرق الأدنى"، أم تسمى "مجتمع كليات القاهرة"؟ وفي ديسمبر 1917م، صوّت الأمناء بالموافقة على إطلاق اسم "الجامعة الأمريكية بالقاهرة" A.U at Cairo نتيجة اعتراض أحد كبار المسئولين في الحكومة المصرية على الاسم السابق. ومع ذلك استمر القائمون على الجامعة يستخدمون اسم "الجامعة المسيحية" فيما بينهم([24]).

    وفي هذا الوقت، بدأ "واطسن" حملات واسعة لجمع التبرعات اللازمة لإقامة المؤسسة الجديدة. وكان يسانده في هذا الشأن "جورج إنيس" رجل الأعمال المعروف بفيلادلفيا، و"وليم بانكروفت هيل" وزوجته، واللذين سبق الإشارة إلى أنهما من أثرياء الولايات المتحدة، وكرسا حياتهما لخدمة الجامعة الأمريكية متبرعين بأكثر من مليون دولار خلال الفترة من 1915م إلى 1945م.

    ونجح "واطسن" في جمع أكثر من 170.000 دولار قبل تشكيل مجلس أمناء في سنة 1914م. وفي سبتمبر 1919م توفر للجامعة من حصيلة التبرعات أكثر من 18.000 دولار. ومع هذا النجاح الهائل، بدأت رحلة البحث عن مكان تستقر الجامعة فيه([25]).

    واتفق "واطسن" على شراء أحد القصور الواقعة بالقرب من ميدان الاسماعلية (ميدان التحرير فيما بعد)، ويتكون من عدة مباني صغيرة، فضلاً عن حديقة تصلح كفناء ويمكن استغلالها في إضافة مبانٍ أخرى فيما بعد. ويقال إن هذا القصر بناه الخديوي إسماعيل، واتخذه أحمد خيري باشا، أحد المقربين من الخديوي ووزير المعارف حينذاك، مقراً له خلال سبعينيات القرن الماضي واشتراه مواطن يوناني، يدعى "نستور جاناكليس" وحوله إلى مصنع للدخان.

    ولقد أصبح هذا المصنع فيما بعد مكاناً "للجامعة المصرية" الأهلية في سنة 1909م، وألقى بها "تيودور روزفلت" محاضرة خلال زيارته للقاهرة. وبعد انتقال الجامعة المصرية إلى الجيزة، فكر "واطسن" في اتخاذه مقراً للجامعة الأمريكية، وتم شراؤه فعلاً في 18 إبريل عام 1919م مقابل مبلغ 93000 دولاراً أمريكياً، وقدمت الحكومة المصرية للإرسالية الأمريكية مساعدات جمة، من أجل الحصول "قصر جاناكليس"، بعد أن كان مؤجراً لإحدى المدارس التجارية، لكن جهوداً حكومية يسرت حصول الأمريكيين عليه([26]).

    وسافر "واطسن" إلى واشنطن في يوليو سنة 1919م لاعتماد القرار النهائي بإنشاء الجامعة الأمريكية بالقاهرة. ووافقت إدارة التربية بمنطقة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية على الترخيص بتأسيس الجامعة الجديدة. ونظراً لظروف الحرب، لم يكن بالإمكان اتخاذ إجراءات افتتاحها رسمياً، حتى بعد وضع لائحتها، والحصول على مكان لها، وجمع تبرعات واسعة. فضلاً عن تعيين مديري الأقسام. وانشغل "واطسن" طوال سنوات الحرب بالمساهمة في وضع برامج إغاثة ضحايا الحرب في أوروبا، ثم شارك، بعد الحرب، في مؤتمر السلام الذي عُقد في "فرساي" ممثلاً مصالح الإرساليات التبشيرية الألمانية.

    وتقرر افتتاح الجامعة، واستقبال الطلاب في عام 1920م، وكلف "روبرت ماكليناهان"، مدير كلية أسيوط سابقاً، يتولى مسئولية إدارة المؤسسة الجديدة بالقاهرة، كان معظم أعضاء هيئة التدريس من الأمريكيين. ولكن تم تعيين بعض المصريين، من بينهم "أمير بقطر"، المتخرج في أسيوط، والذي درس بمدارس الإرسالية الأمريكية في بني سويف، وكان معروفاً عنه تحليه بمهارات العمل مع كل من المصريين والأمريكيين. وعمل في بداية نشأة الجامعة، سكرتيراً مترجماً، ثم تولى مناصب أخرى إلى أن أسند إليه إدارة قسم التربية. ومن المصريين الذين عملوا بالجامعة خلال هذه الفترة، "إسماعيل حسين محمد" (مدرس اللغة العربية)، و"إسماعيل حسين مصطفى" (مدرس الرياضيات)، و"إبراهيم مسيحة" (مدرس الجغرافيا)، و"حبيب اسكندر" (مدرس وإداري) و"خليل رزق" (نائب رئيس الجامعة في فترة لاحقة)، و"اسطفانوس خليل" (ضابط الجامعة) ([27]).

    وتأسست لجنة لتوجيه سياسة الجامعة، من أعضائها "واطسن" و"ماكليناهان"، تضطلع بمسئوليات تخطيط ميزانية الجامعة، واتخاذ معظم القرارات الرئيسية في القاهرة، والإشراف على أوجه الإنفاق المختلفة وتحديد البرامج الدراسية، وتعيين المدرسين.

    وافتتحت الجامعة رسمياً في 5 أكتوبر سنة 1920م وبدأت بكلية الآداب والعلوم، التي تكونت من قسمين مختلفين يناظران البرامج الدراسية بالسنة النهائية من المدرسة الثانوية الأمريكية. يدرس الطلاب في القسم الأول آداب اللغة الإنجليزية، وبرامجه على غرار النمط الأمريكي. أما القسم الثاني فيناظر الثانوية المصرية والدراسة به باللغة العربية، ويشجع الطلاب الذين ينوون استكمال دراساتهم بالجامعة الأمريكية أو بالخارج على الالتحاق بقسم الآداب الإنجليزية.

    تقدم للجامعة في عامها الأول 142 طالباً كلهم من البنين، حيث كانت قد افتتحت كلية أخرى للبنات في القاهرة خلال هذه الفترة. ولم تبدأ الجامعة في قبول التحاق الطالبات بها، إلا منذ عام 1928م، بعد التحاق "إيفا حبيب المصري" بدراساتها وإثبات كفاءتها وتفوقها، ونجاحها في الاضطلاع برئاسة نادي الطلاب، كما أنها قامت بتحرير جريدة الجامعة وحصلت على عدة جوائز.

    كانت مدة الدراسة في كلا البرنامجين، الإنجليزي، والعربي، عامين. وتوجه الاهتمام في برنامج الآداب بالإنسانيات والفنون الحرة وكثير من مقررات العلوم والآداب والفلسفة والعلوم الاجتماعية فضلاً عن تدريب مكثف في مجال اللغة الإنجليزية. وأولت الجامعة –خلال سنواتها الأولى- عناية فائقة للجانب الديني، بحسب عقيدة الطلاب، ولكن من المهم الإشارة، إلى أن خلفية، الأساتذة في غالبيتهم، خلفية مسيحية، ومع ذلك اعتقد "واطسن"، أن الطلاب، من ذوي الخلفيات الدينية، قد يستفيدون من هذا الوضع بدرجة كبيرة([28]).

    واشتمل برنامج الجامعة على أنشطة يومية في مجالات القراءة والصلاة والمناقشات الأخلاقية، لضمان تحقيق أهداف الجامعة الخلقية. كما تضمن البرنامج تراتيل دينية، ولقاء مساء كل أحد، لممارسة بعض أشكال التطهر الروحي والأخلاقي. وكان يواظب على حضور هذا اللقاء 40 طالباً، بعضهم من المسلمين!! كما نظم اتحاد الطلاب برامج عنيت بالجوانب السلوكية والدينية، وتناول الأسئلة المهمة في حياة الشباب، لكن منعت المقارنات الدينية والمناقشات السياسية العلنية، منعاً باتاً منذ البداية، لتجنب الوقوع في براثن القوانين المصرية، وأيضاً لمنع إثارة أية حساسيات ضد الجامعة.

    ويعتقد "أمير بقطر" أن هذه البرامج الحديثة نجحت لأن: "إظهار المعلمين ألوانهم على نحو واضح ومحدد، ودون أي مراوغات، نال إعجاب الطلاب"([29]).

    ولقد وقف بعض رجال الصحافة المصرية، خلال هذه الفترة إلى جانب الجامعة الجديدة فنشروا –بتأييد كبير- برامجها ونظمها وأعلنوا عن مميزاتها. ومن هؤلاء "فارس نمر" محرر "المقطم" الذي بذلك جهوداً مضنية في هذا المضمار. كذلك لعبت "الأهرام" دوراً مهماً في هذا الشأن حيث نشرت كثيراً من التقارير الصحفية حول نشاط الجامعة([30]).

    وبلغت المصروفات الجامعية، في هذه الفترة 16 جنيها مصرياً (حوالي 80 دولاراً) في العام بالإضافة إلى مبلغ 13.5 ثلاثة عشر جنيهاً ونصف (67.5دولاراً) نظير وجبة غذاء إجبارية تقدم للطالب ظهراً. وكان معنى ذلك، أن الجامعة، منذ بدايتها، مؤسسة لخدمة طلاب الطبقات الاجتماعية الأرستقراطية فقط، وذلك على نقيض السياسات التي معمولاً بها في مدارس الإرسالية الأمريكية الأخرى([31]).

    ولقد احتفلت الجامعة بتخريج 20 خريجاً، في أول دفعة لها سنة 1923م، وبحضور ستة وزراء، ومحافظ القاهرة، ومدير الأزهر الشريف، والأمير محمد علي. وفي السنة التالية، حضر سعد زغلول، حفل التخريج، وكان وقتئذ رئيساً للحكومة، يرافقه خمسة من الوزراء الحاليين والسابقين. وتحدث فارس نمر في أول احتفال للتخرج، وتضمنت قائمة المتحدثين في الأعوام التالية: زكي العرابي وزير المعارف و"مورتون هويل" أول وزير مفوض أمريكي في مصر، وطلعت حرب([32]).

    وأخذت الجامعة تتطور بسرعة مذهلة منذ إنشائها. فلقد تضاعف حجم الطلاب أعداد البرامج الدراسية خلال السنوات التالية. ارتفع عدد الطلاب في العام الدراسي 21/1922م من 142 طالباً إلى حوالي 200 طالباً. وأضيفت إلى البرنامج الدراسي سنة ثالثة. وفي عام 1925م توسعت كلية الآداب وأصبحت الدراسة بها أربع سنوات.

    وفي عام 1921م أقيمت كلية جديدة للدراسات الشرقية للعناية بالدراسات العربية اللغوية وعين "آرثر جيفري" مديراً لها. وكانت اهتماماته تدور أساساً حول التاريخ الإسلامي المبكر. ولقد ساهمت مؤسسة "كارنيجي" الأمريكية في إقامة مكتبة هذه الكلية. وجدير بالذكر أن هذه الكلية تطورت عن فكرة كان قد طرحها "واطسن" لضم مركز دراسات القاهرة"، وهو مركز متخصص في تدريس اللغة العربية للأجانب، ولم يكن يضم كثيراً من الطلاب، كما كان يعاني من مشكلات مالية، إلى رحاب الجامعة، لتدريب الآخرين في اللغة العربية، وتزويدهم بدراسات كافية عن تطور الفكر الإسلامي([33]).

    كما تأسس قسم للتعليم المستمر، يقدم برامج الخدمة العامة في سنة 1924م، واشتمل على محاضرات مسائية في بعض المجالات العملية. وأقيم مبنى خاص. وحضر حفل افتتاحه توفيق نسيم ممثلاً للملك فؤاد.

    وبدأ قسم التربية في ممارسة أنشطته على نطاق واسع منذ عام 1926م، مع تعيين "راسل جالت" عميداً له([34]).

    واستمرت الجامعة في التقدم والاتساع منذ نشأتها، على مدى أكثر من سبعين عاماً، لكن التطورات الأساسية التي طرأت على تمويلها، وبرامجها، وهيئات تدريسها، وأعداد طلابها، حدثت مع منتصف السبعينيات في أعقاب تحول المجتمع المصري اقتصادياً وسياسياً إلى نظام ليبرالي، يأخذ بتنظيم الاقتصاد على أساس حر، أو ما أطلق عليه وقتها الانفتاح الاقتصادي. وصاحب ذلك، بطبيعة الحال، انضمام مصر إلى منظومة الدول الرأسمالية، وإقامة علاقات صداقة قوية مع هذه الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ناحية أخرى، حدث تحول موازٍ في نشاط الولايات المتحدة في بلدان العالم الثالث خلال هذه الفترة، حيث ظهر بجلاء شديد أنها لا تستهدف إخضاع الشعوب اقتصادياً وسياسياً فحسب، بل وثقافياً أيضاً، وبرز إلى السطح سعيها الدءوب إلى "فرض الأنماط التعليمية الأمريكية على العالم" وأصبح النظام التعليمي هو السعي إلى تدويل ذاته، أي إلى أن يصبح نظاماً عالمياً للتعليم. وأدت هذه التطورات إلى حدوث نقلة كيفية في نشاط الجامعة الأمريكية، وغدت منذ ذلك الحين، تمارس تأثيراً قوياً –لم تعهده قط- في المحيط الثقافي المصري.


    ([1]) مجلة الهدى –28 سبتمبر- عام 1957م.


    ([2]) محمود حلمي مصطفى (دكتور) – سياسة الولايات المتحدة نحو الباشوية المصرية (1832م-1881م) رسالة دكتوراه (غير منشورة)- جامعة القاهرة، 1962م. ص/282.


    ([3]) نفس المصدر .


    ([4]) أديب نجيب – المرجع السابق. ص/ 196.


    ([5]) عبد المنعم الدسوقي الجميعي (دكتور) –الجامعة المصرية والمجتمع (1908م-1940م)، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 1983م. ص/ 25.


    ([6]) محمود حلمي مصطفى (دكتور) – المصدر السابق. ص/ 280.


    ([7]) رينا هوج –"الأستاذ الجليل بين مرسلي وادي النيل" تاريخ الدكتور القس يوحنا هوج. القاهرة، 1917م. ص.126-127.

    وانظر كذلك: أديب سلامة –المرجع السابق. ص/ 152-153.


    ([8]) أستاذ أصول التربية – جامعة طنطا .


    ([9]) Altbach, Philip G., & Kelly, Gail P., Education and Colonialism New York: Longman, 1988, p.35.


    ([10]) Mazrui, Ali A. “The African University as Multinational Corporation problems of penetration and Dependency” in Ibid, p,333.


    ([11]) أيف أود. "غزو العقول: الجهاز الأمريكي لتصدير الثقافة" عرض وتقديم رضوى عاشور، المواجهة، الكتاب الثاني، فبراير 1984، ص 136.


    ([12]) Murphy, R. Lawrence The American University in Cairo: 1919-1987. Cairo: The American University in Cairo press, 1987, p,4…

    ويود الباحث أن يسجل اعتماده بشدة على كثير من المعلومات المتعلقة بتطور الجامعة الأمريكية على هذا المؤلف، ومن المهم أيضاً الإشارة إلى دراسة رفعت سيد أحمد "اختراق العقل المصري: الجامعة الأمريكية والبحوث المشتركة" المنشورة في القاهرة عام 1985م.


    ([13]) لينوار تشامبرز. سياسة الولايات المتحدة الأمريكية إزاء مصر 1830م-1914م. ترجمة ودراسة وتعليق فاطمة علم الدين عبد الواحد، مراجعة يونان لبيب رزق. القاهرة المصرية الهيئة المصرية العام للكتاب 1987م، ص177-1978.


    ([14]) Murphy, R. Lawrence Op, Cit.,.


    ([15]) لينوار تشامبرز رايت، مصدر مذكور، ص 186.


    ([16]) المصدر السابق، ص 268.


    ([17]) نفس المصدر، ص 186.


    ([18]) Murphy, R. Lawrence, op, Cit, pp. 4-5


    ([19]) Ibid, p,5


    ([20]) Ibid, p,5


    ([21]) Ibid, p,5


    ([22]) لينوار تشامبرز رايت، مصدر مذكور، ص 267.


    ([23]) Muphy, R. Lawrence, op. Cit, p,1


    ([24]) Ibid,pp. 14-16


    ([25]) Ibid, p.10


    ([26]) Ibid, p. 14


    ([27]) Ibid, p, 23


    ([28]) Ibid, pp. 26-27


    ([29]) Ibid, pp. 28-29


    ([30]) Ibid, p, 25


    ([31]) The College of Arts and Sciencces of the American University at Cairo, 1921-1922. Cairo: American University, 1921, pp. 1-2-6-8.


    ([32]) Murphy, R. Lawrincce, Op. Cit p, 32


    ([33]) Watson, C.R. “Memorandum to the Committee on Education Conceerning Arthur Jeffery”, May 17. 1922, Watson paapers, AUCA.


    ([34]) Report of the Committee on Education, October 26, 1920, Appendix C.
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: أخطار الجامعة الأمريكية في البلاد الإسلامية

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 05.12.09 10:05

    الانفتاح الاقتصادي وازدهار الجامعة الأمريكية:

    بدأت مصر في الأخذ بسياسة الانفتاح الاقتصادي منذ عام 1974م. وتمثلت أهم نتائج هذه السياسة في انسحاب الدولة من الاضطلاع بمسئولياتها الرئيسية في تمويل التعليم وتوجيهه بما يخدم حاجات الشعب المصري، ومتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وكان لهذا الانسحاب تأثير خطير في تدهور أحوال التعليم العام المنوط به إعداد الفئات العاملة المختلفة كما ساعد من ناحية أخرى على ازدهار القطاع التعليمي الخاص المكلف بإعداد الصفوة.

    فلقد بدأت الطبقات الاجتماعية القادرة مع بداية سياسة الانفتاح الاقتصادي، نتيجة عدم رضاها عن تعليم أبنائها في المدارس الحكومية ذات المستوى المتدهور، في العدول عن إرسالهم إليها، وشرعت في استحداث نظامها التعليمي الخاص، المتمثل في مدارس اللغات والمدارس الأجنبية. وهكذا شاهدنا منذ منتصف السبعينيات هذا السيل المتدفق من مدارس اللغات الجديدة، بل وأكثر من ذلك، بدأت الحكومة في تشجيع هذا التيار، وساهمت بقسط كبير في دعمه مالياً وعلمياً. ومن ذلك على سبيل المثال، إنشاء "مجمع مصر للغات" بالجيزة، يتعلم فيه التلاميذ المعلومات العامة والحساب والعلوم بواسطة الكمبيوتر. وتضاعفت خلال هذه الفترة أعداد الطلاب من الفئات الاجتماعية المحظوظة التي تسعى إلى عواصم الغرب لتلقي التعليم، بل قام رأس المال المصري بإنشاء المدارس هناك، مثل مدرسة نوال الدجوى بلندن.

    وهكذا بدأت الحكومة المصرية في تعاون كامل مع الطبقة الجديدة –باستحداث قنواتها التعليمية الخاصة التي تتناسب مع توجهاتها وقيمها وطموحاتها، وهنا أيضاً يمكن تفسير انتعاش الدور الثقافي والاجتماعي الذي تقوم به الجامعة الأمريكية كممثل لتربية هذه الطبقة، وهذا هو الأصل أيضاً في الرغبة العارمة التي تساور هذه الطبقة لإنشاء جامعة أهلية خاصة يوكل إليها مهام تعليم أبنائها. وفي هذا الصدد يصرح رئيس الدولة في عام 1985م رداً على بعض أصحاب هذه الفكرة بقوله: "إنه مدرك تماماً للأسباب التي أبدوها. وإنه يعلم جيداً أن القادرين والموسرين يزاحمون فعلاً أبناء الطبقات الكادحة في مجانية التعليم الجامعي.. وأن هذا العبء الضخم الملقى على عاتق الإمكانيات المحدودة والجامعات تعلم بالمجانية الكاملة قد أثرت على المستوى (الكيفي) للتعليم.." وقال لهم أيضاً:

    "إن منا من يفضل أن يقتطع من قوته لكي يعلم أبناءه بالمصاريف في الجامعة الأمريكية بالقاهرة ليصيبوا عناية أكبر في التعليم. ولكن لو حدث وقامت الحكومة غداً بمواجهة الأمر الواقع، وقررت مثلاً أن تسمح بإنشاء جامعة أهلية بالمصاريف إلى جانب الجامعات الحالية، فسوف تخرج في الحال أصوات ترتفع، وأقلام تقول إن الحكومة تعيد نظام الطبقات، وإنها انتكاسة كبرى وتلغي المساواة في الفرص…إلخ"([1]).

