قوادح عقدية في بردة البوصيري

    شاطر

    الشيخ إبراهيم حسونة
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 9251
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 08/05/2008

    مميز ماذا تعرف عن قصيدة البُردة للبوصيري ؟ فضيلة الشيخ محمد زينو - حفظه الله تعالى

    مُساهمة من طرف الشيخ إبراهيم حسونة في 31.05.08 10:42

    ماذا تعرف عن قصيدة البُردة للبوصيري ؟ فضيلة الشيخ محمد زينو - حفظه الله تعالى

    --------------------------------------------------------------------------------

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين

    أما بعد :

    جاء في كتاب "معلومات مهمة من الدين " للشيخ محمد جميل زينوا ( ص160 ـ 166 )

    ما يلي :

    ( ماذا تعرف عن قصيدة البُردة :

    هذه القصيدة للشاعر البوصيري مشهورة بين الناس ولا سيما بين الصوفيين .

    ولو تدبرنا معناها لرأينا فيها مخالفات للقرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم !

    يقول في قصيدته :

    1 ـ يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به * * * سواك عند حلول الحادث العمم

    يستغيث الشاعر بالرسول صلى الله عليه وسلم ويقول له : لا أجد من ألتجئ إليه

    عند نزول الشدائد العامة إلا أنت ، وهذا من الشرك الأكبر الذي يُخلد صاحبه في النار

    إن لم يتب منه ، لقوله تعالى : ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت

    فإنك إذا من الظالمين ) ( يونس:106) .

    ( أي المشركين ) لأن الشرك ظلم عظيم .

    وقوله صلى الله عليه وسلم : " من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار "

    رواه البخاري .

    ( الند : المثيل ) .

    2 ـ فإن من جودك الدنيا وضرتها * * * ومن علومك علم اللوح والقلم

    وهذا تكذيب للقرآن الذي يقول الله فيه : ( وإن لنا للآخرة والأولى ) فالدنيا والآخرة

    هي من الله ومن خلْقِهِ ، وليست من جود الرسول صلى الله عليه وسلم وخلقه ،

    والرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم ما في اللوح المحفوظ ، إذ لا يعلم ما فيه إلا الله

    وحده ، وهذا إطراء ومبالغة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم حتى جعل الدنيا

    والآخرة من جود الرسول وأنه يعلم الغيب الذي في اللوح المحفوظ بل إن ما في اللوح

    من علمه وقد نهانا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإطراء فقال : " لا تطروني

    كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبد ، فقولوا عبد الله ورسوله " رواه البخاري .

    3 ـ ما سامني الدهر ضيماً واستجرت به * * * إلا ونلت جواراً منه لم يُضَم

    يقول : ما أصابني مرض أو همٌّ وطلبت منه الشفاء أو تفريج الهم إلا شفاني وفرَّج همي .

    والقرآن يحكي عن إبراهيم عليه السلام قوله عن الله عز وجل : ( وإذا مرضتُ فهو يشفين )

    ( الشعراء : 80 ) .

    والله تعالى يقول : ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ) ( الأنعام : 17 ) .

    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله "

    ( رواه الترمذي وقال حسن صحيح ) .

    4 ـ فإن لي منه ذمة بتسميتي محمداً * * * وهو أوفى الخلق بالذمم

    يقول الشاعر : إن لي عهداً عند الرسول أن يدخلني الجنة ، لأن اسمي محمداً ،

    ومن أين له هذا العهد ؟

    ونحن نعلم أن كثيراً من الفاسقين والشيوعيين من المسلمين اسمه محمد ، فهل

    التسمية بمحمد مُبرر لدخولهم الجنة ؟ والرسول صلى الله عليه وسلم قال لبنته

    فاطمة رضي الله عنها : " سليني من مالي ما شِئْتِ ، لا أُغني عنك من الله شيئاً "

    ( رواه البخاري ) .

    5 ـ لعل رحمة ربي حين يقسمها * * * تأتي على حسب العصيان في القسم

    وهذا غير صحيح ، فلو كانت الرحمة تأتي قسمتها على قدر المعاصي كما قال الشاعر

    لكان على المسلم أن يزيد في المعاصي حتى يأخذ من الرحمة أكثر ، وهذا لا يقوله

    مسلم ولا عاقل ولأنه مخالف قول الله تعالى : ( إن رحمت الله قريب من المحسنين )

    ( الأعراف : 56 ) .

    والله تعالى يقول : ( ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة

    والذين هم بآياتنا يؤمنون ) ( الأعراف : 156 ) .

    6 ـ وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من * * * لولاه لم تخرج الدنيا من العدم

    الشاعر يقول لولا محمد صلى الله عليه وسلم لما خُلقت الدنيا ، والله يكذبه ويقول :

    ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ( الذاريات : 56 ) .

    وحتى محمد صلى الله عليه وسلم خُلق للعبادة وللدعوة إليها يقول الله تعالى : ( وأعبد

    ربك حتى يأتيك اليقين ) ( الحجر : 99 ) .

    7 ـ أقسمت بالقمر المنشق إن له * * * من قلبه نسبة مبرورة القسم

    الشاعر يقسم ويحلف بالقمر والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : " من حلف بغير

    الله فقد أشرك " ( حديث صحيح رواه أحمد ) .

    ثم يقول الشاعر يخاطب الرسول قائلاً :

    8 ـ لو ناسبتْ قدرَه آياتُه عِظَماَ * * * أحيا اسمه حين يُدعى دَارِسَ الرِمَمِ

    ومعناه : لو ناسبتْ معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم قدره في العِظَم ، لكان الميت

    الذي أصبح بالياً يحيا وينهض بذكر اسم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبما أنه لم يحدث

    هذا فالله لم يُعط الرسول صلى الله عليه وسلم حقه من المعجزات ، فكأنه اعتراض على

    الله حيث لم يعط رسول الله صلى الله عليه وسلم حقه ! !

    وهذا كذب وافتراء على الله ، فالله تعالى أعطى كل نبي المعجزات المناسبة له ، فمثلاً

    أعطى عيسى عليه السلام معجزة إبراء الأعمى والأبرص وإحياء الموت ، وأعطى

    لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم معجزة القرآن الكريم ، وتكثير الماء والطعام وانشِقاق

    القمر وغيرها .

    ومن العجيب أن بعض الناس يقولون : إن هذه القصيدة تسمى بالبردة وبالبُرأة ، لأن

    صاحبها كما يزعمون مرض فرأى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأعطاه جبته فلبسها

    فبرىء من مرضه ـ وهذا كذب وافتراء ـ حتى يرفعوا من شأن هذه القصيدة ، إذ كيف

    يرضى الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام المخالف للقرآن ولهديه صلى الله عليه

    وسلم وفيه شرك صريح .

    علماً بأن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : ما شاء الله وشِئْتَ ،

    فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : " أجعلتني لله نداً ؟ قل ما شاء الله وحده "

    ( رواه النسائي بسند جيد ) .

    ( الند : المثل والشريك ) .

    فاحذر يا أخي المسلم من قراءة هذه القصيدة وأمثالها المخالفة للقرآن ، وهدي الرسول

    عليه الصلاة والسلام ، والعجيب أن في بعض بلاد المسلمين من يُشَيع بها موتاهم إلى

    القبور ، فيضمون إلى هذه الضلالات بدعة أخرى حيث أمر رسول الله صلى الله عليه

    وسلم بالصمت عند تشييع الجنائز ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ) اهـ .


    منقول
    http://www.albaidha.net/vb/showthread.php?t=6281

    الشيخ إبراهيم حسونة
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 9251
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 08/05/2008

    مميز رد: قوادح عقدية في بردة البوصيري

    مُساهمة من طرف الشيخ إبراهيم حسونة في 31.05.08 10:45

    [ بارك الله فيك أخي - وفقنا الله لأحياء السنة وقمع البدع ]

    قوادح عقدية في بردة البوصيري
    د. عبد العزيز محمد آل عبد اللطيف


    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
    فإن ميميه البوصيري - المعروفة بالبردة - من أشهر المدائح النبوية وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً، ولذا تنافس أكثر من مائه شاعر في معارضتها، فضلاً عن المشطِّرين والمخمِّسين والمسبِّعين، كما أقبل آخرون على شرحها وتدريسها، وقد تجاوزت شروحها المكتوبة خمسين شرحاً، فيها ما هو محلى بماء الذهب! وصار الناس يتدارسونها في البيوت والمساجد كالقرآن.

    يقول الدكتور زكي مبارك : وأما أثرها في الدرس، فيتمثل في تلك العناية التي كان يوجهها العلماء الأزهريون إلى عقد الدروس في يومي الخميس والجمعة لدراسة حاشية الباجوري على البردة، وهي دروس كانت تتلقاها جماهير من الطلاب، وإنما كانوا يتخيرون يومي الخميس والجمعة، لأن مثل هذا الدرس لم يكن من المقررات فكانوا يتخيرون له أوقات الفراغ(1).

    وقد أطلق البوصيري على هذه القصيدة البردة من باب المحاكاة والمشاكلة للقصيدة الشهيرة لكعب بن زهير - رضي الله عنه - في مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ؛ فقد اشتهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى كعباً بردته حين أنشد القصيدة - إن صح ذلك - (2) فقد ادعى البوصيري - في منامه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ألقى عليه بردة حين أنشده القصيدة !!