    على أي حال، فلقد أثرت سياسة الانفتاح الاقتصادي على أوضاع الجامعة الأمريكية، بشكل مباشر في ثلاثة جوانب محددة:

    1-أما عن الجانب الأول، وهو أهم هذه الجوانب، فيتعلق بما حظيت به الجامعة خلال تلك الفترة من تشجيع الحكومة المصرية ومنحها مزايا واسعة، كرمز للنوايا الطيبة للحكومة المصرية.

    2-ساعدت سياسة الانفتاح الاقتصادي والمناخ العام الذي أفرزته وما صاحبه من تشجيع رجال الأعمال الأمريكيين للعودة إلى مصر، واستثمار هذا المناخ، وزيارة الرئيس السادات للقدس سنة 1977م، وتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل وبداية الانصراف عن الاهتمامات القومية والعالمية التحررية والانكماش داخل الحدود المصرية، وتحسن العلاقات المصرية الأمريكية، وبداية تدفق سيل المعونات الضخمة من الولايات المتحدة الأمريكية على مصر.. كل هذه التطورات ساعدت في تحقيق زيادات هائلة في موارد الجامعة الأمريكية المالية بشكل لم تشهده طوال تاريخها، وبصورة ساهمت بقوة في زيادة برامجها وأنشطتها التعليمية، وتقوية تأثيرها في المجتمع المصري.

    3-خلق الانفتاح الاقتصادي طلباً متزايداً –في أسواق العمالة- على خريجي الجامعات ممن يجيدون التحدث والكتابة باللغة الإنجليزية. وأدى هذا الطلب بدوره إلى رفع قيمة الشهادات التي تمنحها الجامعة الأمريكية، وإلى زيادة تدفق الطلاب عليها في أعداد غفيرة، ودفع هذا العامل إلى تعجيل الجامعة باتخاذ إجراءات التوسع في نشاطها وبرامجها.

    وفيما يتعلق بالجانب الأول فلقد أدت التغيرات الاقتصادية والسياسية التي حدثت منذ بداية السبعينيات إلى عودة العلاقات بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية، وزيارة الرئيس نيكسون لمصر في يونيو 1974م، وكان الرئيس السادات قد أصدر بعد الانتهاء من إعداد الترتيبات الخاصة بزيارة الرئيس نيكسون لمصر، قراراً يقضي برفع الحراسة المفروضة على الجامعة بعد حرب 1967م، وعودة السيادة الكاملة لمجلس الأمناء على كافة شئون الجامعة.

    كما قابل الرئيس المصري –للمرة الأولى- أعضاء مجلس أمناء الجامعة الأمريكية، حيث تمت دعوتهم على العشاء، أثناء زيارة "هنري كيسنجر"، وفي نفس الليلة التي كان تم فيها توقيع اتفاقية فك الاشتباك بين مصر وإسرائيل، في يناير 1974م، وتكررت مقابلة الرئيس السادات لأعضاء المجلس، وصار ذلك عرفاً عادياً من بعده.

    وفي مارس 1974م، أصدر وزير التعليم العالي قراراً رسمياً بالاعتراف بالدرجات العلمية التي تمنحها الجامعة الأمريكية، وبمعادلتها بالدرجات التي تمنحها الجامعات المصرية، فيما عدا ثلاث شهادات. ومن ثم، فلقد ضمن خريجو الجامعة الأمريكية –لأول مرة في تاريخها- معاملتهم مثل أقرانهم خريجي الجامعات المصرية، بما فيها إتاحة فرص التوظف الحكومي أمامهم، واستكمال دراساتهم العليا بالجامعات المصرية.

    وفي نوفمبر 1975م وقعت الجامعة اتفاقية مع الحكومة المصرية، جاء فيها أن الجامعة الأمريكية مزدوجة الجنسية. وأن يكون قبول الطلاب بالجامعة بنسبة 75% من المصريين، و25% من الأمريكيين. كما نصت أيضاً على إعفاءات مرتبات العاملين بالجامعة التي يتم صرفها من المنح الأمريكية الصادرة بمقتضى القانون 480، من الضرائب. وأن يكون رئيس الجامعة أمريكيا، ونائبه مصرياً. وتأكد في هذه الاتفاقية أيضاً مبدأ معادلة الشهادات التي تمنحها الجامعة الأمريكية بالشهادات المصرية، كما تم الاحتفاظ بوظيفة المستشار المصري، وعين حسين أمين فوزي في هذا المنصب، وصدق مجلس الشعب على الاتفاق، وكذا مجلس الوزراء، ونشر كقرار جمهوري رقم 146 لسنة 1976م بتوقيع الرئيس السادات.

    وفي ضوء هذه التطورات، قرر مجلس الأمناء، إضافة أعضاء جدد من المصريين والعرب. وكان المجلس مقتصراً في عضويته منذ سنة 1968م على الأمريكيين فقط. وانضم بمقتضى ذلك القرار إلى المجلس "يوسف الجميل"، نائب رئيس شركة عبد اللطيف جميل المتحدة بالمملكة العربية السعودية (وهو خريج الجامعة الأمريكية بالقاهرة)، والشيخ كمال أدهم مدير شركة المقاولات العامة، والمهندس أحمد عز الدين هلال نائب رئيس الوزراء السابق، ووزير البترول آنذاك، ومصطفى خليل، رئيس البنك العربي الدولي ورئيس الوزراء الأسبق([2]).



    الجامعة الأمريكية بين النشاط العلمي والتجارة متعددة الجنسية:

    التغير الأساسي الذي أسفرت عنه سياسة الانفتاح الاقتصادي، أن مؤسسات التعليم الخاص بوجه عام، والجامعة الأمريكية بوجه خاص، قد حققت زيادات هائلة في مواردها المالية. ولقد شعر القائمون على الجامعة، بضرورة استثمار المناخ العام المصاحب للأوضاع السياسية والاقتصادية الجديدة التي سادت منذ منتصف السبعينيات، ووضع خطة تمويلية تساعد على استقلال الجامعة مالياً، وثبات أحوالها المالية من ناحية، ومن ناحية أخرى تمكنها من الاضطلاع بخطة توسع طموحة تتحقق خلال سنوات الانفتاح.

    ولقد لجأت إدارة الجامعة إلى اتخاذ بعض التدابير والإجراءات من أجل مضاعفة ميزانياتها، ومواجهة أعباء التوسعات المرتقبة. ومن هذه الإجراءات ما يلي:

    1-رفع المصروفات الدراسية سنوياً. وبدأت الزيادة بنسبة 20% وبلغت مستويات غير معقولة، حتى أن الجامعة أعلنت في عام 1983م، أن مصروفات العام الدراسي التالي أصبحت تعادل ما قيمته ألف دولار أمريكي زادت المصروفات بين عام 77/1978م وعام 82/1983م بنسبة 31% مكونة بذلك –بحسب ما تزعم إدارة الجامعة- ثلث الميزانية العامة للجامعة. ووصلت المصروفات عام 1986م، ولأول مرة حوالي 50% من دخل الجامعة (وكانت تمثل 15% من الدخل عام 1978م).

    وقل اعتماد الجامعة الأمريكية، على الحكومة الأمريكية، في التمويل، وبعد أن كانت تتلقى منها 43% من احتياجاتها أصبحت في حاجة فقط إلى ما قيمته 18%، ويزعم القائمون على الجامعة أن المصروفات الدراسية لا تغطي أكثر من 20% من التكلفة الحقيقية لتعليم الطالب. ومن ثم، فهي تحتاج إلى دعم ما بين 3 إلى 4 مليون دولاراً سنوياً لضمان معقولية التمويل بالجامعة([3]).

    2-القيام بحملة واسعة ومكثفة للاستفادة من ظروف الانفتاح، والعلاقات الطيبة بين مصر وأمريكا، والتوسع الاستثماري الأمريكي في مصر لجمع تبرعات تساعد الجامعة على إنجاز التوسعات المناسبة لهذه الظروف الجديدة.

    وظل القائمون على الجامعة يعدون لهذه الحملة عاماً كاملاً اعتمدوا فيه على استشارة شركة "بريكلي" وشركة "جون برايس جونز". وحدد مجلس أمناء الجامعة هدفاً للحملة يتمثل في جمع 22 مليون دولاراً من مصر والولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة العربية السعودية(!) ودول الخليج، على أن يتم ذلك خلال عام 1987م.

    على مدى أكثر من ستين عاماً، وهي تاريخ الجامعة الأمريكية بالقاهرة حتى تلك السنة، لم يتجاوز حجم ما حصلت عليه من هبات ومنح مبلغ ثلاثة ملايين دولاراً، لكن الأوضاع الآن باتت مختلفة أشد الاختلاف.

    فلقد غطت الحملة ثلاث مناطق جغرافية: الولايات المتحدة، مصر، المملكة العربية السعودية والخليج. وتكونت لجنة الإشراف على جمع التبرعات برئاسة "هوارد كلارك" رئيس شركة "اميركان أكسبريس" وعضوية رؤساء شركات "اكسون"، "وأتلانتك ريتشفيلد"، وشركة "مويل"، بالإضافة إلى "وليام روجرز"، و"سايروس فانس" وزيري الخارجية الأمريكية السابقين.

    وتشكلت لجنتان للإشراف على جمع التبرعات داخل مصر. وتكونت اللجنة الأولى من "بطرس غالي" وزير الدولة للشئون الخارجية، و"فؤاد سلطان" وزير السياحة، و"مصطفى خليل" رئيس البنك العربي الدولي، ورئيس الوزراء الأسبق.

    وضمت اللجنة الثانية بعض مديري الشركات متعددة الجنسية، التي تعمل بالمنطقة مثل مدير شركة "جزال ديناميك" ومدير شركة زيروكس، ومدير نورثروب ماريون ايه تي أندتي، ومدير شركة "ستي بنك" ومدير شركة "جنرال موتورز".

    وتشكلت لجنة الإشراف على نشاط حملة التبرعات بالمملكة العربية السعودية والخليج تحت إشراف "شارلز هيدلاند" رئيس شركة "إسو" بالشرق الأوسط، وعضو مجلس الأمناء، ولقد تبرعت أسرة "الجميل" السعودية بملغ (5) ملايين دولاراً هدية مبدئية للجامعة، وكان "يوسف جميل" قد تخرج في الجامعة عام 1968م، وأنشأ بعد ذلك شركة لتوزيع سيارات "تويوتا" والآلات الزراعية، النقل المختلفة، والتمويل الدولي والمقاولات. وذكر "يوسف الجميل" "لهيدلاند": "إننا مدينون للجامعة الأمريكية بالقاهرة كثيراً، ولولا حصول يوسف على تعليمه بها، ما كان باستطاعة أسرتنا أن تصنع ما حققته اليوم" واستخدم المبلغ في إقامة "مركز عبد اللطيف جميل لدراسات الإدارة بالشرق الأوسط" (!!)

    وشارك مجلس خريجي الجامعة الأمريكية في نشاط حملة التبرعات بنصيب كبير. ولقد عينت "ماري اسكندر" مديرة لمكتب الخريجين في عام 1977م، وكانت قد حصلت على شهادة الماجستير من الجامعة الأمريكية. ولقد حققت كثيراً من المكاسب المادية والدعائية للجامعة عن طريق الخريجين. وشملت استراتيجيتها إصدار نشرة دورية عن أخبار الجامعة ومجلسها وتوزع على الخريجين، وتأسيس لجنة لإدارة العلاقات في أوساط الخريجين، وإقامة روابط للخريجين في أنحاء متفرقة من الشرق الأوسط والولايات المتحدة الأمريكية وكندا، كما بادرت "ماري اسكندر" بوضع تقاليد محددة لدعوة الخريجين في مناسبات عديدة شهرياً وسنوياً وخلال عطلة نهاية الأسبوع. ويحضر هذه اللقاءات في الغالب أكثر من ألف خريج. كما تأسس مجلس دولي للخريجين من أجل المحافظة على اتصال الجامعة بخريجها في كل أنحاء العالم.

    وتوج مجلس الخريجين نجاحه في هذا المضمار حين ضم إلى صفوفه السيدة "سوزان مبارك" قرينة الرئيس مبارك، منذ أن كان زوجها نائباً لرئيس الجمهورية، وأصبحت أول رئيس لمجلس خريجي الجامعة. وجدير بالذكر، أنها حصلت على شهادتي الليسانس والماجستير من الجامعة الأمريكية (!) كما كان ابناها منتظمين بالدراسة بالجامعة وقتئذ وليس من شك أن رئاستها للمجلس، في سنواته المبكرة زودته بشرط سياسي ضروري لتحركه على نطاق واسع فعال.

    كانت الحملة في مجملها ناجحة. فلقد أسفرت عن جمع تبرعات قيمتها 18.4 مليون دولاراً حتى عام 1986م : 7.2 مليون دولاراً من الولايات المتحدة الأمريكية، و 9.8 مليون من السعودية (!) ودول الخليج، 1.5 مليون دولار من مصر.

    وقد أسهمت الشركات الأمريكية العاملة بمصر والشرق الأوسط بمبالغ طائلة في هذه الحملة ومن هذه الشركات: "أي بي إم –إسو- موبيل – أموكو- نورثروب- كونوكو- أمريكان إكسبريس- تشيس- جنرال إليكتريك- سيتي بانك- وستنجهاوس- فنادق ماريوت- بنك أوف أمريكا". وبنك مصر إيران، والبنك العربي الدولي، وكثير من الشركات الأخرى المهمة العاملة في مصر والمملكة العربية السعودية. بلغت قيمة مساهمات هذه الشركات ما يربو على 11 مليون دولاراً([4]).

    3-من الإجراءات التي لجأت إليها الجامعة أيضاً، لزيادة مصادرها المالية، السعي للحصول على مبالغ طائلة من وكالة المعونة الأمريكية. وحصلت، في هذا الصدد على كثير من المعونات. وفي عام 1981م، اتصل "توماس بارتلت" والسيدة "مولى بارتلت" بالسناتور "مارك هارتفيلد" (رئيس لجنة التخصيص بمجلس السناتور)، وأعضاء اللجنة من أجل التدخل لإنهاء إجراءات منحة سابقة من الولايات المتحدة قيمتها 10 مليون جنيهاً، وللحصول على منحة جديدة قيمتها 8.75 مليون جنيهاً مصرياً. وتحقق للجامعة كلا الهدفين في سنة 1982م، وتم إيداع قيمة المنحتين في حساب الجامعة لاستخدامه فيما بعد.

    فضلاً عن ذلك، فلقد أقر "مكتب المدارس والمستشفيات الأمريكية بالخارج" الاستمرار في دعم الجامعة بمنح دولارية تفي بالتزاماتها الخاصة بمرتبات وشراء الحاسبات الآلية، وصيانة المبنى الرئيسي للجامعة، وتجديد قاعات الدرس، وإبدال نظام الاتصالات الهاتفية القديم، وشراء أجهزة هندسية حديثة.

    بيد أن أهم إنجاز حققته الجامعة في هذا الشأن، الاتفاق الذي أُبرم بين الحكومة الأمريكية والحكومة المصرية في عام 1985م، وبمقتضاه تم تخصيص مبلغ 50 مليون جنيهاً مصرياً من فائض الأموال، التي تمتلكها الولايات المتحدة بالجنيه المصري داخل مصر، وتتسلمها السفارة الأمريكية بالقاهرة، لاستثمارها كوديعة لصالح الجامعة الأمريكية، وتستفيد من عائدها سنوياً([5]).

    4-وفي ظل مناخ الانفتاح الاقتصادي، لجأت الجامعة الأمريكية، إلى اتباع سياسة جديدة، تهدف إلى تحقيق مزيد من الاعتماد الذاتي في توفير احتياجاتها المالية. فأنشأت في عام 1975م ما يعرف باسم "صندوق الجامعة للأوقاف التربوية"، من أجل استثمار بعض الأموال في مشروعات اقتصادية متنوعة، تحقق لها أرباحاً سنوية مضمونة. وساهمت وكالة المعونة الأمريكية في هذا الصندوق بمبلغ 8.5 مليون جنيهاً مصرياً من مخصصات كانت قد منحتها للجامعة في عام 1969م قيمتها 25 مليون جنيهاً، ولم يتم صرفها حينئذ لأسباب سياسية واشترطت الوكالة استخدام هذه المخصصات في دعم مشروعات القطاع الخاص التي بدأت في الازدهار، بالإضافة إلى تحقيق دخل ثابت يمكن الجامعة من التوسع في مشروعاتها التعليمية([6]).

    وفي نفس العام، اتخذ القائمون على الصندوق قراراً باستثمار مبلغ 47.000 جنيهاً مصرياً في إنشاء شركة سياحية، ولكن رغم استخراج تصريح خاص بمزاولة نشاطها، تم العدول عن هذا المشروع لأسباب غير معروفة. كما استثمر الصندوق جزءاً من أمواله في شراء قطعتين من الأراضي بمنطقة الزمالك في عام 1975م.

    وساهم الصندوق في إنشاء شركة القاهرة الصناعية للمشروبات، الممثل المحلي لشركة "سفن أب"، و"كندادراي" لتعبئة الزجاجات، كما شارك أيضاً في إقامة شركة الكويت الغذائية التي افتتحت بدورها فروعاً بجمهورية مصر لمحلات "كنتاكي فرايد تشيكن" وومبى.

    وقام صندوق أوقاف الجامعة بتأسيس شركة الألمونيوم العربية، باستثمار مبدئي قيمته 1.5 مليون جنيهاً مصرياً، وحاز هذا المشروع شهرة واسعة، لأنه أول المشروعات الممولة من مصادر أمريكية ومصرية بعد معارك سنة 1973م.

    وفي منتصف عام 1984م، حقق مبلغ الاستثمار الأصلي في بعض المشروعات الاقتصادية (وقيمته 8.54 مليون جنيهاً مصرياً) أرباحاً زادت من قيمته فوصل إلى 9.74 مليون جنيهاً. ومنذ ذلك الوقت بدأت الجامعة في الاستفادة من أرباحها السنوية في هذه المشروعات([7]).

    ومن الجوانب التي يجدر التعرض لها، إذا كنا بصدد تحليل أثر سياسة الانفتاح الاقتصادي على مؤسسات التعليم، جانب الفساد المالي والإداري في قطاعات التعليم المصري، وبصفة خاصة في الجامعة الأمريكية، حيث يقع كثيرون في وهم الاعتقاد بأنها بمنأى عن الشبهات.

    فلقد حدث أن اشترت الجامعة قطعة أرض بمنطقة الزمالك بمبلغ 913.368 جنيهاً مصرياً. لكن الثمن المسجل في عقود الشراء الرسمية كان 300.000 جنيهاً فقط، أين اختفى باقي المبلغ ؟! يزعمون أنه تم تسليمه لبائع الأرض بواسطة أحد موظفي "صندوق الأوقاف"!

    وقام مفتش المعونة الأمريكية بفحص سجلات الصندوق وكتب تقريراً جاء فيه إن:

    "حسابات الصندوق ناقصة بدرجة كبيرة، بحيث يستحيل الاعتماد عليها في استخلاص نتائج موثوق بها حول عمليات الصندوق الراهنة أو ظروفه المالية، كما أن بيانات الميزانية غامضة. لا يمكن لأحد أن يتوقع متى يفلس الصندوق.. أضف إلى ذلك أن نفقات سفر الموظفين وتكاليف استقبال الوفود بلا ضابط"([8]).

    وقرر مفتش وكالة المعونة في تقريره اختفاء مبلغ 1,1 مليون دولار من واقع السجلات، وطالب بإجراء تحقيق شامل بواسطة مكتب تحقيقات الوكالة، وحضر مفتش آخر أيد ما جاء بالتقرير السابق، وأضاف أن عملية تسليم المبالغ المالية إلى صاحب أرض الزمالك، لا يمكن قبولها بأي حال من الأحوال، لكنه أشار إلى:

    "إن مثل هذه المعاملات شائعة في مصر، وليس ثمة دليل على نوايا إجرامية للاحتيال على حكومة الولايات المتحدة" كما "لم تنتهك قوانين الولايات المتحدة الأمريكية"([9]).

    وتم الكشف عن كثير من الانحرافات الأخرى في حسابات كافة مشروعات الجامعة الاستثمارية في مصر، وسجلاتها، وتكررت نفس الملاحظات السابقة عن مصروفات إدارة الصندوق في تقرير محقق ثالث عام 1978م.

    على أية حال، ورغم وضوح عملية الاحتيال على الحكومة المصرية، وانتهاك القوانين المصرية، إلا أنه لم تجر أية تحقيقات من جانبها.

    وشاع بين أساتذة الجامعة وطلابها، خلال تلك الآونة، أن الجامعة اختلست مبلغ ثلاثة ملايين دولار من صندوق الجامعة، وأدت هذه الأحداث إلى استقالة الوسيطين المصري والأمريكي اللذين شاركا في إنهاء إجراءات شراء أرض الزمالك، واستقال رئيس الجامعة "سيسيل بيرد" في 1 يونيو 1977م.

    ورغم كل ذلك، فلقد عادت العلاقات مع وكالة المعونة الأمريكية في عام 1978م، وبدأت الجامعة في تلقي المعونات السنوية بأكثر مما كان عليه الحال من قبل، واستأنف الصندوق نشاطه بالمشاركة في الاستثمار في شركة كولجيت بالموليف بمصر، كما زادت قيمة مساهمته في الشركة العربية للألمونيوم([10]).

    ويشير مدير الجامعة في عام 1977م إلى المنح المقدمة من الشركات الأمريكية الضخمة بقوله:

    "ومما لا شك فيه إن أوضح ملامح تطور الأحوال المالية للجامعة خلال العام الأخير تتمثل في المعونات الأمريكية المقدمة للجامعة، فلقد تزايد حجم هذه المعونات من 980480 إلى 2450000 دولاراً أكثر من العام السابق، وقد سارع بتقديم الهبات المالية إلى الجامعة أكثر الشركات شهرة في هذا المجال: وستنجهاوس وفايزر([11]).



    تطور البرامج الدراسية في عصر الانفتاح :

    في ظل سياسة الانفتاح الاقتصادي، وبفضله، وفي التسهيلات المالية التي تحققت للجامعة الأمريكية خلال تلك الآونة، وما أتاحته الحكومة المصرية لها من حرية الحركة والسماح لها بالتوسع في مجالات نشاطها، تمكنت الجامعة من تحقيق توسعات تعليمية ضخمة.

    ولقد تم التوسع في البرامج الدراسية في مجالين أساسيين، أما عن المجال الأول، فإن سياسة الانفتاح الاقتصادي، وقيامها على أساس المشروع الخاص، واعتمادها على أنظمة إدارية غربية (أمريكية على وجه الخصوص)، ونقص أعداد المصريين المدربين في هذا الميدان، تطلب اهتماماً بمجال إدارة الأعمال، ومن المعروف أن اهتمامات الجامعة الأمريكية، دارت تاريخياً حول الآداب والفنون الحرة، واتخذت منها محوراً أساسياً لأنشطتها التعليمية المختلفة، لكن المتغيرات الجديدة التي صاحبت الانفتاح جعلت "بيدرسون" يقوم فور توليه رئاسة الجامعة، بمد برنامج دراسات إدارة الأعمال إلى المرحلة الجامعية الأولى، وساهمت المنحة المقدمة من شركة "آي بي إم" في تغطية تكاليف إنشاء البرنامج، وسجلت أول دفعة من الطلاب في هذا البرنامج خريف عام 1980م، وعددها 170 طالباً، واضطرت الجامعة إلى رفض قبول مزيد من المتقدمين للالتحاق بهذا البرنامج، وشمل البرنامج عشرين مقرراً دراسياً([12]).

    وذلك بتحويل درجة الماجستير التي كانت تمنح في الإدارة، إلى مجال "إدارة الأعمال"، وفي ضوء رغبة الجامعة في مد تأثيرها إلى القطاعات الحكومية، وسعيها للمحافظة على اتصالات قوية ومباشرة بالإدارات والمؤسسات المختلفة، فلقد أنشأت برنامج دراسي يمنح درجة الماجستير في "الإدارة العامة" كما تأسس "مركز دراسات الإدارة بالشرق الأوسط" متضمناً برامج للتدريب أثناء الخدمة وأطلق عليه اسم: "مركز عبد اللطيف جميل لدراسات الإدارة بالشرق الأوسط"(!) تكريماً لوالد "يوسف جميل" الذي تبرعت عائلته بقيمة تكاليف إقامة مبنى جديد للمركز، ويقدم المركز لطلابه –بطبيعة الحال- أحدث أساليب الإدارة على الطريقة الأمريكية، وقد لا يكون له نظير في هذا المضمار بمنقطة الشرق الأوسط([13]).

    ويعقد المركز ندوات مشتركة مع مؤسسات وإدارات خاصة وحكومية منها مثلاً اتحاد البنوك العربية والهيئة المصرية العامة للسياحة والفنادق، كما ينظم محاضرات وحلقات عمل تجمع صفوة متنوعة من العالم العربي: وزراء وأساتذة ومدبرين في مستويات مختلفة، كما تشارك مؤسسات جامعية أخرى في إقامة هذه الحلقات، مثل كليات التجارة بالجامعات المصرية، وتمول هذه الأنشطة غالباً عن طريق منح مقدمة من المؤسسات الخاصة مثل "شركة فورد" واتحاد البنوك العربية.

    ويلاحظ أن برنامج إدارة الأعمال لطلبة الدراسات العليا في حالة تطور مستمر، كما يسعى إلى الاستقلال بشئونه وإدارته داخل الجامعة الأمريكية ويعود ذلك إلى أسباب ترتبط بكبر حجم ميزانيته بصفة خاصة مع تمويل المؤسسات المشار إليها، وقد أصبح هذا البرنامج من أهم أقسام الجامعة الأمريكية.

    وتغطي جهود قسم الإدارة لطلبة الدراسات العليا ثلاثة جوانب:

    1-تقديم تعليم إداري باستخدام أدوات وأساليب تربوية خاصة، وذلك بفضل دعم مؤسسة فورد لهذا الغرض (100.000دولاراً)، كما ساهمت أيضاً في هذا الصدد في إنشاء شركتين هما: "شركة أتوبيسات انترستي"، و"فندق بيراميد".

    2-مد تأثير برنامج الإدارة وأنشطته وأساليبه الحديثة إلى العالم العربي وشمال أفريقيا.

    3-تأسيس شبكة واسعة من العلاقات وذلك من أجل تطوير الاستشارات وجمع التبرعات، ونشر الأفكار والأساليب الإدارية الأمريكية وأنشئ لهذا الهدف" مركز الشرق الأوسط لخدمات الإدارة([14]).

    وفيما يتعلق بالمجال الثاني التي توسعت فيه الجامعة الأمريكية، فيرتبط بما أدت إليه سياسة الانفتاح من ضرورة العناية بالبنية الأساسية وبميدان الإنشاءات والتشييد والمباني، لدرجة أن معظم بنود الميزانيات العامة لهذه الفترة تضمنت مجال البناء والتعمير، ولقد دفعت هذه التطورات إلى قيام الجامعة بتأسيس برنامج لدراسة الهندسة، وبدأت بميدان الهندسة الميكانيكية في عام 1981م، والتحق الفوج الأول من الطلاب بهذا البرنامج عام 1982م، وأدار البرنامج الدكتور "محمد فراج"، كما انضم إلى هيئة التدريس عام 1985م الدكتور "محمد الوكيل" أحد الأساتذة المصريين/ الأمريكيين، وكان يعمل بجامعة وسكنسن مما شكل عاملاً من عوامل اتساع أنشطة البرنامج([15]).

    فضلاً عن ذلك، فلقد أقيم برنامج جديد للدراسات المتصلة بالحاسب الآلي عام 1985م، وتضمن البرنامج مقررات نظرية ودراسات عن تصميم وتشغيل وتحليل برامج الحاسب الآلي المختلفة، واستخدم الحاسب الآلي –بالإضافة إلى التخصص فيه كمجال دراسي- لخدمة برامج أقسام الهندسة والفيزياء والكيمياء واللغة الإنجليزية والإدارة ومركز العلاقات الاجتماعية .

    ومع بداية الثمانينيات، توسعت الجامعة أيضاً في برامج قسم الاتصال الجماهيري، وأنشأت مركزاً إخبارياً تليفزيونياً، مجهزاً بأحدث المعدات لتدريب العاملين في مؤسسات الإعلام المختلفة بالشرق الأوسط، على الأعمال التليفزيونية والصحفية المختلفة، وأشرف على تأسيس هذا المركز "عبد الله شليفر" الذي كان مراسلاً للقناة التليفزيونية الأمريكية "إن بي سي"([16]).

    كما تأسس –لأول مرة- في عام 1985م برنامج دراسي يتعلق بالدراسات المصرية القديمة، أداره في البداية الدكتور "علي حسن" مدير المتحف المصري السابق، وبعد أن اعترض بعض ذوي النفوذ داخل الجامعة على تعيينه، استبدل بعد استقالته بالدكتور "كنت ويكس" من جامعة كاليفورنيا([17]).

    ومن التطورات الهامة التي حدثت خلال هذه الفترة إنشاء "مركز دراسات اللغة العربية بالخارج بالجامعة الأمريكية، فلقد قامت "اللجنة المشتركة للشرق الأوسط والأدنى"، المنبثقة عن "المجلس الأمريكي للمجتمعات المتعلمة" بإيفاد أستاذين هما وليم برينر" و"رولاند ميتشيل" إلى منطقة الشرق الأوسط من أجل اختيار موقع ملائم لإقامة مركز دائم لتدريس اللغة العربية لطلاب الدراسات العليا الأمريكيين المتخصصين في هذا المجال، وبعد زيارتهما تونس وبيروت، استقر رأيهما على التوصية بإنشائه في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وهذا المركز عبارة عن عمل جماعي تشارك فيه الجامعة الأمريكية والجامعات الأمريكية والبرامج الرئيسية العاملة في الشرق الأوسط، في دعم برامج هذا المركز وإدارته في حين يموله "مكتب الولايات المتحدة للتربية"، كما يوجد مكتب يشارك في إدارة المركز، ويقع دورياً في إحدى الجامعات الأعضاء مثل كاليفورنيا (بيركلي)، وميتشجان، وواشنطن([18]).

    وأقيم في يناير 1979م مشروع تنمية الصحاري والتدريب، في منطقة مساحتها 200 فدان من الأراضي الرملية الواقعة غرب الدلتا، و 25 فداناً من التربة المختلطة الجافة بالقرب من مدينة السادات، وفي سنة 1985م تأسست وحدة دراسية للإشراف على المشروع، وتطورت فيما بعد لتصبح ما يعرف باسم "مركز تنمية الصحراء"، وزادت ميزانيته من 100.000 دولار إلى ما يقرب من مليون دولار سنويا، وساهمت مؤسسات عديدة في إقامة هذا المشروع، منها هيئة التنمية الدولية الكندية، ومؤسسة فورد، وهيئة المعونة الأمريكية (من خلال مشروع ترابط الجامعات)، وفنلندا، ومن بعض أعضاء مجلس الأمناء مثل "جون جوليت"([19]).



    ([1]) الأخبار ، 24 إبريل 1985.



    ([2]) Murphy, R. Lawrence, Op Cit, pp. 198, 200.



    ([3]) Ibid, p. 236



    ([4]) Ibid, p, 239



    ([5]) Ibid, p, 242



    ([6]) Ibid, p, 206



    ([7]) Ibid, pp. 206-207



    ([8]) Ibid, p, 208



    ([9]) Ibid, p, 209



    ([10]) Ibid, p, 209



    ([11]) أمينة رشيد. "تقرير فرنسي عن التواجد الثقافي الأمريكي في مصر" المواجهة، الكتاب الثالث، نوفمبر 1984م، ص 33.



    ([12]) المصدر السابق، ص 32-34.



    ([13]) Murphy, R. Lawrence, Op. Cit, p, 239



    ([14]) أمينة رشيد. مصدر مذكور ، ص 34.



    ([15]) Murphy, R. Lawrence, Op. Cit, p,226



    ([16]) Ibid, p, 227



    ([17]) Ibid, p, 227



    ([18]) Ibid, p, 255



    ([19]) Ibid, p, 228
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: أخطار الجامعة الأمريكية في البلاد الإسلامية

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 05.12.09 10:09

    توسعت الجامعة الأمريكية أيضاً في مناشط "مركز البحوث الاجتماعية" خلال حقبة الانفتاح، وبدأ المركز يعنى على وجه الخصوص بإجراء عديد من مشروعات بحوث العمليات التي تهدف إلى تطوير تقديم الخدمات الاجتماعية، ومن أمثلة تلك المشروعات التي فشلت فشلاً ذريعاً بكل المقاييس ما قام به المركز في محافظتي المنوفية وبني سويف في إطار منحة مالية من وكالة المعونة الأمريكية، من برامج بحثية لتنظيم الأسرة وتحديد النسل (!)

    في عام 1974م بدأ المركز دراسة ميدانية لتصميم واختبار وتقويم نظام توزيع حبوب منع الحمل على السيدات في قرية "شنوان" بمحافظة المنوفية، وفي سنة 1976م قدمت هيئة المعونة الأمريكية –في ضوء نتائج هذه الدراسة وتوصياتها- ما قيمته 2 مليون جنيه مصري للمركز للاضطلاع ببرنامج شامل للخدمات الاجتماعية المرتبطة بتنظيم النسل في 38 قرية بمحافظة المنوفية، وتوالت بعد ذلك المنح المقدمة لهذا الغرض([1]).

    كما بدأت أقسام العلوم الاجتماعية بالجامعة في التعاون مع المركز لنشر سلسلة "أوراق القاهرة في العلوم الاجتماعية" وهي عبارة عن دورية علمية تطرح موضوعات سياسية واقتصادية واجتماعية، محلية وعربية، ويساهم في إجراء بحوثها عدد كبير من المفكرين الغربيين، كما تنشر أيضاً دراسات لبعض الأسماء اللامعة من المفكرين المصريين مثل الدكتور جلال أمين والدكتور سعد الدين إبراهيم والدكتور علي الدين هلال، وتتناول "أوراق القاهرة" قضايا مثل: الديمقراطية في مصر، والاقتصاد السياسي المصري، والقانون والتغير الاجتماعي في مصر المعاصرة، والسكان والتحضر في المغرب، الأسر النوبية بالقاهرة، الاقتصاد السياسي لإيران الثورة، تطوير التعليم العربي والإسلامي، تنظيم الجهاد كبديل إسلامي في مصر، الهوية الاجتماعية والطبقية في حي قاهري، التحديث في مصر والمملكة العربية السعودية وفي الخليج العربي، وتستخدم هذه الدراسات –بطبيعة الحال- مفاهيم ومناهج العلم الاجتماعي الغربي([2]).

    ومن المؤكد أن دراسات "مركز البحوث الاجتماعية "تعد بمثابة رأس جسر لشبكة الأبحاث الأمريكية في مصر، وتساهم بجهد واضح في المحاولات المبذولة لتحقيق مزيد من القوة لشبكة علماء الاجتماع الأمريكيين المهتمين بالشرق الأوسط، وإلى توثيق العلاقات فيما بينهم وبين علماء الاجتماع المحليين، ومن قبيل هذه المحاولات المؤتمر الذي انعقد في مدينة الإسكندرية بتمويل من مؤسسة فورد في صيف عام 1974م لخدمة هذا الهدف، وقد تمخض هذا المؤتمر عن تشكيل مجموعة عمل لإعداد دليل عن علماء الاجتماع في منطقة الشرق الأوسط، ولإصدار نشرة إخبارية دورية تتعلق بهذا الموضوع([3]).

    توسعت الجامعة أيضاً في برامج "قسم الخدمة العامة الذي ظل أكثر من خمسين عاماً، أي منذ عام 1925م، يقدم برامج لتعليم الكبار، والتعليم المستمر، تعنى في مجملها بتعليم اللغة الإنجليزية، لكن القسم استحدث في عام 1980م برامج لدراسة مقررات اللغة العربية، والتجارة، ودراسة الحاسب الآلي، كما أصبح القسم يمنح شهادات في بعض المجالات بعد مضي عام، وعامين دراسيين في مجالي إدارة الأعمال والحاسب الآلي.

    ولقد بلغ عدد الدارسين بالقسم في عام 1978م، 6.000 دارس لكل فصل دراسي؛ أي أكثر من عدد طلاب الجامعة المنتظمين (حوالي 1700 طالباً) بسبب رغبة المواطنين في الحصول على وظائف بالقطاع الحديث، أو السعي إلى الهجرة إلى الدول العربية أو الأجنبية، وتزايدت أعداد الطلاب في عام 1986م في "قسم الخدمة العامة فوصلوا إلى 13.000 طالباً، التحقوا بالجامعة بعد اجتياز اختبار في اللغة الإنجليزية.

    ويصف رئيس الجامعة أهمية "مركز الخدمة العامة" كالتالي:

    "نجد هنا سفراء وسائقين وعمال نجارة، ورجال بنوك وموظفي سكرتارية، وأطباء وغيرهم كثيرون يمثلون طبقات مختلفة من سكان القاهرة، يتابعون محاضرات مسائية في اللغة الإنجليزية والكتابة على الآلة الكاتبة، ودراسة الكمبيوتر إلى جانب موضوعات أخرى، إنهم يحتشدون في مدرجات الجامعة حتى الساعة العاشرة مساء([4]).

    وأدى تزايد الطلب للالتحاق بهذا القسم، إلى إنشاء فروع خارجية له، فتأسس فرع مصر الجديدة، تديره "إيناس لطفي" التحق به 1500 دارساً انتظموا في دراسة نفس البرنامج المقدم بالمركز الرئيسي، كما أنشئ أيضاً فرع آخر للقسم بمدينة نصر بمقر الجامعة العمالية، وفرع ثالث بالتعاون مع الأكاديمية البحرية بالإسكندرية، واتفقت الجامعة مع حكومة مالطا في 4 يوليو 1977م على إقامة فرع للجامعة هناك أطلق عليه: "جامعة تدريب أبناء البحر المتوسط"، وأبرم هذا الفرع عقوداً مع ليبيا والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات لتدريب الطلاب من هذه الدول، وقد تغير اسمه بعد عامين إلى "قسم التدريب التجاري والصناعي"، ويمكن لفرع مالطا تدريب 400 طالب، ولقد توقع رئيس الجامعة الأمريكية آنذاك أن يتحول هذا الفرع لكي يصبح موضع "جذب لكثير من مؤسسات منطقة البحر الأبيض المتوسط والعالم الغربي"([5]).

    وصاحب التوسع في البرامج الدراسية خلال فترة الانفتاح الاقتصادي توسعاً في تجديد مباني الجامعة وإنشاء مراكز ومبانٍ جديدة. وأقيمت في هذا الصدد مدينة جامعية للطلاب تسع 320 طالباً على أرض الجامعة الأمريكية بالزمالك، كما خصصت الأموال اللازمة لتمويل بناء مدينة أعضاء هيئة التدريس بالقرب من المدرسة الأمريكية بالمعادي.

    وخلال هذه الفترة أيضاً أقيم أضخم مبنى لمكتبة الجامعة على أحدث الأنظمة، وتعد بوضعها الحالي من أفضل المكتبات المنشأة بمصر، كما أعيد بناء مسرح الجامعة الذي كان قد شب به حريق أثناء بناء المكتبة وأعيد أيضاً إنشاء مركز جامعي للطلاب Hill House متضمناً ملعباً رياضياً، ومركزاً لبيع الكتب، ونادياً للطلاب، ومكتباً للخريجين، وحجرات للرسم الهندسي، ومركزاً للكمبيوتر، ومدرجاً حديثاً للمحاضرات، وأنشئ مركز جميل للإدارة، المشار إليه سابقاً، كما قامت الجامعة في عام 1982م بتجديد مطبعتها تجديداً شاملاً وهي تنشر حوالي 25 كتاباً سنوياً يطبع نصفها بالجامعة والباقي بمطابع خارجية([6]).

    أثناء احتفال "ريتشارد بيدرسون" بمرور خمس سنوات على رئاسته الجامعة عام 1983م، أشار في تقريره أمام مجلس الأمناء عن تطوير الجامعة من 1978م إلى 1983م فقال: "تزايدت أعداد الطلاب الملتحقين بالجامعة خلال خمس سنوات من 1586 إلى 2333 طالباً، كما تزايدت أعداد طلاب برامج تعليم الكبار (مركز الخدمة العامة) من 6518 إلى 9605 طالباً، أما عن أعضاء هيئة التدريس في المجالات الأكاديمية فلقد زاد عددهم من 155 أستاذاً إلى 219 أستاذاً وتزايدت أعداد أساتذة برامج تعليم الكبار من 150 إلى 228 أستاذاً، في حين زيد عدد عمال وموظفي الإدارة من 578 إلى 631 موظفاً فقط.

    تضاعفت أيضاً مرتبات أعضاء هيئة التدريس محسوبة بالجنيه المصري حوالي 116% في حين زيدت مرتبات الأساتذة الأجانب بحوالي 62%.

    كما تضاعفت ميزانية الجامعة من 7 مليون دولاراً إلى 14 مليون دولاراً خلال نفس الفترة"([7]).