    وقد سمى البوصيري هذه القصيدة أيضاً ب الكواكب الدرية في مدح خير البرية(3). كما أن لهذه البردة اسماً آخر هو البرأة ؛ لأن البوصيري كما يزعمون برئ بها من علته، وقد سميت كذلك بقصيدة الشدائد ؛ وذلك لأنها - في زعمهم - تقرأ لتفريج الشدائد وتيسير كل أمر عسير.

    وقد زعم بعض شراحها أن لكل بيت من أبياتها فائدة ؛ فبعضها أمان من الفقر، وبعضها أمان من الطاعون(4).
    يقول محمد سيد كيلاني - أثناء حديثه عن المخالفات الشرعية في شأن البردة -: ولم يكتف بعض المسلمين بما اخترعوا من قصص حول البردة، بل وضعوا لقراءتها شروطاً لم يوضع مثلها لقراءة القرآن، منها : التوضؤ، واستقبال القبلة، والدقة في تصحيح ألفاظها وإعرابها، وأن يكون القارئ عالماً بمعانيها، إلى غير ذلك. ولا شك في أن هذا كله من اختراع الصوفية الذين أرادوا احتكار قراءتها للناس، وقد ظهرت منهم فئة عرفت بقراء البردة، كانت تُستدعى في الجنائز والأفراح، نظير أجر معين(5).

    وأما عن مناسبة تأليفها فكما قال ناظمها : كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم اتفق بعد ذلك أن أصابني خِلْط فالج أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه البردة، فعملتها، واستشفعت بها إلى الله في أن يعافيني، وكررت إنشادها، وبكيت ودعوت، وتوسلت ونمت، فرأيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليّ بردة، فانتبهت ووجدت فيّ نهضة ؛ فقمت وخرجت من بيتي، ولم أكن أعلمت بذلك أحداً، فلقيني بعض الفقراء، فقال لي : أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت : أيّها؟ فقال : التي أنشأتها في مرضك، وذكر أولّها، وقال : والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فرأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يتمايل وأعجبته، وألقى على من أنشدها بردة، فأعطيته إياها، وذكر الفقير ذلك، وشاع المنام(6).

    ففي هذه الحادثة تلبّس البوصيري بجملة من المزالق والمآخذ، فهو يستشفع ويتقرب إلى الله - تعالى - بشرك وابتداع وغلو واعتداء - كما سيأتي موضحاً إن شاء الله -.

    ثم ادعى أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- دون أن يبيّن نعته ؛ فإن من رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- حسب صفاته المعلومة فقد رآه، فإن الشيطان لا يتمثل به - كما ثبت في الحديث -.

    ثم ادعى أن النبي في -صلى الله عليه وسلم- مسح على وجهه وألقى عليه بردة، فعوفي من هذا الفالج، فتحققت العافية بعد المنام دون نيل البردة! ثم التقى البوصيري - في عالم اليقظة - بأحد المتصوفة وأخبره بسماع القصيدة بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- تمايل إعجاباً بالقصيدة، وهذا يذكّرنا بحديث مكذوب بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- تواجد عند سماع أبيات حتى سقطت البردة عن منكبيه وقال: ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر المحبوب.

    قال شيخ الإسلام : إن هذا الحديث كذب بإجماع العارفين بسيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسنته وأحواله(7).

    وأما عن استجابة دعاء البوصيري مع ما في قصيدته من الطوامَّ، فربما كان لاضطراره وعظم فاقته وشدة إلحاحه السبب في استجابة دعائه.

    يقول شيخ الإسلام : ثم سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة أن الرجل منهم قد يكون مضطراً ضرورة لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له، لصدق توجهه إلى الله، وان كان تحري الدعاء عند الوثن شركاً، ولو استجيب له على يد المتوسل به، صاحب القبر أو غيره لاستغاثته، فإنه يعاقب على ذلك ويهوي به في النار إذا لم يعفُ الله عنه، فكم من عبد دعا دعاء غير مباح، فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكان سبب هلاكه في الدنيا والآخرة(8).

    وأما عن التعريف بصاحب البردة فهو : محمد بن سعيد البوصيري نسبة إلى بلدته أبو صير بين الفيوم وبني سويف بمصر، ولد سنة 608ه، واشتغل بالتصوُّف، وعمل كاتباً مع قلة معرفته بصناعة الكتابة، ويظهر من ترجمته وأشعاره أن الناظم لم يكن عالماً فقيهاً، كما لم يكن عابداً صالحاً ؛ حيث كان ممقوتاً عند أهل زمانه لإطلاق لسانه في الناس بكل قبيح، كما أنه كثير السؤال للناس، ولذا كان يقف مع ذوي السلطان مؤيداً لهم سواء كانوا على الحق أم على الباطل.


    ونافح البوصيري عن الطريقة الشاذلية التي التزم بها، فأنشد أشعاراً في الالتزام بآدابها، كما كانت له أشعار بذيئة يشكو من حال زوجه التي يعجز عن إشباع شهوتها!

    توفي البوصيري سنة 695هـ وله ديوان شعر مطبوع(9).

    وسنورد جملة من المآخذ على تلك البردة التي قد تعلّق بها كثير من الناس مع ما فيها من الشرك والابتداع. والله حسبنا ونعم الوكيل.

    1- يقول البوصيري :

    وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة مَن لولاه لم تُخرج الدنيا من العدم

    ولا يخفى ما في عَجُز هذا البيت من الغلو الشنيع في حق نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، حيث زعم البوصيري أن هذه الدنيا لم توجد إلا لأجله -صلى الله عليه وسلم-، وقد قال - سبحانه: ((ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات:56]،

    وربما عوّل أولئك الصوفية على الخبر الموضوع : لولاك لما خلقت الأفلاك(10).

    2- قال البوصيري :

    فاق النبيين في خَلق وفي خُلُق ولـم يـدانوه في عـلم ولا كرم

    وكلهم من رسول الله ملتمس غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

    أي أن جميع الأنبياء السابقين قد نالوا والتمسوا من خاتم الأنبياء والرسل محمد -صلى الله عليه وسلم-، فالسابق استفاد من اللاحق! فتأمل ذلك وقارن بينه وبين مقالات زنادقة الصوفية كالحلاج القائل : إن للنبي نوراً أزلياً قديماً كان قبل أنه يوجد العالم، ومنه استمد كل علم وعرفان ؛ حيث أمدّ الأنبياء السابقين عليه.. وكذا مقالة ابن عربي الطائي أن كل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي يأخذ من مشكاة خاتم النبيين(11).

    3- ثم قال :

    دع ما ادعته النصارى في نبيهمُ واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم

    يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - منتقداً هذا البيت : ومن المعلوم أن أنواع الغلو كثيرة، والشرك بحر لا ساحل له، ولا ينحصر في قول النصارى ؛ لأن الأمم أشركوا قبلهم بعبادة الأوثان وأهل الجاهلية كذلك، وليس فيهم من قال في إلهه ما قالت النصارى في المسيح - غالباً - : إنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، بل كلهم معترفون أن آلهتهم ملك لله، لكن عبدوها معه لاعتقادهم أنها تشفع لهم أو تنفعهم فيحتج الجهلة المفتونون بهذه الأبيات على أن قوله في منظومته : دع ما ادعته النصارى في نبيهم مَخْلَصٌ من الغلو بهذا البيت، وهو قد فتح ببيته هذا باب الغلو والشرك لاعتقاده بجهله أن الغلو مقصور على هذه الأقوال الثلاثة(12).

    لقد وقع البوصيري وأمثاله من الغلاة في لبس ومغالطة لمعنى حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- : لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله(13)،

    فزعموا أن الإطراء المنهي عنه في هذا الحديث هو الإطراء المماثل لإطراء النصارى ابن مريم وما عدا ذلك فهو سائغ مقبول، مع أن آخر الحديث يردّ قولهم ؛ فإن قوله - عليه الصلاة والسلام - : إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله تقرير للوسطية تجاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهو عبد لا يُعبد، ورسول لا يُكذب، والمبالغة في مدحه تؤول إلى ما وقع فيه النصارى من الغلو في عيسى - عليه السلام -، وبهذا يُعلم أن حرف الكاف في قوله -صلى الله عليه وسلم- : كما أطرت هي كاف التعليل، أي كما بالغت النصارى(14).

    ويقول ابن الجوزي - في شرحه لهذا الحديث - : لا يلزم من النهي عن الشيء وقوعه ؛ لأنَّا لا نعلم أحداً ادعى في نبينا ما ادعته النصارى في عيسى - عليه السلام - وإنما سبب النهي فيما لم يظهر ما وقع في حديث معاذ بن جبل لما استأذن في السجود له فامتنع ونهاه ؛ فكأنه خشي أن يبالغ غيره بما هو فوق ذلك فبادر إلى النهي تأكيداً للأمر(15).

    4 - وقال أيضاً :

    لو ناسبت قـدره آيـاته عِـظماً أحيا اسمه حين يُدعى دارس الرمم

    يقول بعض شرّاح هذه القصيدة : لو ناسبت آياته ومعجزاته عظم قدره عند الله - تعالى - وكل قربه وزلفاه عنده لكان من جملة تلك الآيات أن يحيي الله العظام الرفات ببركة اسمه وحرمة ذكره(16).