    وتضم الجامعة الأمريكية في قائمة خريجيها اليوم أكثر من 5000 خريج، منهم 10 وزراء على الأقل، 20 سفيراً في العالم العربي، فضلاً عن الأعداد الضخمة من رجال الأعمال وموظفي الإدارة العليا والمفكرين والباحثين.








    تطور أعداد المقبولين بالجامعة الأمريكية

    في الفترة ما بين 1974م-1987م([8])


    السنة

    معهد اللغة الإنجليزية

    الدرجة الجامعية الأولى
    الدراسات العليا
    دراسات حرة (بدون درجات جامعية)
    1974م-75م
    158
    864
    627
    74
    1975م-76م
    157
    1825
    1046
    117
    1976م-77م
    200
    1888
    1071
    119
    1977م-78م
    194
    1931
    1025
    111
    1978م-79م
    189
    2117
    995
    161
    1979م-80م
    199
    2180
    1005
    211
    1980م-81م
    265
    2448
    1087
    153
    1981م-82م
    238
    3050
    1043
    190
    1982م-83م
    298
    3292
    1061
    149
    1983م-84م
    305
    3316
    1014
    144
    1984م-85م
    212
    3605
    1034
    149
    1985م-86م
    255
    3776
    1021
    224
    1986م-87م
    153
    1998
    540
    106



    الخلاصة:

    يتبين من تتبع تطور الجامعة الأمريكية لاسيما في فترة الانفتاح الاقتصادي، أنها تعمل بوصفها مركزاً لتوزيع المنتجات الثقافية الأمريكية في أوساط الطبقات الاجتماعية المهيمنة في مصر والبلدان العربية والأفريقية، لكنها في ذات الوقت تشارك في إنتاج عناصر ثقافية ذات طابع أمريكي تتعلق بالحياة السياسية والاجتماعية المصرية والعربية، ويتعين في هذا المقام النظر إلى الإنتاج الثقافي والإعلامي الأمريكي باعتباره جزاء من الاستراتيجية العاملة للدولة الأمريكية، فلقد أصبح يخضع لتوجهاتها السياسية، وهكذا يحدد البيت الأبيض الخطوط العامة لهذا الإنتاج التي تنقلها الوكالات المختصة بعد ذلك إلى كافة الأجهزة التنفيذية.

    ويرى "إيف أود" أن تلك الخطوط تتجمع في عدة محاور أساسية منها تزيين صورة أمريكا، ومواجهة الدعاية المضادة لها، وإبرازها كنموذج للديمقراطية، وكحامية لحقوق الإنسان، ومعاداة الشيوعية، وإعلاء نموذج "العالم الحر"، ومن تلك المحاور أيضاً الدعاية للاعتماد المتبادل في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، والذي يعني في حيز التنفيذ خلق شبكة واسعة من الدول التابعة للولايات المتحدة، ويتطلب العمل على كل المحاور خلق حالة من الإعجاب والألفة والحميمية مع الحياة الأمريكية تجعل رفض مظهر منها، أو السياسية الخارجية للولايات المتحدة يظل رفضاً جزئياً ضمن سياق عام من الألفة والقبول.

    ويذكر "إيف أود" أيضاً أن الهدف الأمريكي الأساسي في العالم الثالث يعتمد على خلق صفوة من الشرائح العليا المهيمنة في الهوامش والمراكز بما يخدم ويعمق حالة التبعية البنيوية التي تعيشها هذه المجتمعات الهامشية، ولكن بالرغم من أن فكرة التهجين الثقافي المطروحة تتمثل في أن تقوم الصفوة بإعطاء الأفكار والموضوعات طلاءً محلياً إلا إنها لا يمكن أن تصل بعيداً أولاً بسبب تدفق المنتجات الثقافية والإعلامية الأمريكية وثانياً وهذه هي النقطة الأهم أن الشرائح الاجتماعية الحاكمة في معظم بلدان العالم الثالث الآن قد أثبتت عجزها عن إنتاج أيديولوجيتها المهيمنة وأكبر دليل على ذلك وجودها كنظم دكتاتورية لا سبيل إلى استمرارها سوى بالسياسات القمعية([9]).

    على أية حال تتم عقلنة التبعية بتأكيد أن التقدم العلمي والتكنولوجي والثقافي يحتم التعاون مع "الدولة الأكثر تطوراً" وأجهزتها ومؤسساتها العابرة للقارات، وأن الوجود الأمريكي تبرره حيوية وحضارة الولايات المتحدة وقدرتها على تقديم الحلول.

    وفضلاً عن هذا الدور المكشوف الذي تضطلع بتنفيذه الجامعة الأمريكية، من توزيع للمنتجات الثقافية الغربية بين أوساط الفئات المهيمنة والوسطى، يظهر تطور سياسات هذه الجامعة دوراً سياسياً وثقافياً مستتراً تلعبه في خدمة المجتمع الأمريكي.

    وعلى مدى سبعين عاماً، ظلت الجامعة الأمريكية تدافع علناً عن النظم الاجتماعية الغربية، وفي هذا السياق، يذكر "واطسن" في الحفل السنوي لتخريج دفعة سنة 1942م، حول إعادة بناء المجتمع العالمي في أعقاب الحرب العالمية الثانية: "إن النوع الوحيد من السلام الذي أتصوره يتمثل في السلام القائم على انتصار ديموقراطية الحلفاء"([10]).

    أما عن إرهاصات الدور المستتر للجامعة، فيتمثل في تعاونها تعاوناً كاملاً طوال الحرب العالمية الثانية، مع جهود الحلفاء المبذولة من أجل هزيمة هتلر. ومن أجل تحقيق هذا الهدف جندت حشداً من خبراء الشرق الأدنى، لاسيما الذين يجيدون اللغة العربية والتقى هؤلاء وغيرهم من أعضاء الإرساليات التبشيرية والأساتذة للتعاون مع واشنطن .

    ويعد "جون بادو" الذي تولى رئاسة الجامعة بعد انتهاء خدمة "واطسن"، وكذلك "وندل كليلاند" في مقدمة المتعاونين مع الحكومة الأمريكية خلال الحرب.

    ولقد انصرف تفكير القائمين على أمور الجامعة إبان هذه الفترة، إلى وضع برنامج دراسي للجنود الأمريكيين، المتواجدين في مصر والشرق الأوسط، وناقش مجلس الجامعة إمكانات استخدام جنود الحلفاء –بصفة خاصة الأمريكيين- الأجهزة والتسهيلات المتوافرة بالجامعة، كما خصصت قسماً من فنائها للصليب الأحمر الأمريكي، ووفرت أحد أبنيتها لأدوات التسلية والترفيه، وكذا مطعما للعاملين به.

    ونظمت كلية الدراسات الشرقية سلسلة من المحاضرات حول مصر، وقدمت دروساً في اللغة العربية للضباط والجنود الأمريكيين في منطقة الشرق الأوسط، وهيأت الجامعة مختبراتها العلمية لكي يجري "مركز إمدادات الحلفاء بالشرق الأوسط" تجاربه وبحوثه.

    وكان ينظم كافة هذه الأنشطة عقود مبرمة بين الجامعة والحكومة الأمريكية مما زاد من عمق التعاون القائم بين الطرفين، فلقد تكون "معهد الولايات المتحدة الأمريكية للقوات المسلحة" في فبراير سنة 1943م بهدف تقديم دراسات في مستوى التعليم الثانوي والجامعي عن طريق المراسلة للعاملين بكل فروع الجيش الأمريكي، وكان المعهد في حاجة إلى مكاتب محلية لتسجيل الدارسين، والحصول على المواد التعليمية منها، وتصحيح أوراق الامتحانات، ووقعت الجامعة الأمريكية في أغسطس 1943م عقداً بهذا الخصوص، استجابة لمطلب قيادة الجيش الأمريكي بالقاهرة، أقيم على أساسه فرع الشرق الأوسط لمعهد الولايات المتحدة للقوات المسلحة بالجامعة الأمريكية في القاهرة.

    وتولت فرقة عسكرية يقودها الضابط "أوتو كروشار" والضابط "هارولد هاند" مهمة الإشراف على البرنامج الذي أثبت نجاحاً هائلاً في تحقيق أهدافه، وحين أغلق فرع المعهد أبوابه في سبتمبر 1945م، كان قد استفاد أكثر من 1500 دارس من أنحاء متفرقة من الشرق الأوسط بخدماته، كما وفر المعهد تدريبات للعاملين المدنيين بالجيش من موظفي الإدارة والسكرتارية.

    ومن المهم بمكان الإشارة إلى أن "وندل كليلاند" كان يعمل "بمكتب معلومات الحرب" خلال فترة الحرب، وكان مقره آنذاك بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، مما يؤكد قيام مراكز للتجسس وجمع المعلومات بها –على الأقل- منذ ذلك التاريخ، ولقد تقابل "كليلاند مع "وليم أدى"، أول رئيس لقسم اللغة الإنجليزية بالجامعة الأمريكية، وكان وقتئذ قد أصبح مديراً لقسم العلاقات الثقافية بوزارة الخارجية، واتفقا على ضرورة تقديم المعونات والتسهيلات اللازمة للجامعة، بعد أن تضع الحرب أوزارها، كما استفادت الجامعة الأمريكية ببيروت وكلية روبرت باسطنبول من معونات الحكومة الأمريكية الضخمة، وذلك من خلال "رابطة كليات الشرق الأدنى".

    من الواضح إذن أن الجامعة الأمريكية تخدم مصالح أمريكية أوسع من المصالح المعلنة، والأمر الذي يؤكد أن ثمة صفحات مطوية وخافية تحتاج إلى كشفها وإماطة اللثام عنها أن "كريستوفر ثورن" وهو رئيس سابق للجامعة كان عميلاً في ذات الوقت للمخابرات المركزية الأمريكية (CIA) كما يتضح من كتاب "فيليب آجي" "يوميات المخابرات المركزية الأمريكية"، كما كان "مالكوم كير" مدير الجامعة الأمريكية السابق ببيروت، والذي عمل تحت لواء المخابرات الأمريكية خلال الستينيات، على علاقة حميمة مع الجامعة الأمريكية في القاهرة من خلال برامج مشتركة بين الجامعتين الأمريكيتين في بيروت والقاهرة"([11]). انتهى.
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: أخطار الجامعة الأمريكية في البلاد الإسلامية

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 05.12.09 10:30

    ثامناً:مقال بعنوان:"كيف تحارب الجامعة الأمريكية الإسلام في مصر؟! للدكتور ليلى بيومي،نشر في مجلة المختار الإسلامي، العدد:62،ص78-89:





    "كان من بين أدوات الاستعمار في تغلغله داخل البلاد الإسلامية زرع المؤسسات المسماة بالتعليمية على مستويات مختلفة تبدأ بتعليم الأطفال حتى التعليم الجامعي وما بعده من الدراسات، وتحدد الهدف الأكبر من زرع تلك المؤسسات في إحداث عملية تغريب وعلمنة وتنصير لعقول النشء المسلم وبالذات لعقول ونفوس أبناء النخب الحاكمة في البلدان الإسلامية والذين كانوا يعدون بتولي مسئولية حكم تلك البلاد بالتنسيق مع الاستعمار الغربي.

    والوجه الذي تقدم به هذه المؤسسات للشعوب الإسلامية هي أنها دور علم وعرفان ومؤسسات خير وتنمية وأدوات تقدم وحضارة.. ومما يجذب الشعوب الإسلامية إليها حسن إدارتها ونظامها والمستوى الاجتماعي الرفيع لطلابها وخريجيها والعاملين بها وما يشاع عن حسن التعليم وعمق المعرفة اللتان تقدمهما.. لكن الوجه الآخر لتلك المؤسسات التعليمية الأجنبية هو وجه محاربة الثقافة الإسلامية وهز العقيدة الدينية والطعن في الإسلام ورموزه وشريعته والتمكين للعادات والتقاليد والأفكار الخارجة عنه، وبث النفوذ الأجنبي في البلاد الإسلامية وضمان الدوام له عن طريق التحكم في صياغة عقول وقلوب ونفوس حكام المستقبل والنخب الثقافة والاجتماعية المؤثرة. ولقد أنشئت الجامعات الأمريكية لاحتواء التعليم في مصر وفي بلاد الخليج العربي إلى جانب بدايتها في لبنان ومنحت تراخيص إنشائها من ولاية نيويورك كمؤسسات خاصة.. ويبلغ عدد الطلاب في كل جامعة أكثر من خمسة آلاف طالب وطالبة، أما الأساتذة فمعظمهم أجانب وأمريكان إلى جانب أن لكل جامعة مجلس أمناء في نيويورك يتعهدها بالمتابعة والتخطيط وتلقي المعلومات وإرسال التعليمات، وقد أنشئت الجامعة الأمريكية في القاهرة عام 1919م.

    ودستور إنشاء هذه الجامعات هو :

    -نشر تعاليم المسيح .

    -تحبيذ دراسة السياسة مع عدم ممارسة أي نشاط ديني أو سياسي، والجامعة الأمريكية في البلدان العربية الإسلامية تتبع نمط التعليم الأمريكي وتخرج أجيالاً متعاقبة توجهها ناحية برامج وأبحاث بحيث تسهم إلى حد كبير في مشاريع لصالح أمريكا. وتوجد أيضاً مدارس اللغات التي بلغ عددها في القاهرة أكثر من 100 مدرسة معظمها تابع للمركز الباباوي في روما، فنجد مثلاً الألماني للراهبات ودي لاسال والفرير، ولاروز، والليسية فرنسية، والراعي الصالح. ومن واقع تلك المؤسسات في القاهرة والوطن الإسلامي نسلط فيما يلي الضوء على ما يجري داخل هذه المؤسسات خاصة الجامعة الأمريكية ومن خلال عدة محاور هي:

    - النشاط التبشيري للجامعة الأمريكية .

    - سلسلة الأبحاث والتقارير التي تشرف عليها المخابرات المركزية الأمريكية .

    - مقررات الجامعة الأمريكية وعدائها للإسلام .

    - الانحلال الأخلاقي والأنشطة التي تعيشها الجامعة، أساتذة وطلابًا.

    والجدير بالذكر أن منع التحدث في السياسة وعدم ممارسة أي نشاط ديني أو سياسي يقصد به الدين الإسلامي وإبعاد الشباب عن إطار الوضع السياسي لوطنهم وإبعادهم عن فهم الإسلام الصحيح.





    جماعة وليم كاري التبشيرية :

    خلال خطة محكمة وضعت خيوطها من قبل التنظيمات الصليبية العالمية لتنظيم وتشعيب النشاط التبشيري على مراكزهم في البلدان الإسلامية نجد جماعة وليم كاري التي تمارس نشاطاً مكثفاً في الجامعة الأمريكية، ففي أكتوبر 1986م وصلت إلى القاهرة لين راين هارت زعيمة هذه الجماعة في القاهرة وهم من المسيحيين البروتستانت ومعها زميلاتها الثلاث جينفر ولورا وليفيا وخلال رحلة استكشافية زرن خلالها قبل وصولهن إلى القاهرة تركيا حيث عملت لين زاين هارت هناك ممرضة لمدة سنتين ثم زرن المغرب العربي وأندونسيا معقل التبشير، ثم جئن إلى القاهرة حيث مركزهم بالجامعة الأمريكية. وجماعة وليم كاري هذه نشأت في الهند على يد زعيمها المتسمية باسمه واستقر نشاطها في ولاية (الينوي) بأمريكا التي تعتبر المركز الرئيسي الذي تتشعب منه إلى البلدان الإسلامية ومنها تركيا –المغرب- الأردن – أندونسيا حيث يتجمع الأعضاء في صيف كل عام في مقرهم بأمريكا لتنظيم النشاط واختيار مندوبين جدد.

    كانت لين راين هارت وزميلاتها في الجامعة الأمريكية تقمن بدراسة المجتمع المصري عاداته وتقاليده ومعتقداته ودراسة اللغة العامية المصرية في كورسات متخصصة لمدة عام ونصف كما كن يقمن بدراسة القرآن الكريم.. وإحضار نسخ من الإنجيل وتوزيعها على من يتعرفن عليهم.. كانت لين وزميلاتها يرتدين أزياءاً تتميز بالجدية والبساطة ويحاولن التعرف على أكبر قدر من شباب الجامعة خاصة ذوي الالتزام الديني وإيجاد حوار معهم حول العقيدة الإسلامية والإيمان باليوم الآخر وبالتالي طرح معتقداتهم بالثالوث والحديث عن حواريي عيسى وسبب تعدد الأناجيل ووجهة نظر كل إنجيل في رؤيته لعيسى والمسيحية.. وكان خطتهن التوجه إلى الأردن في نهاية عام 87 والعودة إلى القاهرة ثانية عام 88. وذلك بعد أن تعرفوا على المجتمع المصري ولغته العامية وعاداته وتقاليده وحجم النبض الإسلامي داخله.



    جماعة المورمن التبشيرية والمخابرات المركزية :

    جماعة المورمن الموجودة في الجامعة أيضاً بحجة الدراسة وهم مجموعة من السيدات والرجال يدعون صلتهم بالمسيحية، ولكن مذهبهم انفصل عن الكنائس البروتستنتية في أمريكا في القرن الثامن عشر وادعى أصحابه أن رئيسهم (نبيهم) ويدعى (جون سميث) قد هبط عليه ملاك من السماء يوحي إليه بأفكار جديدة في المسيحية ليستكمل الإنجيل على يديه ويتسم أتباع هذه الطائفة بالتمسك الخلقي الشديد والانغلاق على أنفسهم وإطلاق اللحى وارتداء ملابس أمريكية من عصر رعاة البقر أو ما قبله كرمز على الاتجاه المحافظ، ويوصفون في أمريكا بالتزمت الأخلاقي والتشدد ومركزهم في مدينة (سالت ليك ستي) بأمريكا. حيث توجد لهم هناك جامعة كبيرة ومشهورة يؤمها طلبة من مختلف المذاهب وقد اشتهر عن هذه الطائفة في الفترة الأخيرة أن لرؤسائها صلات قوية بالمخابرات الأمريكية المركزية وعمليات التبشير في منطقة الشرق الأوسط، ومن ضمن معتقداتهم التي كانوا يتحدثون فيها إلى شباب الجامعة الأمريكية أن الرجل عندهم من الممكن أن يتزوج بلا حدود لأن هذا من قبيل الحرية الشخصية.



    جماعة الكارتس والجذام :

    هذه الجماعة تاريخ نشاطها قديم في مصر ومتمركز في الجامعة الأمريكية ومدارس اللغات خاصة الألماني للراهبات، وتتسم هذه الجماعة ومعظمها من الرجال بنشاط اجتماعي مكثف وكانت حجة تكوينها ونشاطها في القاهرة هي معالجة مرضى الجذام وحتى الآن ما زالت تقوم برحلات وبزيارات متكررة لحي الزبالين الذي يتواجد فيه مجموعة كبيرة من المسيحيين كما تقوم بجمع تبرعات من الجامعة والمدارس لصالح الأيتام وتوزيع الهدايا والكتب على الأسر الفقيرة في المناطق الشعبية والملاجئ، كما تقوم بتوزيع الكتب وزيارة مكتبات القاهرة ومستعمرة الجزام في أبو زعبل.

    هذا النشاط التبشيري من ضمن أهدافه تحطيم دين الآخرين وزعزعة ارتباط المسلمين بعقيدتهم وجعلهم بلا هوية وذلك إن لم تستطع أن تكسبهم لصالح دينك.. وهذا الهدف تجاهد في سبيله تلك المؤسسات التغريبية المزروعة في مصر.. فبجولة سريعة داخل أفكار بعض شباب الجامعة الأمريكية تحس بذلك. فهم لا ينتمون على حد قولهم إلى الدين الإسلامي إلا بما هو مكتوب في شهادة الميلاد.. ولم لا وهم يسمعون عن الإسلام وتاريخه من خلال آراء المستشرقين وأساتذة الغرب والمصريين العلمانيين .. وقد أشار أحد الطلاب أثناء حديثي معه إلى أن بعض الأساتذة يقومون بتوجيههم ناحية قراءات معينة لفرج فوده وفؤاد زكريا، والدين عند كثير منهم شيء بعيد عن الذاكرة مرتبط في الأذهان بالخيمة والماعز والصحراء والناقة وبوصفه هذا بعيد عن ركب الحضارة الغربية المتقدمة.



    سلسلة الأبحاث والتقارير التي تشرف عليها المخابرات المركزية الأمريكية:

    علاقة الجامعة الأمريكية بالمخابرات المركزية الأمريكية هي علاقة إرسال تقارير عن الأوضاع في القاهرة واستقبال تعليمات موجهة طبقاً للخطة الموضوعة فيطلب من الدارسين والطلاب المصريين أثناء تدريس بعض المواد أبحاث ضمن المناهج التعليمية بجانب الجماعات التبشيرية وهذه الأبحاث تدور حول:

    - الأنشطة الطلابية في الجامعات المصرية وبيانات الاتحادات الطلابية وحجم التيار الإسلامي في الجامعات .

    - عدد ونشاط الجماعات الإسلامية مركزاً على جماعتي الإخوان المسلمين والجهاد وأعداد المسلمين الذين يقومون بصلاة الفجر في مناطق معينة.

    - بحث ظاهرة انتشار الحجاب على جميع المستويات وخاصة في الجامعة وأسباب انتشار هذه الظاهرة.

    - وهذه الأبحاث تطلب خاصة من طلاب قسم دراسات الشرق الأوسط ضمن مادة الحركات الإسلامية المعاصرة.

    ومن خلال التجربة الواقعية يذكر الدكتور أبو اليزيد العجمي أستاذ الفلسفة الإسلامية بدار العلوم جامعة القاهرة.. أثناء دورة دراسية لتعليم اللغة الإنجليزية وكان مع مجموعة من المعيدين وأعضاء هيئة التدريس بالجامعة وهم بذلك يمثلون صفوة المتعلمين.. في البداية كانت هناك تعليمات ولإيهامك بالموضوعية يقولون لك ممنوع التحدث في الدين أو السياسة والغريب أنهم أول ما يسألونك عن معلومات في الدين والسياسة كأنهم يجرون علينا دراسات! وتدور موضوعات الأسئلة الدراسية حول :

    - قارن بين مناهج التعليم المصري وما أدت إليه ومناهج التعليم في أمريكا.

    - تحدث عن خطورة الانفجار السكاني في مصر وما أدت إليه من إيجاد مشاكل في المواصلات وزيادة تلوث البيئة.

    وهم بذلك يحصلون على معلومات من ناحية واعتراف من أشخاص لهم ثقل فكري ومكانة علمية بوجود هذه المشكلات في مصر ويضمن بذلك مدخل إلى عرض رفاهية أمريكا وإقرار باختلاف وتفوق الغرب ومؤسساته، فتنفصل معنوياً صلتك بوطنك وأمتك.. إلى جانب أن هناك موقفاً حدث بالجامعة حيث أننا في البداية أقمنا الصلاة في الحديقة وبعد أن رأت إدارة الجامعة ذلك منعونا من الصلاة بشغل المكان الذي كنا نصلي فيه.



    تنظيم الجهاد وكيفية مواجهته :

    الأكثر خطورة أن هناك سلسلة من الكتب والأبحاث تصدر عن الجامعة الأمريكية في سلسلة بحوث القاهرة للعلوم الاجتماعية منها كتاب عن تأميم التعليم الديني في مصر والأزهر، وكتاب آخر صدر في صيف عام 1986م بالإنجليزية يحمل اسم "تنظيم الجهاد بديل إسلامي" تأليف نعمت جنينة ويعلق الدكتور محمد يحيى عليه قائلاً: الكتاب يظهر العرفان بالجميل للدكتور سعد الدين إبراهيم والدكتور علي الدين هلال للمساعدة التي قدماها في تأليف الكتاب وغنى عن البيان أن كلا من الرجلين كان له إسهام فكري كبير وباع عريض في المواجهة الرسمية ضد الفكر والحركة الإسلامية في السنوات الأخيرة ويبدو أنهما يواصلان هذه المهمة امتداداً لجهودهما في الجامعة الأمريكية.



    اتباع سياسة العهد الناصري لمن يهمه الأمر:

    وليس من المستغرب بعد أن تقرأ هذا الكتاب الصادر عن الجامعة الأمريكية والذي يتضمن سرداً لما كتب حول تنظيم الجهاد وأعضائه وأفكاره ثم نجد الكاتبة تقترح حلولاً يبدو أنها موجهة لمن يهمه الأمر (ومن يهمه الأمر معروف جداً!) للقضاء على البديل الإسلامي للحكم في مصر ولن يكون هناك كبير عجب إذا ما وجدنا الكاتبة تصرح في صفحة 78 من الكتاب بأن الحل في مواجهة الإسلام يكمن في اتباع سياسة فترة الستينات (العهد الناصري) الاقتصادية والاجتماعية وفي نفس الوقت توصي المؤلفة في صفحة 79 باتباع سياسة ديمقراطية لا عن إيمان بها بل لمجرد أن تكون وسيلة للتنفيس عن الضغط المكبوت وتهدئة الأمور وصمام أمن إلى أن تتم عملية تغيير الأوضاع الاجتماعية التي أدت إلى ظهور البديل الإسلامي، وهي في رأي الكاتبة لا تتجاوز ما دأبنا على سماعه من الدكاترة أساتذتها حول الفقر والبطالة وتهميش الطبقة المتوسطة الدنيا كمسببات لنمو الحركة الإسلامية ولا تنسى الكاتبة كتلميذة مخلصة لعلي الدين هلال وسعد الدين إبراهيم أن تحدثنا في صفحة 79 عن ضرورة القيام بمشروع قومي لاحتواء الضغوط الاجتماعية المتفاقمة في مصر وتوجيهها صوب أمور سليمة ومنتجة في ظل الوضع الراهن.



    كيف نشأت فكرة القومية العربية ؟

    واقتراح الكاتبة يفجر قنبلة خطيرة إذ يتضح للجميع أن فكرة المشروع القومي التي أخذ البعض يطرحها في الفترة الماضية ومنهم المعارضة ليست سوى اقتراح أمريكي لتهدئة الأمور واحتواء الحركة الإسلامية، وهاهي الجامعة بجلالة قدرها! توصي بالعودة إلى الناصرية وتقدم الاقتراحات باللغة الإنجليزية إلى من يهمه الأمر لضرب ما يسميه الأمريكان بالبديل الإسلامي في مصر.. ثم تفاجأ بعد ذلك بنفس هذه الاقتراحات وقد ترجمت إلى العربية ونشرت في صحف حكومية ومعارضة على أنها تمثل قمة الفكر الوطني المخلص دون الإشارة طبعاً إلى هدفها الخفي ومصدر الإيحاء بها، ألا وهو الجامعة الأمريكية التي تسجل بذلك تدخلاً في إدارة دفة السياسة والفكر في مصر.



    مناهج التعليم في الجامعة الأمريكية والنظرة الاستشراقية :

    أنشئت الجامعة الأمريكية ولم تهتم بتدريس العلوم البحتة كالطب والزراعة والهندسة ولكنها اهتمت ببث الأفكار الغربية عن طريق الدراسات الأدبية لدوام سيطرتها على العقول والأفكار كتدريس الصحافة والإعلام والاقتصاد والتاريخ والإدارة وعلم المصريات وعلم النفس والاجتماع ودراسات في الشرق الأوسط، كل هذه المواد لا يوجد لها مقرر محدد لكنها مجموعة محاور يدور حولها أساتذة الجامعة للرؤية التغريبية والمنظور العلماني ومراجع وأبحاث المستشرقين ذوي الاتجاهات المعادية للإسلام، والمستشرقين اليهود .


    كيف يدرس التاريخ الإسلامي ؟



    معظم القائمين على تدريس التاريخ الإسلامي هم أساتذة مسيحيين أجانب ويقومون أيضاً بتدريس تاريخ الشرق الأوسط والحركات الإسلامية المعاصرة، وكانت تشترك في تدريس التاريخ الإسلامي منذ عشر سنوات دكتورة راجية وكانت إلى حد ما معقولة نسبياً في تناولها للتاريخ والوقائع الإسلامية ولكن تم الاستغناء عنها من قبل إدارة الجامعة وتم تصعيد إحدى المدرسات وتدعى هدى لطفي لتسيطر على القسم (دراسات الشرق الأوسط).



    هدى لطفي مدرسة التاريخ الإسلامي تشكك في القرآن وترفض الحديث:

    تقوم هدى لطفي بتدريس التاريخ الإسلامي في الجامعة الأمريكية من منظورها المعادي للإسلام فعناوين محاضراتها :

    -مناقشة ما إذا كان القرآن الكريم موضوعي أم لا! ومن خلال ذلك تشكك في القرآن الكريم وإمكانية استخدامه كمرجع تاريخي كما أنها لا تعترف بالأحاديث النبوية في دلائلها على المغزى التاريخي والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي يعرض برؤية استشراقية خالصة بأن الرسول عليه الصلاة والسلام ما هو إلا مجدد ومصلح اجتماعي له فكر خاص وحد العرب وأحدث تحولاً اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً في حياة البدو وفي منطقة صحراوية كالجزيرة العربية وكان شعار الإسلام هو الحرب، وبذلك انتشر عن طريق الحرب وقطع الطرق وحرب العصابات واستمالة الشخصيات لتدخل في الإسلام عن طريق إمدادها بالمال.. وأن أسباب هجرة الرسول من مكة إلى المدينة سببه ليس عقائدياً وإنما له أسباب وأبعاد دنيوية توسعية تخفى عن السطحيين.. وأن العصر الذهبي للتاريخ الإسلامي حدثت خلاله فتن كبرى وصراعات بين الصحابة على تولى السلطة وأن علياً لم يبايع أبا بكر الصديق لأنه لم يوافق على ميراث فاطمة بنت الرسول عليه الصلاة والسلام وزوجة علي بن أبي طالب وأن أسباب تخلفنا وتواجدنا في ركب العالم الثالث يرجع أساساً إلى التوكل وهذا من الدين.

    وفي قسم تطور البشرية يتم تدريس الفتوحات الإسلامية على أنها هجمات تتارية ويقارن بينها وبين المغول والتتار والفرس والروم ويقود ذلك الأمريكي نيكولاس هوبكنـز أستاذ تطور البشرية ورئيس هيئة التحرير بالجامعة الأمريكية، وأثناء أي نقاش يطرح حول الإسلام يستنكر فيه الحجاب والطلاق وتعدد الزوجات وتطرح أسئلة فجائية على بعض الطلبة والطالبات حول أسباب تعدد الزوجات وسبب كثرة زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام، كما تثار الخلافات المذهبية، أما أسئلة الامتحانات التي تتعلق بالتاريخ الإسلامي فمعظمها تكون مثلاً على النحو التالي:

    - انقد النظرة السنية لتاريخ الصحابة .

    - أسباب حدوث الفتنة الكبرى وصراعات المسلمين .

    - عدد الخلافات المذهبية في الإسلام .

    - الأسباب الاقتصادية لتفشي ظاهرة الحجاب .

    والإجابة الصحيحة على هذه الأسئلة يجب طبعاً أن تتسم بموضوعيتهم المزعومة !





    ([1]) Ibid, p, 228



    ([2]) Ibid, p, 258



    ([3]) لطيفة الزيات: "شبكة أبحاث الشرق الأوسط الولايات المتحدة أداة السيطرة على شعوب المنطقة" المواجهة، الكتاب الثاني، فبراير 1984، ص100.



    ([4]) أمينة رشيد، مصدر مذكور، ص 34.



    ([5]) المصدر السابق ص 34.



    ([6]) Murphy, R. Lawrence, Op. Cit, p, 2245



    ([7]) Ibid, p, 245



    ([8]) Ibid, p, 267



    ([9]) إيف أور، مصدر مذكور، ص 34-136.



    ([10]) Murphy, R. Lawrence, Op. Cit, p, 97



    ([11]) Ibid, pp, 89-100
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: أخطار الجامعة الأمريكية في البلاد الإسلامية

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 05.12.09 10:31

    النشاط الطلابي والانحلال الأخلاقي في الجامعة :

    تطفو على سطح الذاكرة وعندما نستعرض الجوانب الأخلاقية والممارسات الغربية داخل الجامعة حادثة (كالندر) ففي شتاء عام 86 تم ترحيل كالندر أستاذ علم المصريات والتاريخ الفرعوني بالجامعة عندما أصيب بمرض الإيدز نتيجة لشذوذه هو وصديقه إلى خارج البلاد.

    وعندما تدخل قاعة الاتحاد أو أي ركن في الجامعة تفاجأ بكرنفال أزياء والطلبة والطالبات مستلقين على أريكة لسماع الموسيقى الصاخبة والتدخين بلا وعي وكأن الجامعة ملهى.. وعلى جانب آخر وفي الدور الثاني بالجامعة تجد وكراً موبوءاً لبيع وتناول المخدرات.. وفي حواري مع بعض الطلبة والطالبات ومنهم أعضاء في الاتحادات الطلابية أجد ملامح أفكارهم منحصرة في أن الحياة هي الحرية المطلقة بشرط عدم تجاوز حدود الآخرين وأن الدين لله والوطن للجميع.

    وأذكر هنا أنه في إطار نشاط الجامعة وبجانب الحفلات التنكرية والكريسماس والرقص تنظم الجامعة رحلات استكشافية إلى محافظات مصر.



    رحلة إلى إسرائيل كبديل للسعودية :

    ويقوم قسم تطور البشرية برحلات كدراسات ميدانية بقيادة هوبكنـز الأمريكي أستاذ تطور البشرية إلى محافظات مصر لتدعيم وزيارة مراكز تنظيم الأسرة المخطط لها من قبل الإدارة الأمريكية (لانتشال العالم الثالث من خطر الانفجار السكاني!)، حيث توجد استراحات مخصصة لهم ومندوبين أمريكان في بعض قرى محافظات مصر وتمولها أمريكا وتشرف عليها وتقوم بدراستها الجامعة الأمريكية (محافظتي المنوفية والشرقية).

    ويذكر لي بعض الطلاب أنه قد عرض عليهم القيام برحلة إلى إسرائيل وذلك من قبل الإدارة المسيحية في الجامعة لزيارة إسرائيل والمسجد الأقصى وذلك على غرار رحلة العمرة التي تقوم بها الجامعات المصرية.

    وتقدم الجامعة منح دائمة للطلبة الأمريكان للدراسة في الجامعة كل عام في ما بين 100 إلى 200 طالب يقومون بالدراسة وعمل أبحاث داخل الجامعة.



    ندوات العلمانية :

    والندوات التثقيفية التي تديرها الجامعة لكبار العلمانيين في مصر تدور مثلاً حول تفشي ظاهرة الحجاب كأنها مرض سببه الفقر، وغيرة الرجل الشرقي، ومناقشة ظاهرة الأمية وتلوث البيئة في مصر، أما المتحدثات عن حقوق المرأة فهن أمينة السعيد أو نوال السعداوي وما شابه ذلك من شخصيات مرموقة.. من المثقفين اليساريين، إلى جانب سلسلة الندوات التي كانت عن الصراع العربي الإسرائيلي حيث قام رئيس الجامعة باستدعاء سامي زبيدة اليهودي المتعصب لإلقاء عدة ندوات ومحاضرات في الجامعة الأمريكية حول الصراع العربي الصهيوني.



    عندما تدق الأجراس :

    وننتقل في جولة سريعة إلى مدارس اللغات.. غالباً ما توجد داخل كل مدرسة كنيسة، خاصة مدارس الراهبات، وتأخذ المدرسة (الراهبة) الأطفال إلى الكنيسة لتعودهم على سماع الأجراس ومشاهدة الطقوس المسيحية وتوزيع بعض الكتيبات كي يألفوا هذا الجو، فكثيراً ما نرى أطفال المسلمين الصغار يحركون أيديهم بالتثليث وأداء حركات الطقوس الصليبية .

    أما المساجد في مدارس اللغات فيحكي التلاميذ أنها دائماً مغلقة بحجة الحفاظ على دورات المياه ومنع سرقة المصاحف.



    الحجاب ممنوع :

    آخر التطورات داخل هذه المدارس أنه خلال العام 87/88 صدرت تعليمات خاصة للألماني للراهبات في الإسكندرية والقاهرة بمنع قبول أوراق الطالبات المحجبات والمدرسات اللاتي يردن التدريس في هذه المدارس إلى جانب أنه ممنوع على أي طالبة ارتداء الأزياء الطويلة (الماكسي).. ما عدا غطاء بسيط من الممكن وضعه على الرأس.. وحتى من ترتدي حجاباً بسيطاً يتم استدعاء ولي أمرها لخروجها على تقاليد المدرسة والاطمئنان والاستفسار عن سبب هذا التغيير وعلى أنه مجرد تقليد ليس له أهداف سياسية أو دينية! إلى جانب ترهيب أولياء الأمور والطالبات من هذه الأزياء المحتشمة .



    بذور تغريبية :

    مناهج مدارس اللغات وخاصة في المراحل الابتدائية والإعدادية هي مقررات أجنبية صرفة فيتم تدريس تاريخ وجغرافية ألمانيا أو فرنسا تبعاً للغة مدمجاً في ذلك كل ما يحيط بالغرب من عادات وتقاليد وأفكار.



    نشاط غير أخلاقي :

    يتسم النشاط في هذه المدارس بالانحلال الأخلاقي فتقام حفلات مستمرة على أنغام الديسكو وعرض تمثيليات قصصية مترجمة منها ما هو عن المسيح وغيره من الأفكار الغربية المنحلة وذلك في مناسبات الكريسماس وغيرها من الاحتفالات .

    رحلات الجافتون والشيخ علي:

    تنظم مدارس اللغات رحلات إلى مناطق معينة مثل منطقة الجافتون في البحر الأحمر وهي شبه مستعمرة ألمانية يقوم على إدارتها ألمان وهناك يرتدي الرجال ملابس النساء ومنهم العرايا ويشارك التلاميذ هذه الرحلات ورؤية هذه المناظر السيئة.. إلى جانب رحلات الأقصر وأسوان حيث توجد منطقة سياحية تسمى الشيخ علي تمارس فيها شتى فنون الرقص والاختلاط الفاحش وتناول الخمور، كما يوجد بعض المدرسين خصيصاً في هذه المدارس لتعليم البنات فن الرقص مثل الألماني سميث في المدرسة الألماني للراهبات.



    قضية آداب :

    نرصد هنا حدثا وقع في مدرسة الراعي الصالح بشبرا حيث صدر حكماً قضائياً يدين وكيل المدرسة في قضية مخالفة للآداب ومعه إحدى مدرسات المدرسة.

    ومن واقع التجربة يؤكد لنا الدكتور بدر الدين غازي أستاذ الكيمياء بجامعة القاهرة إنه أخرج أطفاله من مدارس لاروز بسبب رؤيته للمناظر الخارجة عن الآداب والاختلاط بين الرجال والسيدات ويعرض على الأطفال في سن خطرة وبلا أدنى تحفظ حتى يصبح الغريب عن بلادنا مألوفاً أمامهم، كما أن الأطفال قد يقومون أحياناً بتأدية حركات التثليث وجزئيات من الطقوس التي تؤدى أمامهم في هذه المدارس.. ويستطرد الدكتور بدر قائلاً: نحن بالقطع ضد استيراد الرذائل التي أفرزتها الحضارة الغربية المعاصرة ونقصد بهذه الإفرازات التحلل الخلقي والإباحية والإقبال على الخمور والمخدرات والمنكرات وما يترتب على ذلك من أمراض نفسية كمركبات النقص وانفصام الشخصية وأمراض جسدية كالإيدز وعقائد فاسدة كالوجودية والماركسية.. ومهما سميت هذه الإفرازات الرديئة بمسميات براقة فهي إفرازات رديئة لا نقبلها، ومع الأسف فإن كثيراً من هذه الإفرازات الرديئة قد وجدت تربة خصبة في بعض المدارس الأجنبية والمؤسسات التعليمية وما زلنا نذكر أستاذ الجامعة الأمريكية الذي قتله مرض الإيدز وزميله الذي تم ترحيله من البلاد.. فما هي إذن تلك الأخلاقيات التي كان يتعلمها أبناؤنا وبناتنا من هؤلاء المرضى؟! خاصة وأن طلاب الجامعة الأمريكية من أبناء الصفوة !



    المؤسسات التعليمية الأجنبية التابعة لروما :

    والدكتور أبو اليزيد العجمي يذكر لنا في رؤيته للتعليم الأجنبي في مصر أن جذور هذا التعليم ترجع إلى تاريخ قديم وأنه كان من أساليب الاستشراق لغزو الشرق الإسلامي أن يدخل الغرب والاستعمار مجال التعليم ويدخله بمجموعة أشياء وهي:

    إيجاد تعليم ديني متمثل في الأزهر.. ومدني متمثل في وزارة المعارف، ثم يحاول الفصل بينهما ويعلي من شأن مدرسي وخريجي المدارس المدنية ويقلل من شأن خريجي ومدرسي المدارس الدينية.