    يقول الشيخ محمود شكري الآلوسي منكراً هذا البيت : ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغلو ؛ فإن من جملة آياته -صلى الله عليه وسلم- القرآن العظيم الشأن ؛ وكيف يحل لمسلم أن يقول : إن القرآن لا يناسب قدر النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل هو منحط عن قدره ثم إن اسم الله الأعظم وسائر أسمائه الحسنى إذا ذكرها الذاكر لها تحيي دارس الرمم؟(17).

    5- وقال أيضا :

    لا طيب يعدل ترباً ضم أعظمه طوبى لمنتشق منه وملتثم

    فقد جعل البوصيري التراب الذي دفنت فيه عظام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أطيب وأفضل مكان، وأن الجنة والدرجات العلا لمن استنشق هذا التراب أو قبَّله، وفي ذلك من الغلو والإفراط الذي يؤول إلى الشرك البواح، فضلاً عن الابتداع والإحداث في دين الله - تعالى -.

    قال شيخ الإسلام - رحمه الله - : واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يقبله، وهذا كله محافظة على التوحيد(18).

    6- ثم قال :

    الشيخ إبراهيم حسونة
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 9251
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 08/05/2008

    مميز تتمة

    مُساهمة من طرف الشيخ إبراهيم حسونة في 31.05.08 10:46

    أقسمتُ بالقمر المنشق إنّ له من قلبه نسبةً مبرورة القسم

    ومن المعلوم أن الحلف بغير الله - تعالى - من الشرك الأصغر ؛ فعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك(19).

    وقال ابن عبد البر - رحمه الله-: لا يجوز الحلف بغير الله - عز وجل - في شيء من الأشياء ولا على حال من الأحوال، وهذا أمر مجتمع عليه... إلى أن قال: أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها، لا يجوز الحلف بها لأحد(20).

    7- قال البوصيري :

    ولا التمست غنى الدارين من يده إلا استلمت الندى من خير مستلم

    فجعل البوصيري غنى الدارين مُلتَمساً من يد النبي -صلى الله عليه وسلم-، مع أن الله - عز وجل - قال : ((ومَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)) [النحل:53]، وقال - سبحانه - : ((فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ)) [العنكبوت:17]، وقال - تعالى - : ((قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ) [يونس:31]، ((قُلِ ادْعُوا الَذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ)) [سبأ:22] .

    وأمر الله نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة المذكورة في قوله - تعالى - : ((قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ ولا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ)) [الأنعام:50].

    8- قال البوصيري :

    فإن لي ذمة منه بتسمـيتي محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم

    وهذا تخرُّص وكذب ؛ فهل صارت له ذمة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمجرد أن اسمه موافق لاسمه؟! فما أكثر الزنادقة والمنافقين في هذه الأمة قديماً وحديثاً الذين يتسمون بمحمد!

    و يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعقيباً على هذا البيت : قوله : فإن لي ذمة... إلى آخره كذب على الله وعلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- فليس بينه وبين اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة، لا بمجرد الاشتراك في الاسم مع الشرك(21).

    فالاتفاق في الاسم لا ينفع إلا بالموافقة في الدين واتباع السنة(22).

    9- وقال البوصيري :

    إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم

    والشاعر في هذا البيت ينزل الرسول منزلة رب العالمين ؛ إذ مضمونه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو المسؤول لكشف أعظم الشدائد في اليوم الآخر، فانظر إلى قول الشاعر، وانظر في قوله - تعالى - لنبيه -صلى الله عليه وسلم- : ((قُلْ إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)) [الزمر:13].

    ويزعم بعض المتعصبين للقصيدة أن مراد البوصيري طلب الشفاعة ؛ فلو صح ذلك فالمحذور بحاله، لما تقرر أن طلب الشفاعة من الأموات شرك بدليل قوله - تعالى - : ((ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ ولا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [يونس:18]، فسمى الله - تعالى - اتخاذ الشفعاء شركاً(23).

    10- وقال :

    يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم

    يقول الشيخ سليمان بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعقيباً على هذا البيت -: فتأمل ما في هذا البيت من الشرك :

    منها : أنه نفى أن يكون له ملاذ إذا حلت به الحوادث إلا النبي -صلى الله عليه وسلم-، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو.

    ومنها : أنه دعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه، وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله، وذلك هو الشرك في الإلهية(24).

    وانتقد الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد ابن عبد الوهاب هذا البيت قائلاً : فعظم البوصيري النبي -صلى الله عليه وسلم- بما يسخطه ويحزنه؛ فقد اشتد نكيره - صلى الله عليه وسلم - عما هو دون ذلك كما لا يخفى على من له بصيرة في دينه ؛ فقصر هذا الشاعر لياذه على المخلوق دون الخالق الذي لا يستحقه سواه ؛ فإن اللياذ عبادة كالعياذ، وقد ذكر الله عن مؤمني الجن أنهم أنكروا استعاذة الإنس بهم بقوله: ((وأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً)) [الجن: 6]، أي طغياناً، واللياذ يكون لطلب الخير، والعياذ لدفع الشر، فهو سواء في الطلب والهرب(25).

    وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني - رحمه الله - عن هذا البيت : فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- . إنا لله وإنا إليه راجعون(26).

    11- وقال البوصيري :

    ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تحلى باسم منتقم

    قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب : سؤاله منه أن يشفع له في قوله : ولن يضيق رسول الله... إلخ، هذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوهم وهو الجاه والشفاعة عند الله، وذلك هو الشرك، وأيضاً فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من غيره ؛ فإن الله - تعالى - هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لا أن الشافع يشفع ابتداءاً(27).

    12- وقال أيضا :

    فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم

    فجعل الدنيا والآخرة من عطاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وإفضاله، والجود هو العطاء والإفضال ؛ فمعنى الكلام : أن الدنيا والآخرة له -صلى الله عليه وسلم-، والله - سبحانه وتعالى - يقول : ((وإنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأُولَى)) [الليل:13](28).

    وقوله : ومن علومك علم اللوح والقلم. في غاية السقوط والبطلان ؛ فإن مضمون مقالته أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعلم الغيب، وقد قال - سبحانه - : ((قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ)) [النمل:65] وقال - عز وجل - : ((وعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ ويَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ والْبَحْرِ ومَا تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلاَّ يَعْلَمُهَا ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ إلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)) [الأنعام:59]، والآيات في هذا كثيرة معلومة(29).
    وأخيراً أدعو كل مسلم عَلِقَ بهذه القصيدة وولع بها أن يشتغل بما ينفع ؛ فإن حق النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما يكون بتصديقه فيما أخبر، واتباعه فيما شرع، ومحبته دون إفراط أو تفريط، وأن يشتغلوا بسماع القرآن والسنة والتفقه فيهما ؛ فإن البوصيري وأضرابه استبدلوا إنشاد وسماع هذه القصائد بسماع القرآن والعلم النافع، فوقعوا في مخالفات ظاهرة ومآخذ فاحشة.

    وإن كان لا بد من قصائد ففي المدائح النبوية التي أنشدها شعراء الصحابة -رضي الله عنهم- كحسان وكعب بن زهير ما يغني ويكفي.

    اللهم صلّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ؛ إنك حميد مجيد. (*)

    ======= الهوامش =======

    (1) المدائح النبوية، ص 199.
    (2) يقول ابن كثير - رحمه الله - في البداية والنهاية (4 /373) : ورد في بعض الروايات أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعطاه بردته حن أنشده القصيدة.. وهذا من الأمور المشهورة جداً، ولكن لم أر ذلك في شيء، من هذه الكتب المشهورة بإسناد أرتضيه ؛ فالله أعلم .
    (3) انظر مقدمة محقق ديوان البوصيري، ص 29.
    (4) انظر المدائح النبوية لزكي مبارك، ص 197.
    (5) مقدمة ديوان البوصيري، ص 29، 30.
    (6) فوات الوفيات لمحمد بن شاكر الكتبي، 2/258.
    (7) مجموع الفتاوى، 11 /598.
    (8) اقتضاء الصراط المستقيم، 2/692، 693، باختصار.
    (9) انظر ترجمته في مقدمة ديوان البوصيري، تحقيق محمد سيد كيلاني، ص 5 - 44، وللمحقق كتاب آخر بعنوان : البوصيري دراسة ونقد .
    (10) انظر : الصنعاني في موضوعاته، ص 46 ح (78)، والمسلسلة والموضوعة للألباني، 1/299، ح(282).
    (11) انظر تفصيل ذلك في كتاب محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرؤوف عثمان، ص 169 - 196.
    (12) الدرر السنية، 9/81، وانظر 9/48، وانظر : صيانة الإنسان للسهسواني (تعليق محمد رشيد رضا)، ص 88.
    (13) أخرجه البخاري، ح ./3445.
    (14) انظر القول المفيد، 1 /376، ومفاهيمنا لصالح آل الشيخ، ص 236، ومحبة الرسول لعبد الرؤوف عثمان، ص 208 .
    (15) فتح الباري، 12 /149.
    (16) غاية الأماني للآلوسي، 2 /349.
    (17) غاية الأماني للآلوسي، 2/ 350، باختصار وانظر الدر النضيد لابن حمدان، ص 136.
    (18) الرد على الأخنائي، ص 41.
    (19) رواه أحمد، ح. /4509، والترمذي، ح./ 1534.
    (20) التمهيد، 14/366، 367 .
    (21) تيسير العزيز الحميد، ص 22.
    (22) انظر الدرر السنية، 9 /51.
    (23) انظر الدرر السنية، 9/49، 82، 271.
    (24) تيسير العزيز الحميد، ص 219، 220.
    (25) الدرر السنية، 9/ 80، وانظر 9/49، 84، 193، ومنهاج التأسيس والتقديس لعبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، ص 212.
    (26) الدر النضيد، ص 26.
    (27) تيسير العزيز الحميد، ص 220، وانظر الدرر السنية، 9/52.
    (28) انظر الدرر السنية، 49، 50، 81، 82، 85، 268.
    (29) انظر الدرر السنية، 9/50، 62، 81، 82، 268، 277.
    (*) نقلا عن قرص مجلة البيان عدد 139
    -----