    ثم عمل على إيجاد شيء ثالث في مجال التعليم هو الجامعة الأمريكية والمدارس الأجنبية، وفي بدايتها كانت مدارس للإرساليات كما في لبنان وبعض منها ما زال حتى الآن تابع للكرسي الباباوي بروما، مثل مدارس الفرير ودي لاسال ولاروز وغيرها.. وهذه المدارس الأجنبية والجامعة الأمريكية وضعت كطرف من أطراف المحاولة للغزو الفكري في البلاد الإسلامية والعربية وفي حدود الهدف الذي أنشئت من أجله في نشر لغات وفكر الغرب وإقصاء الناس عن اللغة العربية وكانت وما زالت تحقق الهدف دون رقابة تذكر من القائمين على أمر التعليم خاصة في منتصف القرن العشرين، ثم أشرفت الوزارة على بعض منها فقللت فقط من جرعة الغزو المعلن ولكنها بقيت تمارس بعض نشاطاتها في صورة إضافية وأنشطة ورحلات .

    والذي يدفع الناس إلى هذه المؤسسات أنهم مبهورون ببريقها ومعلقون أملهم في الحصول على مراكز مرموقة وهم في ذلك لا يهمهم الجانب الديني، والبعض الآخر يريد أن يرقى إلى مستوى اجتماعي مرتفع مجاراة للشهرة، ومنهم الحرفيين والمهنيين ولديهم من المال والمستوى المادي ما يساعدهم على ذلك.. والفئة الثالثة قد يكون لديها نسبة من التدين ولكن هروباً من سوءات وزارة التعليم لا يجدون طريقة سوى اللجوء إلى هذه المؤسسات.

    ومجدي أحمد حسين عضو مجلس الشعب عن التحالف وأحد المهتمين بخطورة هذا التواجد التغريبي يقول:

    ظاهرة التعليم الأجنبي في مصر تؤدي إلى شرخ في البناء الثقافي لأبناء الأمة وهي من أهم معالم الغزو الأجنبي الذي انتهى إلى أشكال جديدة من السيطرة، وأبرز ظاهرتين هما التعليم الأجنبي وتغيير العمل بالقوانين الإسلامية وإحلال القوانين الغربية وهما من أهم مظاهر التبعية بعد الاستقلال السياسي.

    والتعليم في مصر يؤدي إلى ازدواج في الشخصية على غير النظام العالمي بإيجاد ثلاث فروع منفصلة للتعليم: الأجنبي والديني والحكومي ليصبح التعليم الديني ضائعًا بين الاثنين، وقد غلب عليه نزعة التغريب ونزعة فصل الدين عن العلم والدراسة، وتحويل الدين لمجرد مادة منفصلة، وهذا الانقسام الثلاثي أخطر ما يمكن أن يواجه الأمة ويؤدي إلى تخريج ثلاثة أنواع من المواطنين بينهم انفصال شديد، بينما تحرص الأمم المستقلة على توحيد المناهج التعليمية.

    والتعليم الأجنبي يعتبر حصان طرواده الذي يمثل أكثر اختراق لعقل الأمة لأنه يخلق كوادر موالية للحضارة الغربية، والخطر أن يتم تعليمهم جيداً ليكونوا مؤهلين أكثر إلى الصعود لمواقع المسئولية ومعظمهم أبناء المسئولين وكبار القوم يتخرجون وولاؤهم للحضارة الغربية، منفصلين ومشدودين إلى الوطن أمريكا.. فرنسا.. ألمانيا.

    أما الدول المستقرة فتمنع التعليم الأجنبي لأنه بدعة كاليابان مثلاً، أما اللغة ونقل العلوم فيمكن تعليمها والتعرف عليها عن طريق الترجمة وليس بإنشاء مؤسسات متكاملة رهيبة في أهدافها التغريبية وغزوها لعقول أبناء الأمة". انتهى.














    تاسعاً:عرض موجز لكتاب "اختراق العقل المصري" للدكتور رفعت سيد أحمد، نشر في مجلة العلوم الاجتماعية، الكويت، المجلد 16، العدد1، 1988م:



    "هذا الكتاب الذي نعرضه ليس من نوعية الكتب العادية أو المهمة، ولكنه يعد أخطر كتاب صدر في القاهرة في موضوعه، وهو بكل بساطة ووضوح يكشف عن دور الجامعة الأمريكية في مصر والدور الخطير الذي تلعبه والغزو التي تمارسه لتدمير الثقافة المصرية، والعربية، وإخضاع العقل المصري –وبالتالي العربي- لعملية (برجمة) أمريكية تنذر بالخطر الداهم، فالكتاب يتناول أبعاد الغزوة الصهيونية العلمية الممثلة في الأبحاث التي أجراها المركز الأكاديمي الصهيوني في مصر خلال الفترة من عام 82م-1985م.

    إن ظاهرة (البحوث المشتركة) التي تجريها الجامعة الأمريكية بالقاهرة هي أسلوب تغلغل غربي خطير، وهذه الجامعة تدنس مصر والعالم العربي بشبكة منسقة الأدوار والأدوات والمفاهيم، شبكة عندما نصفها بأنها شبكة تجسس نكون غاية في التقصير، وأفضل تعبير لها أنها وسيلة اختراق واحتلال عقلي وثقافي، وإذا لم نسارع جميعاً إلى محاصرة هذا الاختراق –تمهيداً لإلغائه واقتلاعه بعد ذلك- فإننا جميعاً سنسقط في هذه الهاوية الخطيرة، وبعدها سنتحول إلى دمى أطفال مبرمجة ومعدة سلفاً لأداء أدوار تخدم الاستعمار الأمريكي الصهيوني المشترك.

    يتحدث الفصل الأول عن (موقع مصر في الاستراتيجية الأمريكية) فيقرر الكتاب أنه قبل رحيل السادات، كانت مصر العربية المسلمة قد دخلت معه دائرة (التبعية القلقة) للغرب الرأسمالي بقيادة الولايات الأمريكية تحت سياسات ما سمي بالانفتاح الاقتصادي، وعلى قاعدة هذه التبعية صيغت العديد من التحولات السياسية والاقتصادية والحضارية. وعن أهداف الاستراتيجية الأمريكية تجاه مصر، فإنها تتحدد كما يلي:

    1- أصبحت المنطقة التي تحتوي إسرائيل بداخلها امتداداً استراتيجياً لأمن الولايات المتحدة الأمريكية القومي، وتحول مفهوم الأمن القومي الأمريكي لا ليوفر حماية أمن إسرائيل بل لضمان سيطرة إسرائيل وتفوقها العسكري على العرب جميعاً، وإمكانية تأديب من يحاول أن يخرج برأسه عن حدود الهدف العام، وقد تحقق هذا الهدف تماماً في ظل نظام حكم السادات وما فعله ببلاده والوطن العربي والإسلامي من التبعية المطلقة للولايات المتحدة الأمريكية، ولتنفيذ الهدف الأول تم تحديد قدرة وإمكانيات مصر وتقليم أظافرها، وتحييد سيناء عسكريا ودخول مصر تحت مظلة كامب ديفيد سياسياً.

    2- أما الهدف الاستراتيجي الثاني فهو رغبة الولايات المتحدة الأمريكية لجعل مصر ركناً فعالاً فيما يسمى بالإجماع الاستراتيجي لدول المنطقة تجاه الخطر السوفيتي على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، والولايات المتحدة ترمي في هذا الهدف إلى جعل مصر قنطرة استراتيجية تربط وتوفق بين إسرائيل والعرب لدعم استراتيجية مواجهة الاتحاد السوفيتي.

    3- والهدف الثالث يهدف إلى تفريغ مصر من القيادات التاريخية ومفاهيم الإدارة المستقلة من أجل خلق كيان هش، ضعيف، وتحويل مصر إلى دولة تابعة لأمريكا عن طريق إحلال زعامات هشة في مصر لخدمة المصالح الأمريكية كلها.

    4- أما الهدف الرابع فهو خلق التبعية وفرض الهيمنة المعنوية والحضارية على المجتمع المصري، وهذا الهدف هو أهم تلك الأهداف لأن مصر قد تتمرد على الأهداف السابقة ولكن إذا تحقق الهدف الرابع فلن يمكن لمصر –لا قدر الله- أن تفلت من القبضة الأمريكية التي ترمي إلى شل عناصر (الفعل) و(الثورة) وإسكات ينابيع التمرد المتدفقة في المجتمع المصري ضد الاستعمار الأمريكي الجديد.

    ويمضي الكتاب مستعرضاً وسائل الاستراتيجية الأمريكية في مصر، هذه الوسائل التي تحددت إلى وسائل اقتصادية عن طريق المعونة الأمريكية والقروض الطويلة والقصيرة والمنح الاقتصادية التي لا ترد، وكلها وسائل لربط عجلة الاقتصاد المصري بعجلة الاقتصاد الغربي، وكذلك السيطرة على صناعة القرار الاقتصادي المصري.

    وعن الوسائل السياسية: فالمعروف أن الإدارة السياسية الأمريكية تهدف إلى زعزعة مفهوم الولاء للوطن (لمصر)، وضرب الوحدة الوطنية، وتدعيم الولاء الطائفي، وربط الوسائل السياسية بالوسائل الاقتصادية عن طريق الضغط السياسي الأمريكي الشديد.

    أما الوسائل السياسية العسكرية فالكتاب يوضح أن أردأ أنواع الأسلحة يعطى لمصر، في حين أن أحسن الأسلحة تذهب إلى الكيان الصهيوني، بالإضافة إلى الضغط الخطير من أجل التسهيلات العسكرية (وهي عبارة مخففة تعني القواعد العسكرية) ويستعرض المؤلف الوسائل الأخرى المرتبطة بالوسائل السابقة التي تكمن في السيطرة على الإعلام وتوجيهه توجيهاً يخدم استراتيجية الولايات المتحدة، والتبادل الثقافي الرسمي وشبه الرسمي والمشروعات العلمية والثقافية المشتركة، ويوضح الكتاب –بعد ذلك- كيف أن الجامعة الأمريكية بالقاهرة هي الخندق الأول للاختراق الثقافي والعلمي لمصر، وأن البحوث العلمية المشتركة هي الخندق الثاني لهذا الاختراق.

    يحدثنا المؤلف أن أول اهتمام أمريكي بالمنطقة كان عام 1815م حين عين المجلس الأمريكي الخاص بالبعثات التبشيرية الأجنبية ممثلين له في القدس وعهد إليهم بمهمة تكوين بعثة تبشيرية في القدس، ولما واجهت البعثات التبشيرية المقاومة خاصة من القانون العثماني السائد وقتها الذي كان يحظر أي نشاط تبشيري للمسيحيين حولت الولايات المتحدة اهتمامها ناحية التعليم، وكانت البداية مدارس الأحد فافتتح المبشرون أول مدرسة رسمية لهم في بيروت عام 1842م وتدريجياً ارتقت مدارس التبشير إلى كليات ثم المستوى الجامعي، ويقدم المؤلف إحصائية عن التغلغل الثقافي الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط مع بداية القرن العشرين؛ ففي تركيا كان هناك 36 مدرسة أمريكية ثانوية، و398 مدرسة أولية، و4 مدارس لاهوتية، وفي إيران 108 مدرسة وفي سوريا 95 مدرسة وفي مصر 200 مدرسة، ويمضي الكتاب إلى الحديث عن التعاون الثقافي الذي نشأ بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني –في مايو 1948م- وكيف أن هذا التعاون بدا وكأن مخططاً له من سنوات بعيدة.

    وعن الجامعة الأمريكية فهي أنشئت بالقاهرة عام 1919م ومارست منذ إنشائها التبشير الديني. ثم جاءت فترة السبعينات (السادات) فلعبت الجامعة الأمريكية دوراً سياسياً وثقافياً وحضارياً خطيراً لخدمة أهدافها الاستراتيجية بالمنطقة، ويعترف المؤلف ببعض القصور في بحثه عن الجامعة الأمريكية ويرجع هذا إلى أن الجامعة الأمريكية تفرض ستاراً حديدياً حول نفسها وأبحاثها ووظائفها الثقافية والسياسية.

    ويمضي الفصل الأول في تقديم محاور الأدوار التي تلعبها الجامعة الأمريكية في مصر، فالمحور الأولي يدور حول أن كافة المناهج الدراسية تبتعد تماماً عن القضايا والحقائق المصرية والعربية، وهذه المناهج تم تدريسها وفقاً للنمط الأمريكي في التعليم، بالإضافة إلى النفقات الباهظة للتعليم في الجامعة الأمريكية، وكذا الخطورة الكبرى الممثلة في أن خريجي الجامعة دائماً يحتلون مناصب اقتصادية وسياسية وإعلامية هامة في مصر.

    أما المحور الثاني فيكمن في حقيقة البحوث التي تقوم بها الجامعة الأمريكية عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المصرية، فعلى سبيل المثال في 22/12/1982م قام أحد أساتذة الجامعة الأمريكية (وهو مصري) باستقدام (سامي زبيدة) وهو يهودي متعصب للصهيونية يدرس في إحدى جامعات بريطانيا جاء ليلقي محاضرات عن الصراع العربي والصهيوني وإيران. كما أن الأبحاث التي قام بها الدكتور (ليونارد بايندر) أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو والمستشار السياسي السابق لجولدا مائير قام بإعداد بحث عن الجماعات الإسلامية في مصر، وأبحاث أخرى عن الاقتصاد المصري وهرب بأبحاثه إلى أمريكا.

    أما المحور الثالث فهو صلة الجامعة الأمريكية بالعديد من القوى الوطنية المصرية ورجال القوات المسلحة المصرية، ويوضح الكتاب كيف أن الجامعة الأمريكية تنتقي بعض رجال القوات المسلحة المصرية عن طريق منحهم الدراسات المجانية في اللغات والدرجات العلمية وتتيح لهم إجراء البحوث العلمية الخطيرة التي تتناول فيما تتناول أسرارا عسكرية وبشرية واقتصادية هامة.

    أما الفصل الثاني من الكتاب فيتحدث عن الاتجاهات السياسية لأبناء الصفوة في مصر، وهو دارسة ميدانية على طلاب الجامعة الأمريكية، وهذا الفصل يعترف المؤلف أنه ترجمه نقلاً عن مجلة (ميدل ايست جورنال) وهي دراسة توضح التطبيق الحي للنتائج العلمية الخطيرة التي تجري في مصر وهي أصلاً ضد مصر والعالم العربي والإسلامي.

    ويقدم الكتاب إحصائيات خطيرة من عينة البحث توضح أن المصريين الذي يتلقون تعليمهم في الجامعة الأمريكية بالقاهرة بعيدون تماماً عن وطنهم ولا يملكون مطلقاً أي مؤشرات مستقبلية أو أي حلول لمصر أو العالم العربي.

    أما الفصل الثالث من الكتاب فهو يتناول بالتحليل البحوث المشتركة في مصر، ويتحدث المؤلف بإسهاب عن الفرق بين الاحتكاك الثقافي والاختراق العلمي، ثم يورد المؤلف نماذج لظاهرة البحوث المشتركة في مصر والتي تتناول أخطر قضايا المجتمع المصري وتوظيف هذه البحوث لا للنهضة بمصر ولكن لربطها بقيود حديدية بالولايات المتحدة الأمريكية وكذا تقديم كل ما تريد إسرائيل معرفته عن مصر تحت ستار البحوث العلمية المشتركة.

    يقدم المؤلف قائمة هامة قبل استعراضه للبحوث المشتركة بأسماء الهيئات والوكالات والمؤسسات التي أنشأتها الولايات المتحدة الأمريكية للقيام بالتجسس والاختراق العلمي والاقتصادي والثقافي وارتباط العديد من هذه الأجهزة بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية.

    ويقدم المؤلف كذلك نماذج للبحوث المشتركة مع الإسرائيليين فيورد مجموعة من الحقائق الخطيرة عن المركز الأكاديمي الإسرائيلي الذي أنشئ عام 1982م تنفيذاً لاتفاقيات كامب ديفيد، وقد مارس هذا المركز مسحاً منظماً للمجتمع المصري سياسياً واجتماعياً وسبق هذا مؤتمر ووترجيت الإسرائيلي الذي ضم علماء الطب النفسي الصهاينة والمصريين في 25 يناير 1980م، ومؤتمر لوزان الذي عقد بعد شهور من يناير 1980م استمراراً للتعاون العلمي بين الصهاينة والمصريين، ومؤتمر الإسكندرية الذي عقد وكان القصد منه البحث التاريخي للصراع العربي الصهيوني وكان يرأس الوفد الصهيوني شلومو جازيت الرئيس السابق لجهاز الموساد (جهاز المخابرات الإسرائيلي) أما عن القائمة الهامة للبحوث المشتركة، فالمؤلف يوردها موثقة وواضحة.

    ويورد كذلك أسماء المؤسسات المصرية التي تتعامل مع الجهات الأمريكية والصهيونية، فيعرض المؤلف مجموعة من الأسماء لبعض الأساتذة بكليات الإعلام والعلوم والصيدلة والآداب بجامعة القاهرة والزقازيق وعين شمس والإسكندرية والمنصورة، كما تتعامل بعض المؤسسات الصحفية المصرية، ومعهد التخطيط القومي، ووحدة العلاقات الخارجية بالمجلس الأعلى للجامعات المصرية.

    ويورد المؤلف كذلك عدة بحوث علمية مشتركة خطيرة، منها مشروع ترابط الجامعات المصرية والأمريكية، ويختتم الكتاب صفحاته بقائمة عن الأبحاث التي أجراها المركز الأكاديمي الإسرائيلي في مصر خلال الفترة من 1982م إلى 1985م.

    وأخيراً فالكتاب جهد وطني لمؤلف يعد أول من كتب بالتفصيل والتوثيق عن دور الجامعة الأمريكية خاصة والسياسة الأمريكية عامة في اختراق الوطن العربي، وقد خصص المؤلف كتابه بالحديث عن مصر وما يجري فيها تحت ستار البحوث العلمية المشتركة، وإذا كانت بعض المعلومات التي أوردها المؤلف مبتورة بعض الشيء فهذا راجع ليس إلى تقصير المؤلف ولكنه راجع إلى صعوبة الحصول على (التفاصيل) الكاملة عن الجامعة الأمريكية ودورها الخطير في اختراق العقل المصري وتطويعه وبرمجته لأداء الأدوار التي تتطلبها الأهداف الاستراتيجية للاستعمار الأمريكي الجديد.

    وهذه الملاحظة لا تقلل مطلقاً من قيمة الكتاب العلمية، فهو يعد بكل الدقة في التعبير محاولة للرصد والكشف عن الدور الخطير الذي تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية عبر خنادقها في مصر، والكتاب دعوة جادة لباقي العلماء والباحثين لإكمال الجهد من أجل الكشف عن المزيد من أسلوب وممارسات الاستعمار الأمريكي الجديد.

    بقيت كلمة نوجهها من فوق منبر هذه المجلة إلى (بعض) أساتذة الجامعات المصرية الذين قبلوا –تحت ظروف معينة- في التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني في مصر. نقول لهم بكل الحقائق السياسية المجردة الكاشفة: إن المهمة القومية([1]) لكم تكمن في تعليم الأجيال لا إفسادها، وأمانتكم العلمية تلزمكم بعدم تسريب البحوث والدراسات الأكاديمية إلى دولة ثبت للقاصي والداني وللمتعلمة وللمتعلم والأمي وللمثقف والجاهل أنها العدوة الأولى لمصر والوطن العربي والإسلامي، وأن التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية علمياً وأكاديمياً لن يحقق ولا حتى منافع مادية، ذلك أن الولايات المتحدة بأسلوبها القائم على عمل المخابرات فإنها بعد أن تحصل على كل ما تريده من أصدقائها فإنها تحرقهم، واسألوا التاريخ عن الزعماء والعملاء والقادة الذين تحالفوا معها. ألا هل بلغت اللهم فاشهد". انتهى .








    ([1]) بل الإسلامية ! (س).
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: أخطار الجامعة الأمريكية في البلاد الإسلامية

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 05.12.09 10:34

    عاشراً: عرض مطول لكتاب: "أهداف الجامعة الأمريكية بالقاهرة، 1920-1980" للدكتورة سهير البيلي، عرض: وائل عبد الغني، نشر في مجلة البيان، العدد (180):



    "الدراسة التي بين أيدينا دراسة وثائقية نالت بها كاتبتها درجة الماجستير، غاصت فيها الباحثة في الوثائق الخاصة بالجامعة وأخرى خاصة بالدولة لتكشف عن الدور الذي لعبته الجامعة الأمريكية في القاهرة خلال ستين عاماً من عمرها 1920-1980م، وتثبت الدراسة مجموعة حقائق تتبلور عن حقيقة كلية هي أن التجربة الأمريكية الاستعمارية تفوقت على التجربة البريطانية تماماً، كما تفوقت التجربة البريطانية على التجربة الفرنسية، وقد أشاد اللورد كرومر بالتعليم الأمريكي بقوله: "إنه ليس لدي أي تردد في إظهار نتيجة ما يزيد على 23 عاماً من الخبرة بأن مدارس التبشير الأمريكي وكلية أسيوط البارزة أحدثت إنجازاً كبيراً وتقدماً جيداً للتعليم والحضارة في مصر". وقد قامت هذه المدارس بعشرة أضعاف الجهد الذي قامت به بريطانيا في سبيل نشر التعليم واللغة الإنجليزية في مصر.