    منقول من سحابhttp://www.sahab.net/forums/showthread.php?t=355040
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز قوادح عقدية في بردة البوصيري

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 09.07.08 17:39

    قوادح عقدية في بردة البوصيري

    د. عبد العزيز محمد آل عبد اللطيف

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
    فإن ميميه البوصيري - المعروفة بالبردة - مـن أشـهــــر الـمــدائـح النبوية وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً، ولذا تنافس أكثر من مائه شاعر في معارضتها، فضلاً عن الـمـشـطِّرين والمخمِّسين والمسبِّعين، كما أقبل آخرون على شرحها وتدريسها، وقد تجاوزت شروحـهـــــا الـمكتوبة خمـسـيـن شــرحـــــاً، فيها ما هو محلى بماء الذهب! وصار الناس يتدارسونها في البيوت والمساجد كالقرآن.
    يـقــول الـدكـتـور زكـي مـبــارك : وأما أثرها في الدرس، فيتمثل في تلك العناية التي كان يوجهها العلماء الأزهريون إلى عـقـــــد الدروس في يومي الخميس والجمعة لدراسة حاشية الباجوري على البردة، وهي دروس كـانـت تـتـلـقـاهــــا جماهير من الطلاب، وانما كانوا يتخيرون يومي الخميس والجمعة، لأن مـثــل هذا الـــدرس لم يـكـــن من المقررات فكانوا يتخيرون له أوقات الفراغ(1)
    وقد أطلق البوصيري على هذه القصيدة البردة من باب المحاكاة والمشاكلة للقصيدة الشهيرة لـكـعـــــب بن زهير - رضي الله عنه - في مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ؛ فقد اشتهر أن النـبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى كعباً بردته حين أنشد القصيدة - إن صح ذلك - (2) فـقــــد ادعى البوصيري - في منامه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ألقى عليه بردة حين أنشده القصيدة !!

    وقد سمى البوصيري هذه القصيدة أيضاً بـ الكواكب الدرية في مدح خير البرية(3). كما أن لهذه البردة اسماً آخـــــر هو الـبرأة ؛ لأن البوصيري كما يزعمون برئ بها من علته، وقد سميت كذلك بقصيدة الشـدائــد ؛ وذلك لأنها - في زعمهم - تقرأ لتفريج الشدائد وتيسير كل أمر عسير.
    وقـد زعم بعض شراحها أن لكل بيت من أبياتها فائدة ؛ فبعضها أمان من الفقر، وبعضها أمان من الطاعون(4).

    يقــــول محمد سيد كيلاني - أثناء حديثه عن المخالفات الشرعية في شأن البردة -: ولم يكـتـف بعض المسلمين بما اخترعوا من قصص حول البردة، بل وضعوا لقراءتها شروطاً لم يوضــع مثلها لقراءة القرآن، منها : التوضؤ، واستقبال القبلة، والدقة في تصحيح ألفاظها وإعرابـهــــــا، وأن يكون القارئ عالماً بمعانيها، إلى غير ذلك. ولا شك في أن هذا كله من اختراع الصوفـيــة الذين أرادوا احتكار قراءتها للناس، وقد ظهرت منهم فئة عرفت بقراء البردة، كانت تُستدعى في الجنائز والأفراح، نظير أجر معين(5).

    وأما عن مناسبة تألـيـفـها فكما قال ناظمها : كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثـــم اتفق بعد ذلك أن أصابني خِلْط فالج أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه البردة، فـعـمـلـتـهـــا، واستشفعت بها إلى الله في أن يعافيني، وكررت إنشادها، وبكيت ودعوت، وتوسلت ونمت، فرأيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليّ بــردة، فـانـتـبـهــت ووجــدت فيّ نهضة ؛ فقمت وخرجت من بيتي، ولم أكن أعلمت بذلك أحداً، فلقيني بعض الفقراء، فقال لي : أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت : أيّها؟ فقال : التي أنشأتها في مرضك، وذكر أولّها، وقال : والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فرأيت رسول الله -صلى الله عـلـيــــه وسلم-، يتمايل وأعجبته، وألقى على من أنشدها بردة، فأعطيته إياها، وذكــر الفقير ذلك، وشاع المنام(6)
    .

    ففي هذه الحادثة تلبّس البوصيري بجملة من المزالق والمآخذ، فهو يستشفع ويتقرب إلى الله - تعالى - بشرك وابتداع وغلو واعتداء - كما سيأتي موضحاً إن شاء الله
    -.
    ثم ادعى أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- دون أن يبيّن نعته ؛ فإن من رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- حسب صفاته المعلومة فقد رآه، فإن الشيطان لا يتمثل بــــه - كما ثبت في الحديث -.

    ثـم ادعــى أن النبي في -صلى الله عليه وسلم- مسح على وجهه وألقى عليه بردة، فعوفي من هذا الفالج، فتحققت العافية بعد المنام دون نيل البردة! ثم التقى البوصيري - في عالم اليقظة - بأحد المتصوفة وأخبره بسماع القصيدة بين يدي الرسول صلى الله عليه وسـلــم، وأن الرســــــول -صـلـى الله عليه وسلم- تمايل إعجاباً بالقصيدة، وهذا يذكّرنا بحديث مكذوب بأن النبي -صلــى الله عليه وسلم- تواجد عند سماع أبيات حتى سقطت البردة عن منكبيه وقال: ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر المحبوب.

    قال شيخ الإسلام : إن هذا الحديث كذب بإجماع العارفين بسيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسنته وأحواله (7).

    وأما عن استجابة دعاء البوصيري مع ما في قصيدته من الطوامَّ، فربما كان لاضطراره وعظم فاقته وشدة إلحاحه السبب في استجابة دعائه
    .

    يقول شيخ الإسلام : ثم سـبـب قـضــــاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة أن الرجل منهم قد يكون مضطراً ضرورة لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له، لصدق توجهه إلى الله، وان كان تحري الدعاء عند الوثن شركاً، ولو استجيب له على يد المتوسل به، صاحب القبر أو غيره لاستغاثته، فـإنــــه يعاقب على ذلك ويهوي به في النار إذا لم يعفُ الله عنه، فكم من عبد دعا دعاء غير مبــاح، فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكان سبب هلاكه في الدنيا والآخرة (8) .

    وأما عن التعريف بصاحب البردة فهو : محـمــــد بن سعيد البوصيري نسبة إلى بلدته أبو صير بين الفيوم وبني سويف بمصر، ولد سنة 608هـ، واشتغل بالتصوُّف، وعمل كاتباً مع قلة معرفته بصناعة الكتابة، ويظهر من ترجمته وأشعاره أن الناظم لم يكن عالماً فقيهاً، كما لم يكن عابداً صالحاً ؛ حيث كان ممقوتاً عند أهـــــــل زمانه لإطلاق لسانه في الناس بكل قبيح، كما أنه كثير السؤال للناس، ولذا كان يقـف مــــــع ذوي السلطان مؤيداً لهم سواء كانوا على الحق أم على الباطل
    .
    ونافح البوصيري عن الطريقة الشاذلية التي التزم بها، فأنشد أشعاراً في الالتزام بآدابها، كما كانت له أشعار بذيئة يشكو من حال زوجه التي يعجز عن إشباع شهوتها!
    توفي البوصيري سنة 695هـ وله ديوان شعر مطبوع (9) .
    وسنورد جملة من المآخذ على تلك البردة التي قد تعلّق بها كثير من الناس مع ما فيها من الشرك والابتداع. والله حسبنا ونعم الوكيل
    .
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: قوادح عقدية في بردة البوصيري

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 09.07.08 17:41

    1- يقول البوصيري :
    وكيف تدعو إلى الدنيا ضـرورة مـن لـولاه لم تُخرج الدنيا من العدمولا يخفى ما في عَجُز هذا البيت من الغلو الشنيع في حق نـبـيـنــا محمد -صلى الله عليه وسلم-، حيث زعم البوصيري أن هذه الدنيا لم توجد إلا لأجله -صلى الله عليه وسلم-، وقد قال - سبحانه: ((ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات:56]،وربما عوّل أولئك الصوفية على الخبر الموضوع : لولاك لما خلقت الأفلاك(10) .
    2- قال البوصيري
    :
    فاق النبيين في خَلق وفي خُلُق ولـم يـدانــوه في عــلـــم ولا كرم
    وكلهم من رسول الله ملتمس غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم
    أي أن جميع الأنبياء السابقين قد نالوا والتمسوا من خاتم الأنبيـاء والرسل محمد -صلى الله عليه وسلم-، فالسابق استفاد من اللاحق! فتأمل ذلك وقارن بينه وبين مقالات زنادقة الصوفية كالحلاج القائل : إن للنبي نوراً أزلياً قديماً كان قبل أنــــــه يوجد العالم، ومنه استمد كل علم وعرفان ؛ حيث أمدّ الأنبياء السابقين عليه.. وكذا مقالـة ابن عربي الطائي أن كل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي يأخذ من مشكاة خاتم النبيين(11) .
    3- ثم قال
    :
    دع ما ادعته النصارى في نـبـيـهم واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكميقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - منتقداً هذا البيت : ومن المعلوم أن أنواع الغلو كثيرة، والشرك بحر لا ساحل له، ولا ينحصر في قول النصارى ؛ لأن الأمم أشركوا قبلهم بعبادة الأوثان وأهل الجاهلية كذلك، وليس فيهم من قال في إلهه ما قالت النصارى في الـمـسـيـــح - غالباً - : إنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، بل كلهم معترفون أن آلهتهم ملك لله، لكن عبدوها معه لاعتقادهم أنها تشفع لهم أو تنفعهم فيحتج الجهلة المفتونون بهذه الأبيات على أن قوله في منظومته : دع ما ادعته النصارى في نبيهم مَخْلَصٌ من الغلو بهذا البيت، وهو قد فتح ببيته هذا باب الغلو والشرك لاعتقاده بجهله أن الغلو مقصور على هذه الأقوال الثلاثة (12) .
    لقد وقع البوصيري وأمثاله من الغلاة في لبس ومغالطة لمعنى حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- : لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مـريـم إنـمــــــــا أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله (13) ، فزعموا أن الإطراء المنهي عنه في هذا الحديث هـــــو الإطراء المماثل لإطراء النصارى ابن مريم وما عدا ذلك فهو سائغ مقبول، مع أن آخر الحديث يردّ قولهم ؛ فإن قوله - عليه الصلاة والسلام - : إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله تقرير للوسطية تجاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهو عبد لا يُعبد، ورسول لا يُكذب، والمبالغة في مدحه تؤول إلى ما وقع فيه النصارى من الغلو في عيسى - عليه السلام -، وبهذا يُعلم أن حرف الكاف في قوله -صلى الله عليه وسلم- : كما أطرت هي كاف التعليل، أي كما بالغت النصارى (14)
    .
    ويقول ابن الجوزي - في شرحه لهذا الحديث - : لا يلزم من النهي عن الشيء وقوعه ؛ لأنَّا لا نعلم أحداً ادعى في نبينا ما ادعته النصارى في عيسى - عليه السلام - وإنما سبب النهي فيما لم يظهر ما وقع في حديث معاذ بن جبل لما استأذن في السجود له فامتنع ونهاه ؛ فكأنه خشي أن يبالغ غيره بما هو فوق ذلك فبادر إلى النهي تأكيداً للأمر (15)
    .
    4 - وقال أيضاً
    :
    لو ناسبت قــدره آيــاتــه عِظماً أحيا اسمه حين يُدعى دارس الرمميقول بعض شرّاح هذه القصيدة : لو ناسبت آياته ومعجزاته عظم قدره عند الله - تعالى - وكل قربه وزلفاه عنده لكان من جملة تلك الآيات أن يحيي الله العظام الرفات ببركة اسمه وحرمة ذكره (16) .
    يقول الشيخ محمود شكري الآلوسي منكراً هذا البيت : ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغلو ؛ فإن من جملة آياته -صلى الله عليه وسلم- القرآن العظيم الشأن ؛ وكيف يحل لمسلم أن يقول : إن القرآن لا يناسب قدر النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل هو منحط عن قدره ثم إن اسم الله الأعظم وسائر أسمائه الحسنى إذا ذكرها الذاكر لها تحيي دارس الرمم؟ (17)
    .
    5- وقال أيضا
    :
    لا طيب يعدل ترباً ضم أعظمه طوبى لمنتشق منه وملتثمفقد جعل البوصيري التراب الذي دفنت فيه عظام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أطيب وأفضل مكان، وأن الجنة والدرجات العلا لمن استنشق هذا التراب أو قبَّله، وفي ذلك من الغلو والإفراط الذي يؤول إلى الشرك البواح، فضلاً عن الابتداع والإحداث في دين الله - تعالى -.
    قال شيخ الإسلام - رحمه الله - : واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يقبله، وهذا كله محافظة على التوحيد(18).
    6- ثم قال
    :
    أقسمتُ بالقمر المنشق إنّ له من قلبه نسبةً مبرورة القسمومن المعلوم أن الحلف بغير الله - تعالى - من الشرك الأصغر ؛ فعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك (19) .
    وقال ابن عبد البر - رحمه الله - :لا يجوز الحلف بغير الله - عز وجل - في شيء من الأشياء ولا على حال من الأحوال، وهذا أمر مجتمع عليه... إلى أن قال : أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها، لا يجوز الحلف بها لأحد (20)
    .
    7- قال البوصيري
    :
    ولا التمست غنى الدارين من يــده إلا استلمت الندى من خير مستلمفجعل البوصيري غنى الدارين مُلتَمساً من يد النبي -صلى الله عليه وسلم-، مع أن الله - عز وجل - قال : ((ومَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)) [النحل:53]، وقال - سبحانه - : ((فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ)) [العنكبوت:17]، وقال - تعالى - : ((قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ) [يونس:31]، ((قُلِ ادْعُوا الَذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ)) [سبأ:22] .
    وأمر الله نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة المذكورة في قوله - تعالى - : ((قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ ولا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ)) [الأنعام:50].
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: قوادح عقدية في بردة البوصيري

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 09.07.08 17:41

    8- قال البوصيري :
    فإن لي ذمة منه بتسمـيـتي محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم
    وهذا تخرُّص وكذب ؛ فهل صارت له ذمة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمجرد أن اسمه موافق لاسمه؟! فما أكثر الزنادقة والمنافقين في هذه الأمة قديماً وحديثاً الذين يتسمون بمحمد
    !
    و يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعقيباً على هذا البيت : قوله : فإن لي ذمة... إلى آخره كذب على الله وعلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- فليس بينه وبين اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة، لا بمجرد الاشتراك في الاسم مع الشرك (21)
    .
    فالاتفاق في الاسم لا ينفع إلا بالموافقة في الدين واتباع السنة (22)
    .
    9- وقال البوصيري
    :
    إن لم يـكـن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة الـقــدم
    والشاعر في هذا البيت ينزل الرسول منزلة رب العالمين ؛ إذ مضمونه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو المسؤول لكشف أعظم الشدائد في اليوم الآخر، فانظر إلى قول الشاعر، وانظر في قوله - تعالى - لنبيه -صلى الله عليه وسلم- : ((قُلْ إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)) [الزمر:13
    ].
    ويزعم بعض المتعصبين للقصيدة أن مراد البوصيري طلب الشفاعة ؛ فلو صح ذلك فالمحذور بحاله، لما تقرر أن طلب الشفاعة من الأموات شرك بدليل قوله - تعالى - : ((ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ ولا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [يونس:18]، فسمى الله - تعالى - اتخاذ الشفعاء شركاً (23)
    .
    10- وقال
    :
    يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمميقول الشيخ سليمان بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعقيباً على هذا البيت -: فتأمل ما في هذا البيت من الشرك
    :
    منها : أنه نفى أن يكون له ملاذ إذا حلت به الحوادث إلا النبي -صلى الله عليه وسلم-، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو
    .
    ومنها : أنه دعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه، وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله، وذلك هو الشرك في الإلهية (24)
    .
    وانتقد الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد ابن عبد الوهاب هذا البيت قائلاً : فعظم البوصيري النبي -صلى الله عليه وسلم- بما يسخطه ويحزنه ؛ فقد اشتد نكيره -صلى الله عليه وسلم- عما هو دون ذلك كما لا يخفى على من له بصيرة في دينه ؛ فقصر هذا الشاعر لياذه على المخلوق دون الخالق الذي لا يستحقه سواه ؛ فإن اللياذ عبادة كالعياذ، وقد ذكر الله عن مؤمني الجن أنهم أنكروا استعاذة الإنس بهم بقوله : ((وأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً)) [الجن: 6]، أي طغياناً، واللياذ يكون لطلب الخير، والعياذ لدفع الشر، فهو سواء في الطلب والهرب (25)
    .
    وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني - رحمه الله - عن هذا البيت : فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- . إنا لله وإنا إليه راجعون (26)
    .
    11- وقال البوصيري
    :
    ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تحلى باسم منتقمقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب : سؤاله منه أن يشفع له في قوله : ولن يضيق رسول الله... إلخ، هذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوهم وهو الجاه والشفاعة عند الله، وذلك هو الشرك، وأيضاً فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من غيره ؛ فإن الله - تعالى - هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لا أن الشافع يشفع ابتداءاً(27)
    .
    12- وقال أيضا
    :
    فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلمفجعل الدنيا والآخرة من عطاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وإفضاله، والجود هو العطاء والإفضال ؛ فمعنى الكلام : أن الدنيا والآخرة له -صلى الله عليه وسلم-، والله - سبحانه وتعالى - يقول : ((وإنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأُولَى)) [الليل:13
    ] (28) [center].
    وقوله : ومن علومك علم اللوح والقلم. في غاية السقوط والبطلان ؛ فإن مضمون مقالته أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعلم الغيب، وقد قال - سبحانه - : ((قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ)) [النمل:65] وقال - عز وجل - : ((وعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ ويَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ والْبَحْرِ ومَا تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلاَّ يَعْلَمُهَا ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ إلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)) [الأنعام:59]، والآيــات فـي هـذا كثيرة معلومة(29)
    .
    وأخـيـراً أدعو كل مسلم عَلِقَ بهذه القصيدة وولع بها أن يشتغل بما ينفع ؛ فإن حق النبي -صلى الله عليه وسلم- إنـمـا يكون بتصديقه فيما أخبر، واتباعه فيما شرع، ومحبته دون إفراط أو تفريط، وأن يشتغلوا بسماع القرآن والسنة والتفقه فيهما ؛ فإن البوصيري وأضرابه استبدلوا إنشاد وسماع هذه القصائد بسماع القرآن والعلم النافع، فوقعوا في مخالفات ظاهرة ومآخذ فاحشة
    .
    وإن كـــان لا بد مـن قـصائد ففي المدائح النبوية التي أنشدها شعراء الصحابة -رضي الله عنهم- كحسان وكعب بن زهير ما يغني ويكفي
    .
    اللهم صلّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ؛ إنك حميد مجيد. (*)