    والنموذج الأمريكي المتمثل في الجامعة بالذات كان أذكى بكثير في مدخله وأساليبه؛ فما تركت مجالاً إلا وأثرت فيه، ولم تدع فرصة إلا واقتنصتها، فكان لها مع كل حادثة حديث، ومع كل فرصة نقلة.

    وتعد الدراسة توثيقاً لصفحة من تاريخ الأمة يكشف اختراق الجامعة الأمريكية للمجتمع العربي من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه، وبصورة محببة وجذابة تخطت بصورة مذهلة ما عجز عنه نظام دنلوب؛ فالاحتلال البريطاني ظل احتلالاً، وقد كان له أثره في الأمة، أما التجربة الأمريكية التي لم تنته فصولها بعد فتمثل نوعاً جديداً من الاستعمار هو الاستعمار النفسي الذي بدأ –على عكس التجربة البريطانية- بالتعليم وانتهى بالعسكرة.

    ونظراً لأن محور الكتاب هو أهداف الجامعة في الفترة المحددة للدراسة فقد مايزت الكاتبة بين أربع مراحل من عمر الجامعة تم تقسيم الكتاب على أساسها هي عنوان لأربعة فصول من فصول الكتاب الثمانية، وقد استكملتها الكاتبة بشرح المقدمات والظروف والعوامل التي مكنت الجامعة الأمريكية من تحقيق أهدافها.



    الفصل الأول: خضوع مصر للهيمنة الاستعمارية وتغلغل التعليم الأجنبي:

    وهو عن المقدمات الطبيعية التي مهدت لنشأة الجامعة، والتي كان لها أثرها المباشر في انتشار التعليم الأجنبي بصوره المختلفة: (الطوائف غير الإسلامية – الجاليات الأجنبية- مدارس الإرساليات والفرق الدينية).

    وهي العوامل الداخلية (السياق الاجتماعي) والعوامل الخارجية (السياق العالمي).

    أما عن العوامل الداخلية فكان أبرزها الانهيار الاقتصادي نتيجة لسوء إدارة الاقتصاد، وتحكم نظام الإقطاع، واحتكار الدولة لوسائل الاقتصاد؛ نتيجة لسياسات أسرة محمد علي المنفتحة على الغرب من أجل ترسيخ أطماعه في مواجهة الدولة العثمانية، وهو ما فتح الباب أمام التدخلات الأجنبية في مصر سياسياً واقتصادياً، وهو ما تولد عنه نظام الامتيازات الأجنبية التي أعفت رعايا الدول الأجنبية من القوانين المحلية ومن الضرائب ومن أي التزام أمام الحكم الداخلي، وهو ما فتح الباب على مصراعيه لهجرة كثير من رؤوس الأموال والصناع وأصحاب الحرف إلى مصر والاستقرار فيها، وحيث ذهب رأس المال الأجنبي تسللت الإرساليات الدينية في إثره، خاصة أن سياسة محمد علي لم تضع العامل الديني في الحسبان، فتصرف الأجانب بحرية تامة خاصة بعد أن ألغيت القاعدة التي كانت تحتم عليهم الحصول على تصريح من الحكومة لبناء كنيسة أو ترميمها أو إعادة بنائها، فأخذوا يقيمون الكنائس ويلحقون بها المدارس المختلفة بحجة تعليم أبنائهم، كما كان لافتتاح قناة السويس دور خطير في زيادة التغلغل الأجنبي واللجوء إلى سياسة القروض التي لعبت دوراً في التدخل المباشر في أمور البلاد.

    وقد قدم الخديوي سعيد وإسماعيل المساعدات والدعم لهذه الإرساليات إرضاء للدول الدائنة، وقد أدى هذا الأمر إلى تغلغل الثقافة الغربية التي بدأت مع حملة نابليون واستمرت مع تبني أسرة محمد علي للمشروع الغربي للتحديث، واتسعت مع عودة البعثات من أوروبا لإدارة أمور البلاد بدرجة ولدت انقلاباً في ثقافة البلاد خاصة في عهد إسماعيل الذي شهد تأسيس عدد من الجمعيات العلمية وانتشار الصحف بمختلف اتجاهاتها، وظهور الصالونات الفكرية والثقافية.

    لكن كل هذه العوامل ما كانت لتحقق آثارها لولا تأخر التعليم في مصر.



    أما العوامل الخارجية (السياق العالمي) التي عجلت بتحقق الهيمنة:

    فأولها: الامتيازات الأجنبية التي أدت إلى تضاعف عدد الأجانب عشرين مرة بين عامي 1836،1846م كما تزايد لأكثر من أربعة أضعاف بين عامي 1846،1917م.

    ومن ثم توسعت الإرساليات التبشيرية في بناء الكنائس والمدارس والجمعيات من أجل السيطرة على المجتمع المصري، كما توسعت في إصدار الصحف والمجلات والكتب التي أنشئت لمتابعة الدراسات الاستشراقية .

    والأمر الثاني : هو أن التنافس الاستعماري على مصر كموقع كان باعثاً للتنافس التنصيري من أجل حل المسألة المصرية. إلى جانب الهيمنة الاقتصادية التي بدأت بمعاهدة لندن، وتوسعت في عهد إسماعيل حيث سادت في عهده الاضطرابات الاقتصادية والسياسية، وكان من جرائها بسط السيطرة الأجنبية على مصر خاصة بعد توغل الرأسمالية العالمية في القرن التاسع عشر، والتي سعت إلى الاستحواذ على مناطق شاسعة من العالم لاستنـزاف مواردها، وقد كانت مصر أرضاً خصبة في هذا المجال.

    كما كان للرحالة الأوروبيين الذين وفدوا على مصر وعلى رأسهم السان سيمونيين دور في تهيئة الأوضاع، فقد جلبوا معهم أفكارًا جديدة كان لها أثرها ومنها الفن للفن، وضرورة إقامة مدارس للفنون الجميلة للعناية بالموهوبين، وقد رددت الصحافة أفكارهم وتأثر بها عدد من المثقفين.

    كل هذه العوامل جعلت من مصر أرضاً ممهدة أمام التعليم الأجنبي ومجالاً خصباً للنفوذ والهيمنة الاستعمارية.

    وقد بلغ عدد المدارس في عهد إسماعيل حوالي 70 مدرسة، وتخرج فيها عدد كبير من رجال الأعمال والمهن في مختلف النواحي الاجتماعية، ونال كثير منهم الحماية الأجنبية بواسطة القناصل فصاروا في حكم الأجانب في انتمائهم وميولهم، وأمام هذه المغريات زاد عدد المدارس.



    الفصل الثاني: التعليم الأمريكي في مصر- النشأة والتطور:

    جاء في تقرير مجموعة من المبشرين: (إن القاهرة تعتبر نقطة مهمة وهي المدينة الثانية في الإمبراطورية التركية). وقد بدأت الإرسالية الأمريكية العمل في مصر مع بداية عام 1850م تحت مسمى (الرسالة المشيخية الاتحادية الأمريكية)، ومنذ اليوم الأول ترافق النشاط التعليمي مع النشاط التبشيري.

    وقد أنشأ الأمريكيون تحدت لواء الهيئة المشيخية المتحدة عدداً من المدارس على طول نهر النيل، كان من أشهرها كلية للرجال في مدينة أسيوط التي تعد عاصمة إقليم الصعيد، وكلية للبنات في القاهرة كان لها دور تعليمي بين نساء مصر عامة والقاهرة خاصة، وقد كان نشاط المدارس الأمريكية يتركز في عدد من الأهداف:

    نشر المذهب البروتستانتي بين الأقباط أولاً والمسلمين ثانياً في مصر، وكان لنشر المذهب دوافع استعمارية كشف عنها وليم هل: "إن مصر مستودع للثروات التي لا تعد ولا تحصى".

    وقد كان لكلية أسيوط وهي تعليم ثانوي دور تنصيري كبير في صعيد مصر، ويؤكد هذا كلام واطسن أحد صناديد المنصرين في تلك الفترة: "إن الاتحاد حقق غرضه بالفعل وتنصر اثنان وستون طالباً في عام واحد، وفي عام آخر تنصر خمسة وثلاثون آخرون، كما وهب سبعون من أعضاء الكلية أنفسهم للعمل التنصيري أيضاً".

    وكان التركيز في تلك الفترة على الطبقة الفقيرة من خلال تبني أفرادها واحتوائهم وتقديم التعليم المجاني لهم، ثم إيجاد فرص عمل مناسبة ضمن نشاطها، وكان الشرط الأساسي لذلك هو عضوية الشخص للكنيسة الإنجيلية وانتماؤه إليها، والدعوة إلى مذهبها بين أقرانه وذويه وأصدقائه، وفي نفس الوقت اتخذت الإرسالية من الطبقة الغنية سنداً لها بتقديمهم الدعم المادي والمعنوي لأنشطتها.

    وأدى انتشار الأفكار الغربية في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر إلى تحولات واسعة في كافة المجالات وبخاصة الأفكار المتصلة بالتعليم.

    وسعياً في تطوير الآليات الموجودة رأت الإرسالية القفز بمستوى التعليم من أجل إعداد جيل من القادة، وتم بالفعل إنشاء كليات مجهزة تجهيزاً جيداً في كل من القاهرة وبيروت وإستانبول من أجل تسريب المبادئ النصرانية إلى الطبقة المثقفة على وجه الخصوص وإلى بقية الطبقات بالتبعية.



    الفصل الثالث: نشأة الجامعة الأمريكية في القاهرة:

    يتجه الاهتمام في هذا الفصل إلى إلقاء الضوء على نشأة الجامعة الأمريكية بالقاهرة والظروف التي واكبتها، والأهداف التي أنشئت الجامعة من أجلها.

    فقد تأسست الجامعة الأمريكية في الخامس عشر من أكتوبر 1920م بعد رحلة طويلة من المبادرات والنقاشات والرسائل المتبادلة واللقاءات وجمع المعلومات.

    وكان الغرض من الجامعة هو أنها :

    -سوف تخدم 24 مليوناً من المتحدثين بالعربية وتغطي الشمال الإفريقي.

    -التواجد الثقافي في مصر حيث المكانة الاستراتيجية كمركز فكري للعالم الإسلامي له أهميته عند المبشرين، حيث الأزهر، وما يزيد عن مائتي دار للطباعة والنشر يصل إنتاجها إلى مراكش وجاوا والصين، كما يتدفق نحو القاهرة جموع من المسلمين الرحالة من كل مكان لأهداف دينية وتجارية، وأعدادهم تفوق بكثير أعداد الحجاج الذين يتوافدون أفواجاً في أشهر الحج على مكة، ولهذا كان عدد المنظمات التبشيرية ضخماً في تلك المرحلة.

    -تحتاج الساحة إلى لون جديد من التبشير يتفوق في شكله ومحتواه على الصور الموجودة.

    وقد أكد المؤسسون في لقاءاتهم ومراسلاتهم على أن تكون شخصية الجامعة مسيحية، وكان من بين المشاركين في وضع المعالم الرئيسية لشخصية الجامعة زويمر وجون موط السكرتير العام لجمعية الشبان المسيحيين الأمريكيين، وبالفعل ولدت الجامعة نصرانية بروتستانتية تبشيرية بنسبة 100% ([1]).

    ومع الميلاد بدأت الجامعة في مد الصلات مع كل القوى التي يمكن أن تساندها، ونالت الجامعة تأييد لوردات الاحتلال على تتابعهم، كما رحبت الصحافة المصرية لسان حال الحكومة ترحيباً حاراً، أما السلطان فؤاد فقد دعا واطسن رئيس الجامعة للعمل ضمن لجنة عامة لدراسة برنامج التعليم القومي، وكانت هذه الدعوة أقوى دعم يمكن أن تناله مؤسسة تعليمية في ذلك الوقت، بعد أن أقامت اتصالاً وبين وزارة المعارف بما يعني مد نشاطها إلى خارج أسوارها.

    أما عن التوجهات الأساسية فقد أجملتها الباحثة في ثلاثة توجهات: ديني أكاديمي- اجتماعي.

    وكان التوجه الديني هو المقدم كما تؤكده وثائق الجامعة، حيث كان الهدف الأكبر هو ضمان الشخصية المسيحية، وتأثيرها الواسع، وتنمية الولاء المسيحي عبر التبشير البروتستانتي بين المسلمين عامة في مصر ومحيطها الديني والثقافي.

    أما التوجه الأكاديمي فقد كان مسخراً لإنشاء تعليم على مستوى عال يمكِّن من إعداد نخبة يمكن أن توسد إليها الأمور في المستقبل القريب، وكانت الأقسام المقترحة: قسم التعليم العالي –كلية إعداد المعلمين- كلية لاهوتية- كلية الزراعة. كما افتتحت كليات لاحقاً في الطب والهندسة والصحافة إلى جانب كلية الخدمات التعليمية الممتدة التي تقدم دروساً ليلية.

    أما التوجه الاجتماعي: فقد كان من بين الأهداف المعلنة التي تتعلق بتطوير المجتمع المصري بحيث يصبح ذا خصائص ثقافية غربية بديلة للعقائد والتقاليد والخرافات السائدة في ذلك الوقت، كما اهتمت بقضية المرأة تحت مسمى التحرير، وبعبارة أوضح صبغ المجتمع بالصبغة الأمريكية من خلال تعليم أبناء الصفوة العقيدة المسيحية وتنمية العقلية المتحررة لديهم ثم تحركهم لتغريب المجتمع ككل في مرحلة لاحقة.

    وقد بدأت الجامعة عملها الرسمي بالأقسام التالية:

    -كلية الآداب والعلوم على مستوى الثانوية وكانت على قسمين:

    -قسم الآداب ويدرس باللغة الإنجليزية وفق النظام الأمريكي.

    -قسم الحكومة باللغة العربية وفقاً للنظام المصري مع إضافات أخرى.

    مدرسة الدراسات الشرقية وهي تطوير لمدرسة تدريب المبشرين التي أنشئت في مصر عام 1913م التي كانت تدعى "مركز القاهرة للدراسات".

    -أما قسم الدراسات الممتدة فقد افتتح في عام 1924م للإسهام في فحص المجتمع المصري، وجمع أكبر قدر من المعلومات عنه وبناء تصور لمشكلاته، ومن أهداف هذا القسم: التأثير في الخلفية الاجتماعية لطلاب الجامعة الشرقيين، وفي الأقطار المسلمة (عادات وتقاليد اجتماعية) التي تمثل أكبر عائق أمام تغريب الطلاب، والتأثير في طلاب الجامعة الذين سيناط بهم قيادة المجتمع في المستقبل، وقد كان القسم حريصاً على توصيل مفاهيمه لأكبر قطاع من المجتمع؛ ولذلك استحدث عدداً ضخماً من الوسائل والأساليب التي يتمكن من خلالها الاتصال بأكبر قطاع ممكن من المجتمع، وقد وظفت المحاضرات والنشرات الشهرية والفصلية والسينما التعليمية أسبوعياً والأمسيات والمناقشات في العلوم الاجتماعية ومصلحة رعاية الطفل التي كانت تابعة للقسم، وكانت بعض المحاضرات التي يقدمها القسم تعقد خارج الجامعة في بعض المدن والقرى لاجتذاب اهتمام أكبر عدد من الناس.

    -كلية التربية (1926م): وكانت تهدف إلى التأثير في التعليم المصري وفي البلاد المجاورة من خلال نقل طرق التعليم الحديث إلى مصر، وكانت الكلية تسعى لتحقيق أهداف الجامعة من خلال تأكيد المنظومة التربوية الغربية عموماً والأمريكية على وجه الخصوص، وقد أصدرت الكلية صحيفة التربية الحديثة التي كان لها تأثير خطير في كل من مصر وسوريا والسودان والعراق وجاوا والحبشة وسنغافورة، ومع هذا الرواج حققت الجامعة من ورائها أرباحاً وفيرة، وقد كان من أهداف الصحيفة إقامة اتصال مباشر في مجال التربية بين العالم العربي والولايات المتحدة؛ ومع التوسع في التعليم المصري كانت هذه الصحيفة من أكبر المؤثرات الثقافية في مصر.

    -مركز البحث الاجتماعي (1953م) وتم إنشاؤه بمنحة من مؤسسة فورد أحد أخطر واجهات المخابرات الأمريكية، وقد اهتم هذا المركز بجانب المعلومات وتحليلها من خلال توظيف الطلاب في مجال البحث الاجتماعي في المنطقة العربية، والعمل على تدريب الطلاب في مجال علم الاجتماع وأساليب البحث العلمي، وتشجيع الطلاب على مشروعات البحث الاجتماعي .

    -معهد اللغة الإنجليزية: وقد تأسس في عام 1956م لتعليم اللغة الإنجليزية للطلاب الراغبين في تحسين لغتهم الإنجليزية من أجل الالتحاق بالجامعة.

    وفي الفصول الخمسة الباقية من الكتاب ترصد الباحثة مدى الثبات أو التغير في أهداف الجامعة ومؤسساتها وطبيعة الظروف التي أدت إلى ذلك، وما نتج عنها من سياسات تعليمية وأقسام جديدة لنرى كيف كانت الجامعة تنظر إلى الأمور من واقع الوثائق المحفوظة لديها والتي أتيح للباحثة الاطلاع عليها في فرصة ربما كانت نادرة .

    وقد فرقت الباحثة بين أربع مراحل: مرحلة النشأة والاستقرار وهي أطول المراحل (1920-1956م)، ومرحلة ما بعد الثورة (1956-1963م)، ثم مرحلة التحول الاشتراكي (1963-1970م)، ثم المرحلة الأخيرة مرحلة الانفتاح وهي ما بعد 1970م وحتى حدود الدراسة 1980م.



    الفصل الرابع:الأهداف المعلنة والممارسات منذ عام1920-1956م:

    وقد حدد الهدف في البند الثاني من وثيقة الإنشاء ويتضمن "تقديم التربية المسيحية لشباب مصر والأراضي المجاورة، وذلك عن طريق إقامة معهد تعليمي على أعلى المستويات التربوية الفعالة، كي تظهر للعالم الإسلامي السمات الخلقية للسيد المسيح (السلوك النصراني)…".

    ولم يتوقف هذا الهدف المعلن عن الظهور في لوائح الجامعة السنوية على مدار الأعوام من 1920-1956م وإن اختلفت الصياغة، حيث ظلت الوجهة التبشيرية هي المحور الذي تدور حوله بقية الأهداف المعلنة من إعداد النخبة ونشر الثقافة الأمريكية وخدمة المجتمع المصري، وكانت الجامعة تسعى لتحقيق أهدافها من خلال أقسامها المختلفة.

    أما عن وسائل تحقيق الهدف الديني فقد تعددت بين :

    -اجتماع ديني يومي في كنيسة صغيرة بالجامعة وبصورة إجبارية، تقام فيه الصلوات النصرانية ويقرأ فيه الإنجيل وتتلى خطب قصيرة في الأخلاق، وكان الجميع يشاركون في إنشاد التراتيل (كان الطلاب المسلمون يمثلون ثلث الطلاب في البداية!)، وقد انبثق عن هذه الاجتماعات جمعية الشبان المسلمين المسيحيين التي تعد امتداداً في نشاطها لجمعية الشبان المسيحيين والتي مارست نشاطاً تنصيرياً خارج أسوار الجامعة.

    -محاضرات عامة عبر قسم الدراسات الممتدة الذي يفتح الباب أمام الاحتكاك بالجماهير عبر المحاضرات والأنشطة الثقافية في الفترة المسائية لكن بصورة غير ملزمة، وقد كانت قاعة إيوارت محفلاً لهذا النشاط الذي تطرق تقريباً لكل شيء، يمكن أن يخدم الهدف الديني للجامعة.

    وكانت القضايا تناقش دون تحفظ، وقد وجد أن أثر هذه الطريق بالغ مع مضي الوقت في تقبل الكثيرين للعقائد النصرانية، وتضمنت المحاضرات كثيراً من الشبهات حول عقائد الإسلام مما اختلقه المستشرقون، كما مررت هذه المحاضرات العديد من الأفكار لقياس الرأي العام ودرجة الوعي، وكان من بينها محاضرة بعنوان "هل ستنال المرأة حقوقاً وواجبات مساوية للرجل؟" والتي ثارت بسببها ثائرة الناس، وشنت الصحف حينها حملات قوية على الجامعة، وكانت الجامعة تطأطئ رأسها للموجة ثم تعاود الكرة من جديد.