    .


    حياكم الله أخي ( زائر ) نرحب بالعضو الجديد ( شكري القبلي )
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: قوادح عقدية في بردة البوصيري

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 09.07.08 17:42


    =============
    الهوامش
    :

    =============

    (1) المدائح النبوية، ص 199.
    (2) يقول ابن كثير - رحمه الله - في البداية والنهاية (4 /373) : ورد في بعض الروايات ان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعطاه بردته حن أنشده القصيدة.. وهذا من الأمور المشهورة جداً، ولكن لم أر ذلك في شيء، من هذه الكتب المشهورة بإسناد أرتضيه ؛ فالله أعلم
    .
    (3) انظر مقدمة محقق ديوان البوصيري، ص 29
    .
    (4) انظر المدائح النبوية لزكي مبارك، ص 197
    .
    (5) مقدمة ديوان البوصيري، ص 29، 30
    .
    (6) فوات الوفيات لمحمد بن شاكر الكتبي، 2/258
    .
    (7) مجموع الفتاوى، 11 /598
    .
    (8) اقتضاء الصراط المستقيم، 2/692، 693، باختصار
    .
    (9) انظر ترجمته في مقدمة ديوان البوصيري، تحقيق محمد سيد كيلاني، ص 5 - 44، وللمحقق كتاب آخر بعنوان : البوصيري دراسة ونقد
    .
    (10) انظر : الصنعاني في موضوعاته، ص 46 ح (78)، والمسلسلة والموضوعة للألباني، 1/299، ح(282
    ).
    (11) انظر تفصيل ذلك في كتاب محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرؤوف عثمان، ص 169
    - 196.
    (12) الدرر السنية، 9/81، وانظر 9/48، وانظر : صيانة الإنسان للسهسواني (تعليق محمد رشيد رضا)، ص 88
    .
    (13) أخرجه البخاري، ح ./3445
    .
    (14) انظر القول المفيد، 1 /376، ومفاهيمنا لصالح آل الشيخ، ص 236، ومحبة الرسول لعبد الرؤوف عثمان، ص 208
    .
    (15) فتح الباري، 12 /149
    .
    (16) غاية الأماني للآلوسي، 2 /349
    .
    (17) غاية الأماني للآلوسي، 2/ 350، باختصار وانظر الدر النضيد لابن حمدان، ص 136
    .
    (18) الرد على الأخنائي، ص 41
    .
    (19) رواه أحمد، ح. /4509، والترمذي، ح./ 1534
    .
    (20) التمهيد، 14/366،
    367 .
    (21) تيسير العزيز الحميد، ص 22
    .
    (22) انظر الدرر السنية، 9 /51
    .
    (23) انظر الدرر السنية، 9/49، 82،
    271.
    (24) تيسير العزيز الحميد، ص 219، 220
    .
    (25) الدرر السنية، 9/ 80، وانظر 9/49، 84، 193، ومنهاج التأسيس والتقديس لعبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، ص 212
    .
    (26) الدر النضيد، ص 26
    .
    (27) تيسير العزيز الحميد، ص 220، وانظر الدرر السنية، 9/52
    .
    (28) انظر الدرر السنية، 49، 50، 81، 82، 85،
    268.
    (29) انظر الدرر السنية، 9/50، 62، 81، 82، 268،
    277.
    (*) نقلا عن قرص مجلة البيان عدد 139

    منقول من هنــــــا




    .


    حياكم الله أخي ( زائر ) نرحب بالعضو الجديد ( شكري القبلي )
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: قوادح عقدية في بردة البوصيري

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 09.07.08 17:43

    ماذا تعرف عن قصيدة البردة

    الشيخ محمد جميل زينوا

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين
    أما بعد:
    هذه القصيدة للشاعر البوصيري مشهورة بين الناس ولا سيما بين الصوفيين.
    ولو تدبرنا معناها لرأينا فيها مخالفات للقرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم !
    يقول في قصيدته:
    1-يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به * * * سواك عند حلول الحادث العمميستغيث الشاعر بالرسول صلى الله عليه وسلم ويقول له: لا أجد من ألتجئ إليه عند نزول الشدائد العامة إلا أنت، وهذا من الشرك الأكبر الذي يُخلد صاحبه في النار إن لم يتب منه، لقوله تعالى:
    {
    ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } [ يونس: 106].( أي المشركين ) لأن الشرك ظلم عظيم.
    وقوله صلى الله عليه وسلم:{ من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار } رواه البخاري.
    (
    الند: المثيل ).
    2- فإن من جودك الدنيا وضرتها * * * ومن علومك علم اللوح والقلموهذا تكذيب للقرآن الذي يقول الله فيه: { وإن لنا للآخرة والأولى } فالدنيا والآخرة هي من الله ومن خلْقِهِ، وليست من جود الرسول صلى الله عليه وسلم وخلقه، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم ما في اللوح المحفوظ، إذ لا يعلم ما فيه إلا الله وحده، وهذا إطراء ومبالغة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم حتى جعل الدنيا والآخرة من جود الرسول وأنه يعلم الغيب الذي في اللوح المحفوظ بل إن ما في اللوح من علمه وقد نهانا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإطراء فقال: { لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله } رواه البخاري.
    3- ما سامني الدهر ضيماً واستجرت به * * * إلا ونلت جواراً منه لم يُضَميقول: ما أصابني مرض أو همٌّ وطلبت منه الشفاء أو تفريج الهم إلا شفاني وفرَّج همي.
    والقرآن يحكي عن إبراهيم عليه السلام قوله عن الله عز وجل: { وإذا مرضتُ فهو يشفين } [الشعراء: 80].
    والله تعالى يقول: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } [الأنعام: 17].
    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: { إذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله } رواه الترمذي وقال حسن صحيح.

    4- فإن لي منه ذمة بتسميتي محمداً * * * وهو أوفى الخلق بالذمميقول الشاعر: إن لي عهداً عند الرسول أن يدخلني الجنة، لأن اسمي محمداً، ومن أين له هذا العهد ؟
    ونحن نعلم أن كثيراً من الفاسقين والشيوعيين من المسلمين اسمه محمد، فهل التسمية بمحمد مُبرر لدخولهم الجنة ؟ والرسول صلى الله عليه وسلم قال لبنته فاطمة رضي الله عنها:{ سليني من مالي ما شِئْتِ، لا أُغني عنك من الله شيئاً } رواه البخاري.

    5- لعل رحمة ربي حين يقسمها * * * تأتي على حسب العصيان في القسموهذا غير صحيح، فلو كانت الرحمة تأتي قسمتها على قدر المعاصي كما قال الشاعر لكان على المسلم أن يزيد في المعاصي حتى يأخذ من الرحمة أكثر، وهذا لا يقوله مسلمولا عاقل ولأنه مخالف قول الله تعالى: { إن رحمت الله قريب من المحسنين } [الأعراف:56] .
    والله تعالى يقول: { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } [الأعراف: 156].

    6- وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من * * * لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
    الشاعر يقول لولا محمد صلى الله عليه وسلم لما خُلقت الدنيا، والله يكذبه ويقول: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } [الذاريات: 56].
    وحتى محمد صلى الله عليه وسلم خُلق للعبادة وللدعوة إليها يقول الله تعالى: { وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين } [الحجر: 99].

    7- أقسمت بالقمر المنشق إن له * * * من قلبه نسبة مبرورة القسمالشاعر يقسم ويحلف بالقمر والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: { من حلف بغير الله فقد أشرك } حديث صحيح رواه أحمد.
    ثم يقول الشاعر يخاطب الرسول قائلاً:

    8- لو ناسبتْ قدرَه آياتُه عِظَماَ * * * أحيا اسمه حين يُدعى دَارِسَ الرِمَمِ
    ومعناه: لو ناسبتْ معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم قدره في العِظَم، لكان الميت الذي أصبح بالياً يحيا وينهض بذكر اسم الرسول صلى الله عليه وسلم، وبما أنه لم يحدث هذا فالله لم يُعط الرسول صلى الله عليه وسلم حقه من المعجزات، فكأنه اعتراض على الله حيث لم يعط رسول الله صلى الله عليه وسلم حقه!!
    وهذا كذب وافتراء على الله، فالله تعالى أعطى كل نبي المعجزات المناسبة له، فمثلاً أعطى عيسى عليه السلام معجزة إبراء الأعمى والأبرص وإحياء الموت، وأعطى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم معجزة القرآن الكريم، وتكثير الماء والطعام وانشِقاق القمر وغيرها.
    ومن العجيب أن بعض الناس يقولون: إن هذه القصيدة تسمى بالبردة وبالبُرأة، لأن صاحبها كما يزعمون مرض فرأى الرسول صلى الله عليه وسلم، فأعطاه جبته فلبسها فبرىء من مرضه
    -
    وهذا كذب وافتراء- حتى يرفعوا من شأن هذه القصيدة، إذ كيف يرضى الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام المخالف للقرآن ولهديه صلى الله عليه وسلم وفيه شرك صريح.
    علماً بأن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:ما شاء الله وشِئْتَ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : { أجعلتني لله نداً ؟ قل ما شاء الله وحده } رواه النسائي بسند جيد.
    والند: المثل والشريك.
    فاحذر يا أخي المسلم من قراءة هذه القصيدة وأمثالها المخالفة للقرآن، وهدي الرسول عليه الصلاة والسلام، والعجيب أن في بعض بلاد المسلمين من يُشَيع بها موتاهم إلى القبور، فيضمون إلى هذه الضلالات بدعة أخرى حيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصمت عند تشييع الجنائز ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

    نقلاً من كتاب"معلومات مهمة عن الدين"

    منقول من هنــــــا




    .


    حياكم الله أخي ( زائر ) نرحب بالعضو الجديد ( شكري القبلي )
    avatar
    أبو عبد الرحمن عبد المحسن
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 601
    العمر : 34
    البلد : مصر
    العمل : طالب
    شكر : 0
    تاريخ التسجيل : 08/05/2008

    مميز ما تعليقكم على قول البُصيري في البردة : يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم ؟ - لفضيلة الشيخ النجمى - رحمه الله تعالى

    مُساهمة من طرف أبو عبد الرحمن عبد المحسن في 07.08.08 14:15



    ما تعليقكم على قول البُصيري في البردة : يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم ؟
    التاريخ : 26-02-1428
    للتحميل بالضغط على الرابط التالى
    http://www.z-salafi.com/data/audio/727.mp3

    منقول

    http://www.z-salafi.com/v2/zsalafi.php?s_menu=23&idFatwa=727

    الشيخ إبراهيم حسونة
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 9251
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 08/05/2008

    مميز قراءة في بردة البوصيري وشعره

    مُساهمة من طرف الشيخ إبراهيم حسونة في 15.08.08 6:31

    [size=24]
    قراءة في بردة البوصيري وشعره


    قصيدة البردة من القصائد الشهيرة في المديح النبوي، هامَ فيها أهل التصوف فشرحوها عشرات المرات وبلغات مختلفة(1)، وشطَّروهــا، وخمَّسوهـا، وسبَّعوها، وعارَضوها، ونظموا على نهجها(2)، وغَلَوْا فيها حتى جعل بعضهم لأبياتها بركة خاصة وشفاء من الأمراض(3)، بل إن من كَتَبَةِ الأحجبةِ والتمائم من يستخدم لكل مرض أو حاجة بيتاً خاصاً: فبيتٌ لمرض الصرع، وبيتٌ للحفظ من الحريق، وآخر للتوفيق بين الزوجين، وهكذا(4).

    وكانت البردة وما تزال عند بعض الناس من الأوراد التي تُقرأ في الصباح والمساء في هيبة وخشوع(5)، وأبياتها تُستعمل إلى اليوم في الرُّقَى وتتلى عند الدفن(6)، وقد وضعوا لها شروطاً عند قراءتها كالوضوء واستقبال القبلة، وغير ذلك(7). وزعموا أن سبب تسميتها بالبردة أنَّ صاحبها ألقاها أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فألقـى علـيه النبـي - صلى الله عليه وسلم - بردته كما ألقاها على كعب بن زهير ـ رضي الله عنه ـ يقظة، مع أن قصة كعب بن زهير هذه لم تثبت بإسناد صحيح. وزعموا أنه كان مريضاً بالفالج فشفي بها ولذلك سميت بالبُرْأة(8)، وبلغ غلوُّهم فيها أن زعموا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شاركه في نظمها وأنه كان يتمايل عند سماعها؛ فلما انتهى الناظم إلى قوله
    :

    (فمبلغُ العلمِ فيه أنه بشرٌ)... توقف، فأضاف النبي - صلى الله عليه وسلم - : (وأنه خيرُ خلقِ الله كلهمِ)(9
    ).

    هذه القصيدة انتقدها كثيرٌ من أهل العلم(10) في أبيات معـينة تـعدُّ من أكثر الأبيات غُلُوّاً عندهم، ودافع عنها آخرون وردُّوا ما وُجِّه إليها من نقد، معلِّلين كل بيت منتَقَد فيها بما ينفي عـلة النـقد. ومن هذه الأبيات المنتقَدة التي دافع عنها أتبـاع البوصـيري وزعموا أن منتقديها لم يدركوا مراده، في قوله
    :

    إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي = فضلاً وإلا فقل يا زلَّةَ القدمِ


    وقوله
    :

    يا أكرمَ الخلق ما لي من ألوذُ به = سواكَ عند حلولِ الحادثِ العَمِمِ


    وقوله
    :

    فإنَّ من جودك الدنيا وضرَّتها = ومن علومك علم اللوح والقلمِ



    فأصبح كثير من الناس لا يعرفون غلوَّ البوصيري إلا من قصيدته البردة، ولا يعرفون ما في البردة من غلوٍّ إلا من هذه الأبيات؛ فإذا كانت هذه الأبيات مفسَّرة ومبرَّرة، سلِمتِ البردة وسلِم البوصيري، فينتقل اللوم إذاً إلى منتقديه المتشددين
    !

    والرجل ـ كما يزعمون ـ إمامٌ عالمٌ عاملٌ صالحٌ زاهدٌ...، وقصيدته البردة زهراء غراء يتبرك بها الناس، وفيها شفاء لأمراضهم إلى آخره، وهذه الأوصاف مذكورة في كتبهم(1
    ).

    فهل صحيح أن بردة البوصيري ليس فيها من الغلو إلا هذه الأبيات؟ بل هل صحيح أن البوصيري إمامٌ عالمٌ عاملٌ، وقصـائـده، سـواء البردة أو غيرها، تخلو من الغلو؟! هذا ما أردت بيانه في هذه المقالة
    .

    أما البوصيري فهو أبو عبد الله محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري، مصري النشأة، مغربي الأصل، شاذلي الطريقة(2
    ).

    ولد سنة 608 هـ وتوفي سنة 696 هـ، والرجل لم يكن عالماً قط، ولم يعدَّه أحدٌ من المترجمين له في عداد العلماء، بل عـدُّوه مـن الشـعراء(3)، ومن عدَّه كذلك من المعاصرين لم يستطع أن يثبت ذلك، وإنما هي ألقاب تكال كيلاً كما هي عادة القوم(4
    ).

    والبوصيري كان ممقوتاً لإطلاق لسانه في الناس بكل قبيح، وذكره لهم بالسوء في مجالس الأمراء والوزراء(5)، سيئ الخُلُق مع زوجته وغيرها، شحَّاذاً، مضطرباً في شخصيته، فتارة يمدحُ النصارى ويذُمُّ اليهود، وتارة يمدح اليهود إرضاءً للنصارى، وتارة يذم الاثنين معاً(6)، وكان كثير المدح للسلاطين طمعاً فيما عندهم؛ وهذا ليس غريباً على الشعراء لكنه ليس من صنيع العلماء، أضف إلى ذلك أنَّ له أبياتاً كثيرة في البردة والهمزية وبقية قصائده الواردة في ديوانه، فيها من الغلو ما يصدِّق قول منتقديه فيه، وإليك جوانب مما ذُكر
    :

    أما سوء خلقه مع زوجته فقد ذمَّها وأشار إلى اتهامها بالفاحشة في قصيدة طويلة، وفي القصيدة من الفحش والفجور والفسق ما فيها، نسأل الله السلامة
    :

    وَبَليَّتي عرسٌ بُليت بمقتها = والبعل ممقوت بغير قيامِ

    جعلت بإفلاسي وشيبي حجة = إذ صرت لا خلفي ولا قدامي

    بلغت من الكبر العِتيِّ ونُكِّست = في الخلق وهي صبية الأرحامِ

    إن زرتُها في العام يوماً أنتجت = وأتت بستة أشهر بغلامِ

    أوَ هذه الأولاد جاءت كلها = من فعلِ شيخٍ ليس بالقوَّام؟
    !