    كما عملت الجامعة على نشر أفكارها من خلال سلسلة أخرى من المحاضرات التي يتخفى فيها الهدف الديني وتتحدث عن مواضيع من قبيل الرفاهية القومية والصحة العامة، والتاريخ والعلوم، والمشكلات القومية، والأمور السياسية وكل من هذه المجالات مرتبط بأهداف اجتماعية وثقافية ولكنها تحمل أفكاراً دينية لتأكيد الغرض التبشيري.

    وكان الحضور منوعاً من كل الطبقات؛ أعضاء برلمان، وأساتذة وطلاباً بالأزهر، ونساء، وكبار رجال الدولة وعامة الناس، مما وضع الجامعة في أعلى مكانة على الخريطة الثقافية في مصر.

    كما كانت تعرض أفلام تعليمية وأخرى مثل الفيلم التبشيري "King of kings" الذي يعرض العقيدة النصرانية في المسيح عليه السلام، وكان يعرض من عشرين إلى ثلاثين مرة كل عام قبل عيد القيامة، وقد قامت بالفعل بتنصير عدد من الطلبة المسلمين مما حرك نوازع الغيرة الدينية الشعبية ضد الجامعة، وقد نفس العامة عن هذه المشاعر كلما أتيحت الفرصة، وقد تم اقتحام الجامعة وتحطيم مكوناتها مرات عدة على إثر كل غضبة شعبية ضد المستعمر، كما حدث في حريق القاهرة وبعد العدوان الثلاثي وبعد نكسة 1967م.

    -المناهج الدراسية: ويكفي هنا أن ننقل مقولة واطسن وهو يخطب أصدقاء الجامعة الأمريكية في القاهرة: "إني أتحدى أن ينجح أي منكم في اختبارات الإنجيل التي يواجهها طلابنا في الجامعة الأمريكية في القاهرة".

    وقد شهدت مجلة الاتحاد المشيخي على طبيعة المناهج: "الجامعة الأمريكية بالقاهرة كانت تقدم المبادئ المسيحية، وهذا البرنامج كان بعيداً عن أن يكون منهجاً تعليمياً صرفاً، فالجامعة منظمة تبشيرية تستخدم التعليم للوصول إلى تحقيق غرضها التبشيري بين الناس".

    -اختبار أعضاء هيئة التدريس: وقد نصت اللائحة الداخلية للجامعة عام 1954م على أنه عند تعيين الجامعة لهيئة التدريس يوضع في الاعتبار توافر الشخصية المسيحية للشخص المراد تعيينه من أجل تحقيق الهدف التبشيري، والمدرسون الأمريكيون خدم أغلبهم في الكنائس والاتحادات الدينية العالمية مثل جمعية الشبان المسيحيين وجمعية الشابات المسيحيات اللتين كان لهما نشاط واسع داخل الجامعة.

    -الأنشطة الاجتماعية:

    والتي تمثلت في الأنشطة الرياضية والنشاط الثقافي واتحاد الطلاب وقد وفرت هذه الأنشطة جواً اجتماعياً وتربوياً وثقافياً أسهم بشكل فاعل في تعميق أفكار الجامعة لدى الطلاب، وامتداد نشاطها خارج أسوار الجامعة، وتدريب الطلاب على التأثير المطلوب في المجتمع .

    -المناخ الجامعي: حيث الروح الكنسية والجو الليبرالي بمفهومه الأمريكي حيث حرية التعبير والسلوك والعلاقة.. العلاقة التي تربط التلميذ بأستاذه ومحيطه الجديد، فقط كان الاحتكاك اليومي بين المدرس والطلاب أقوى من كل التأثيرات الدينية([2]).

    أما هدف إعداد النخبة الحاكمة وهو لا يقل أهمية عن الهدف الأول، وهو يبدو إنسانياً في ظاهره لكنه محمل بأبشع أنواع الاستعمار.

    وقد أكدت جميع وثائق الجامعة على شعار: "التعليم الشامل للصفوة" ولم يكن غريباً عندما فتحت الجامعة أبوابها عام 1925م أن نجد أن الطلبة المدرجين في قوائمها من الطبقات العليا في المجتمع 60% منهم مسلمون، وقد كان الطلبة يتدربون على وسائل التأثير البعيد في الفكر والحياة في الشرق الأدنى وأجزاء أخرى من العالم، وقد شغل معظم خريجي الجامعة الأمريكية بالقاهرة مناصب عليا في المجتمع في مجالات الإعلام والسياسة والاقتصاد.





    ([1]) في عام 1916م تقدم تشارلز واطسن أول رئيس للجامعة بطلب لسلطة الاحتلال وليس وزارة المعارف في مصر؛ حيث كانت الامتيازات الأجنبية تخول الأجانب فتح مدارس وإقامة أنشطة دون الرجوع إلى الحكومة!.



    ([2]) بالطبع كانت حرية التعبير فقط في الإطار المرسوم من الجامعة بعناية أما ما يخالف ذلك فقد كان للتصرف معه أساليب ملتوية وقاسية؛ فالجامعة وإن تبنت ظاهراً الروح الليبرالية إلا أنها ما زالت تحتفظ لنفسها بمساحة يحظر الاقتراب منها وهي القضايا النصرانية والتبشير والإجبار على دراسة الإنجيل، لدرجة أن الجامعة خيرت الطلاب بين قبول هذه المواد وبين ترك الجامعة.
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: أخطار الجامعة الأمريكية في البلاد الإسلامية

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 05.12.09 10:36

    أما عن هدف نشر الثقافة الأمريكية:

    فالجامعة كما قال واطسن "جسر صداقة" بين المجتمع الأمريكي والعالم الإسلامي، وهي تدار بإدارة أمريكية وأموال أمريكية بغرض نقل القيم النابغة من التجربة التربوية المسيحية التي تمارس في أمريكا إلى مصر، وتنمية التفكير على أسس من الثقافة الأمريكية. وقد استخدمت في ذلك عدة وسائل هي:

    - التعليم الحر.

    - الحفلات الفنية والموسيقية، وكانت الإذاعة المصرية تنقلها إلى مستمعيها.

    - المحاضرات والمنتديات الثقافية التي تعتمد على العقلانية في النقاش.

    - السينما التعليمية: وهي وسيلة ناجعة لبسط الهيمنة الثقافية الغربية وبناء مجتمع متغرب.



    وأما هدف خدمة المجتمع المصري:

    فكان المراد من هذا الهدف نيل مصداقية عالية لدى الحكومة وعموم الشعب نتيجة إظهار الاهتمام بمشاكل المجتمع، وهي في نفس الوقت تعد وسيلة مهمة لفحص المجتمع المصري من حيث خصائصه النفسية والاجتماعية والدينية ومشكلاته وأعراضه وأمراضه حتى يسهل التأثير فيه. وهي كذلك وسيلة لتدريب الطلبة على حل المشكلات، وتوصيفها وتصنيفها وفقاً للمنظور الأمريكي بخلفيته النصرانية، وعلى سبيل المثال قام 130 شاباً خلال صيف 1932م بمناقشة الأوضاع الصحية في حوالي 13 مديرية من مديريات مصر، وقاموا بتوزيع حوالي 125 ألف بحث تنظيم وحوالي 3195 استمارة مقابلة.

    كما ساهم قسم الدراسات الممتدة بفصول مسائية لأصحاب الوظائف الحكومية الدنيا، وآخرين ممن يريدون الحصول على درجات علمية في التعليم المسائي.

    كما قام مركز البحث الاجتماعي بدور خطير في كشف دقائق الأمور وتحليل المشاكل الاجتماعية في مصر ودول الشرق الأوسط، وبهذا تتمكن الولايات المتحدة من ترسيخ الهيمنة الثقافية على المجتمع المصري.







    الفصل الخامس: المتغيرات العالمية والمحلية الميسرة لثبات الأهداف 1920-1956م:

    أما على المستوى الداخلي فقد أسهمت ثلاث تيارات فكرية في تهيئة الأوضاع للجامعة وهي الفكر الليبرالي والفكر الشيوعي بثقافته الغربية والتيار العقلاني بقيادة الشيخ محمد عبده([1])، وقد مهد الثلاثة من خلال تبنيهم لمفهوم الحرية بمعناه الغربي لاقتحام الجامعة مجالات كان من المفترض أنه من المحظور على أي أحد الخوض فيها فضلاً عن جهة تبشيرية أو أجنبية.

    أما الأوضاع السياسية فكانت مساندة تماماً لنشاط الجامعة، وقد نجح القائمون على الجامعة في إرضاء كافة الأطراف واستغلال الظروف السياسية المختلفة، وتوثقت الصلات بالقصر والوزارة والبرلمان والاحتلال في وقت واحد بالإضافة إلى النخبة الغنية. أما على المستوى الشعبي فكان أقرب للعداء نتيجة للممارسات التنصيرية التي أثارت الرأي العام، وأقامت عدداً من العلماء على رأسهم الشيخ المراغي في مواجهة نشاط الجامعة المشبوه لكن الجامعة قامت بجهود جبارة لاختراق المستويات الشعبية، وقد حققت لها بعض النجاحات.

    وقد اضطرت الظروف السياسية والقانونية الجامعة في بعض الأحيان لأن تتخفف من بعض أنشطتها التبشيرية دون أن يعني ذلك التخلي كلية عنها.

    أما على الوضع الاقتصادي فقد كان لسيادة النظام الرأسمالي خلال الفترة الملكية أثره في وجود ما يشبه التحالف الضمني لاتحاد المصالح؛ إذ التحق أبناء هذه الطبقة بالجامعة والتي كانت تؤهلهم لتوسد المناصب السيادية في الدولة، كما وفرت بعض عناصر هذه الطبقة المنح للجامعة.



    الفصل السادس: الجامعة الأمريكية والنظام الجديد في أعقاب ثورة يوليو حتى 1963م:

    وقد نشأت على إثر الثورة طبقة جديدة صعدت مع الثورة فحرصت الجامعة على التقرب منها؛ فاستثنت أبناء أعضاء مجلس قيادة الثورة من شروط القبول، دون أن يعني ذلك تخليها عن علاقاتها مع الطبقة الرأسمالية التي ظلت تحافظ على تواجدها رغم الإجراءات التي اتخذت ضدها من أجل تقليص دورها.

    وبدأت الجامعة إبراز خطاب جديد يناسب شعارات الثورة، كما ألغت الدراسة يوم الجمعة وخفضت اليوم الدراسي في شهر رمضان، واختارت أعضاء هيئة التدريس من المصريين والأمريكيين على حد سواء بغض النظر عن العقيدة.

    أما على الصعيد الدولي فقد سنت الولايات المتحدة القانون رقم 480 الشهير لاستغلال الفائض الزراعي في خدمة المصالح الأمريكية وهو القانون الذي فتح الباب أمام أرقام كبيرة جداً من المساعدات والمنح الأمريكية، ونتيجة للاستقطاب بين المعسكرين أخذت الولايات المتحدة تتقرب إلى الثورة من أجل كسب مصر في صف المعسكر الغربي.

    لكن كان لرفض مصر الدخول في مشروع الحلف مع أمريكا وعقدها صفقة الأسلحة الشهيرة مع تشيكوسلوفاكيا بعد أن رفض المعسكر الغربي بيع أي أسلحة لمصر، أثراً في ممارسة الضغوط الاقتصادية الأمريكية ضدها، وجاء الرد الأمريكي قاسياً بإيقاف المساعدات وإيقاف النشاط التجاري بين البلدين، وقطع العلاقات الدبلوماسية، ومحاصرة مصر بحراً لمنع وصول أي سفينة تحمل سلاحاً إلى مصر، وإلغاء تمويل مشروع السد العالي.

    كل هذا أدى لأن تسير الجامعة في إطار أكثر حذراً وأقل انفتاحاً، وأكثر اعتباراً لما يثير الرأي العام. وبدا الدور التبشيري أكثر انكماشاً وأظهرت الجامعة لوناً من الحرص على المصلحة الوطنية والانتقاد العلني للمواقف الأمريكية، بصورة تعطي انطباعاً باستقلاليتها وبعدها عن السياسة الأمريكية بما يدعم وجودها في مصر، ويدعم مبادئها المعلنة في الحرية والديمقراطية التي كانت تتبناها الثورة.

    كما تأثرت الجامعة بالعدوان الثلاثي على مصر نتيجة لتأميم قناة السويس فرحل أعضاء هيئة التدريس وفتحوا جامعة في المنفى.

    لكن ما لا ينبغي إغفاله أن الدعم الأمريكي لم ينقطع عن الجامعة حتى في هذه الفترات.

    وكان للجامعة رجالها حتى في ظل حكم الثورة، وقد وسطت الجامعة محمد حسنين هيكل من أجل تخفيف بعض القيود وإزالة بعض المخاوف، وجاءت إجابة عبد الناصر فوق الإيجابية!.

    والغريب أنه رغم صدور عدة قوانين على مدار عمر الجامعة تنظم شأن المؤسسات التعليمية الأجنبية من حيث الإشراف والمناهج وهيئات التدريس إلا أن الجامعة نجحت في الإفلات من جميع هذه القوانين، وظلت هي المؤسسة التربوية الوحيدة في مصر التي تدار فعلياً دون إشراف من الحكومة المصرية.

    كما لعبت الجامعة دوراً مكنها من أن تكون يد الحكومة الأمريكية في مصر وأداتها في الحفاظ على مصالحها في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يثير التساؤل حول نجاح الجامعة في اختراق جميع مؤسسات الدولة.

    أما الأهداف فصيغت على النحو الآتي: تقديم تعليم رفيع المستوى.. تجسيد قيم الثقافة الأمريكية.. الإسهام في حل مشكلات المجتمع المصري.. تشجيع التبادل الثقافي والفكري بين الشرق والغرب، وبهذا اختفى الهدف التنصيري بصورته السافرة وبقي مضمناً في هدف الترويج لقيم الثقافة الأمريكية التي تحمل في طياتها القيم النصرانية، وبهذا تم إعادة تنظيم مدرسة الدراسات الشرقية وأصبح اسمها: (مركز الدراسات العربية) وقلل فيه النشاط التبشيري، لكن النشاط بقي يمارس خارج أسوار الجامعة، كما تم التوسع في الدراسات العليا في الأدب البريطاني والأمريكي وعلم الاجتماع، وعلم الأجناس البشرية، الكيمياء والاقتصاد، العلوم السياسية.

    أما قسم الدراسات الليلية فتغير اسمه إلى قسم الخدمة العامة وتحول نشاطه من المحاضرات والندوات إلى تدريب الموظفين في مجالات مختلفة.

    وأما المكتبة فقدمت برنامجاً تعليمياً وزودت بالتسهيلات، وقد مارست الجامعة من خلالها دوراً كبيراً في النشر والاتصال بالباحثين.

    أما هدف خدمة المجتمع فبقي مجالاً خصباً لجمع المعلومات حول القرية المصرية، وموقف الشرق الأوسط عامة ومصر خاصة تجاه السياسة الأمريكية، وحول النوبيين، وإحصائيات السكان.

    أما إعداد القادة فحافظت عليه الجامعة بأن قصرت الالتحاق بها على أبناء النخبة الحاكمة والطبقة الغنية.

    وقام معهد اللغة الإنجليزية على تحسين لغة عدد منهم من أجل تجاوز شرط جديد للالتحاق ينص على إتقان اللغة الإنجليزية.



    الفصل السابع: من عام 1963-1970م مرحلة التحول الاشتراكي:

    ويعكس هذا الفصل براعة الجامعة في خدمة الأهداف الأمريكية في ظل التحول الاشتراكي، والعداء الأمريكي العلني لمصر خلال حرب 1967م وانعكاسه على الساحة المصرية، وكيف تمكنت الجامعة تتعايش مع هذه البيئة.

    وقد فرضت الحكومة المصرية الحراسة على الجامعة الأمريكية، ورحلت هيئة التدريس، وعينت حارساً قضائياً، ولكن الحارس قام بدور خطير في إقناع الحكم المصري بإبقاء الجامعة أمريكية الهوية كما هي، وسهل إجراءات اعتراف الحكومة بالجامعة الأمريكية.

    وخلال هذه الفترة تولى كريستوفر ثورون إدارة الجامعة، وكان ثورون عميلاً للمخابرات الأمريكية، فعمل مع إدارته للجامعة لحساب المخابرات أيضاً، وقد سعى في توسيع صداقاته داخل مصر، وكوّن علاقات حميمة مع موظفي الخارجية المصرية! وبهذا يظهر هدف آخر غير معلن للجامعة تسعى لخدمته من أجل رعاية المصالح الأمريكية.

    وكانت الجامعة في هذه الفترة حريصة على نيل الاعتراف الرسمي الكامل بها كنشاط وكشهادات علمية بما يضمن لها البقاء في ظل التغيرات العميقة التي تطرأ على الحالة المصرية بين آونة وأخرى، وقد حققت الجامعة بعضاً من ذلك خلال هذه الفترة.



    الفصل الثامن: الجامعة الأمريكية في ظل الانفتاح الاقتصادي :

    وهو العهد الذي أعاد للجامعة سيرتها الأولى، فمع موت عبد الناصر ومجيء السادات انفرجت الأمور وبدأت مفاوضات للاعتراف بالدرجات العلمية للجامعة مقابل تعيين 45% من الأساتذة من مصر مقابل نفسن النسبة من الأمريكيين، والباقي يتم استكمالهم من باقي الجنسيات، وأن تكون الوظائف الإدارية للأمريكيين، وألا يقل عدد الطلاب المصريين عن 75% والأمريكيين 10% والباقون من العرب، وطلبت الحكومة أن يتم تعيين مستشار للجامعة ومجلس استشاري لها من المصريين.

    وبالفعل تم الاعتراف بالجامعة كما أرادت لنفسها من حيث الهوية والاستقلالية والدرجات العلمية التي تمنحها وفق بروتوكول موقع عليه من وزير التعليم ورئيس الجمهورية شخصياً.

    وقد استفادت الجامعة من هذه الإجراءات استفادة كبيرة حيث عمقت اتصالها بجميع الأوساط، ونالت عن طريقهم ما لم تنل من قبل، بالإضافة إلى أن رواتب هؤلاء تبدو متواضعة، كما أنها لن تعدم من بين هؤلاء من ينفذ رغباتها خاصة بعد أن اطمأنت إلى أجيال من خريجي الجامعة ممن تبنوا فكر الجامعة، وربما كان الأمر مستحيلاً في بداية عمر الجامعة؛ لأنها كانت تريد بناء نسق معين يحتذى وقد كان.

    وبدت الجامعة في أنشطتها الثقافية والتعليمية متكاملة مع الجامعات الوطنية المصرية، ولذلك حرصت الجامعة على تقديم تعليم مكثف للطلاب يقابل حاجات المجتمع الجديد، كما حرصت أن يكون طلابها ممن لديهم القدرة على تلقي هذا النوع من التعليم.

    أما الممارسات والأنشطة المتعلقة بتحقيق الأهداف المعلنة فقد قدمت الجامعة خدماتها للمجتمع عبر مركز البحث الاجتماعي بتمويل من مؤسسة فورد ووكالة التنمية الدولية AID، وكانت الموضوعات: الزيادة السكانية، ووسائل منع الحمل، كما تقدم المركز ببحوث حول المواد الخام الصلبة المتوفرة في مصر([2]).

    وفي الخاتمة تخلص الباحثة إلى أن الجامعة وإن خففت من الهدف الديني المباشر من أجل ضمان بقائها واستمراريتها إلا أنها بقيت على أهدافها الأخرى: الهدف الثقافي، وهدف خدمة المجتمع([3])، وهدف إعداد القادة، والحاصل أن الجامعة ظلت حريصة على تحقيق الهيمنة على المجتمع المصري مباشرة والمجتمعات العربية الأخرى بالتبعية، كما تبين وجود أهداف أخرى غير معلنة بدأ بعضها وربما ما خفي أكثر، ويمكن من خلال نتائج الدراسة استشراف الدور الحالي والمستقبلي للجامعة لخدمة أهدافها". انتهى .







    ([1]) انظر للفائدة: رسالة "العصرانية قنطرة العلمانية" لمعد هذا البحث. وهي منشورة في موقع "صيد الفوائد" على شبكة الأنترنت. (س).



    ([2]) قدمت مؤسسة فورد منحة قدرها 236 ألف دولار، كما قدمت وكالة التنمية الدولية منحة مالية قيمتها 800 ألف دولار لخدمة مشروعات البيئة المصرية.



    ([3]) بل تدميره ! (س).

      الوقت/التاريخ الآن هو 20.11.17 10:27