    وأظن أنهمُ لعظم بليتي = حملت بهم لا ش في الأحلامِ

    أوَ كلَّ ما حَلِمت به حَمَلت به؟ = من لي بأن الناس غير نيامِ؟

    يا ليتها كانت عقيماً آيساً = أوْ ليتني من جملة الخدامِ

    أوْ ليتني من قبل تزويجي بها = لو كنت بعت حلالها بحرام
    !

    أوْ ليتني بعض الذين عرفتهم = ممن يحصِّن دينه بغلام!(1
    )

    والبوصـيري كان شحَّاذاً يستخدم شِعره في استجداء ما عند الناس ـ وهذا ليس من صنيع العلماء ـ فها هو يشكو للصاحب بهاء الدين علي بن محمد بن حنا حاله وكثرة عياله بقوله
    :


    أيها الصاحب المؤمل أدعو = كَ دعاء استغاثة واستجارهْ

    أثقلتْ ظهري العيال وقد كنـتُ زماناً بهم خفيف الكارهْ

    ولو أنني وحدي لكنت مريداً = في رباطٍ أو عابداً في مغارهْ

    أحسب الزهد هيِّناً وهو حربٌ = لست فيه ولا من النَّظَّارهْ

    لا تكلْني إلى سواكَ فأخيارُ زماني لا يمنحون خيارهْ

    ووجوهُ القُصَّاد فيه حديد = وقلوبُ الأجوادِ فيه حجارهْ

    فإذا فازت كفُّ حرٍّ بِبُرٍّ = فهو إما بنقضةٍ أو نشارهْ

    إن بيتي يقول قد طال عهدي = بدخول التِّلِّيس لي والشكارهْ

    وطعامٌ قد كان يعهده النا = سُ متاعاً لهم وللسيارهْ

    فالكوانين ما تعابُ من =البردِ بطباخةٍ ولا شَكَّارهْ

    لا بساطٍ ولا حصيرٍ بدهليــزٍ= ولا مجلسٍ ولا طيارهْ(2
    )

    ويطلب مـن غـيـره كـنـافـة فـي شـهـر الصـوم فيـقـول
    :

    ما أكلنا في ذا الصيام كنافهْ = آه وا بُعدها علينا مسافهْ

    قال قوم إنَّ العماد كريم = قلت هذا عندي حديث خرافهْ

    أنا ضيفٌ له وقد مت جوعاً = ليت شعري لِمَ لا تعد الضيافهْ

    وهو يطعم الطعام فما يُطْــعِمُه= إلا بسمعةٍ أو مخافهْ(3
    )

    وقال يهجو أناساً سرقوا حمارته، وبالغ في ذلك جداً من أجل حمارة! فقال
    :

    أرى المستخدمين مشوا جميعاً = على غير الصراط المستقيمِ

    معاشر لو وُلوا جناتِ عدن = لصارت منهمُ نار الجحيمِ

    فما من بلدة إلا ومنهم = عليها كل شيطان رجيمِ

    فلو كان النجوم لهم رجوماً = لقد خلتِ السماءُ من النجوم(4
    )

    وكان مضطرب الشخصية يسير مع هوى نفسه وطـمعها؛ فلما لم يهدِ له النصارى طعاماً في عيدهم عيد المسيح هجاهم ومدح اليهود نكاية فيهم، فقال
    :


    يهود بلبيس كلَّ عيدٍ = أفضل عندي من النصارى

    أما ترى البغل وهو بغلٌ = في فضله يفضل الحمارا(5
    )

    فلما هدَّده النصارى تـراجع ومدحهم وذم اليهود، فقال
    :

    ما للنصارى إليَّ ذنبٌ = وإنما الذنب لليهودِ

    وكيف تفضيلهم وفيهم = سرُّ الخنازير والقرودِ(6)



    أمـا مـدحـه لسـلاطين زمـانـه مسـتجـدياً ما عندهم، فحـدِّث ولا حـرج، وديـوانـه ملـيءٌ بـذلك(7)، ولا تخـلو كثـيرٌ مـن قصـائـده من الغلو في الممدوح، وإليك نزراً يسيراً منها:

    فمـن ذلك قـوله يمـدح الوزير زين الدين الصاحبي بقوله
    :

    أهل التقى والعلم أهل السؤددِ = فأخو السيادة أحمد بن محمدِ

    الصاحب بن الصاحب بن الصاحب الــحبر الهمام السَّيِّدِ ابن السَّيِّدِ

    لا تشركن به امرأً في وصفه = فتكون قد خالفت كلَّ موحدِ(1
    )

    ويقول مادحاً الصاحب بهاء الدين ويطلبه حمارةً، ويذم آخرَ مقرباً من الصاحب حسداً له
    :


    صاحبٌ لا يزال بالجود والأفضال = طلق اليدين حلو العبارهْ

    كم هدانا من فضله بكتاب = معجز من علومه بأثارهْ

    إنما يذكر العطية من = كانت عطاياه تارة بعد تارهْ

    سيدي! أنت نصرتي كلما = شن عليَّ الزمان بالفقر غارهْ

    شابَ رأس وما رأست كأني = زامر الحي أو صغير الحارهْ

    وابن عمران وهو شرُّ متاع = للورى في بطانة وظهارهْ

    حسَّن القربُ منكم قبحَ ذكراه = كتحسين المسكِ ذكر الفارهْ

    فهو في المدح قطرةٌ من سحابي = وهو في الهجو من زنادي شرارهْ

    ما له ميزةٌ عليَّ سوى أنَّ = له بغلة وما لي حمارهْ(2
    )

    ويمدحه مرة أخرى ويشكو له حاله، فيقول
    :

    يا أيها المولى الوزير الذي = أيامه طائعة أمرهْ
    !

    ومن له منزلة في العلا = تكلُّ عن أوصافها الفكرهْ

    أخلاقك الغرُّ دعتنا إلى= الإدلاء في القول على غرهْ

    إليك نشكو حالنا إننا = عائلة في غاية الكثرهْ

    صاموا مع الناس ولكنهم = كانوا لمن يبصرهم عبرهْ

    فارحمهمُ إن أبصروا كعكةً = في يد طفلٍ أو رأوا تمرهْ

    تشخص أبصارُهم نحوها = بشهقةٍ تتبعها زفرهْ

    __________________


    والبوصيري اشتهر عنه شعره في المدائح النبوية وهو من أرقى الشعر وأجوده لولا غلوٌّ فيه، ومن قرأ قصائده كما في البردة الميمية والقصيدة الهمزية وبقية قصائده في ديوانه ظهر له اطِّراد الرجل في غلوِّه، وأبياته المجملة المحتملة لأكثر من معنى في قصيدةٍ، تفسرها أبياتٌ أخرى في قصيدة أخرى فلا مجال لتبرئته منه، وهاكم بعض الأمثلة
    :

    قوله في البردة
    :


    فإنَّ من جودك الدنيا وضرتها = ومن علومك علم اللوح والقلمِ(3
    )

    يؤيده البيت الخامس من الهمزية
    :


    لك ذات العلوم من عالم =الغيــــــب ومنها لآدم الأسماءُ


    لذلك قال الهيتمي في شرح هذا البيت
    :

    (إن آدم لم يحصل له من العلوم إلا مجرد العلم من أسمائها، وأن الحاصل لنبينا هو العلم بحقائقها، ومسمياتها، ولا ريب أن العلم بهذا أعلى وأجل من العلم بمجرد أسمائها؛ لأنها إنما يؤتى بها لتبيين المسميات؛ فهي المقصودة بالذات، وتلك بالوسيلة، وشتان ما بينهما، ونظير ذلك أن المقصود من خلق آدم إنما هو خلق نبينا - صلى الله عليه وسلم - من صلبه؛ فهو المقصود بطريق الذات، وآدم بطريق الوسيلة. ومن ثم قال بعض المحققين: إنما سجد الملائكة لأجل نور محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي في جبينه(4
    ).

    والبـوصيري كغـيره من غلاة الصوفية الذين يعتقدون أن الدنـيـا بمن فـيها لم تُخـلق إلا مـن أجل نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ونـور محـمـد - صلى الله عليه وسلم - ، وهـذا ذكـره في البـردة وغيـرها. قال في البردة
    :

    وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورةُ منْ = لولاه لم تخرجِ الدنيا من العدمِ


    وقال
    :

    وكل آيٍ أتى الرُّسْلُ الكرامُ بها = فإنما اتصلت من نوره بِهِمِ


    وقال
    :

    فاق النبيين في خَلْقٍ وفي خُلُقٍ = ولم يدانوه في علمٍ ولا كرمِ

    وكلُّهم من رسول الله ملتمسٌ = غرفاً من البحر أو رشفاً من الديمِ


    وقال في الهمزية مؤكداً هذا المعنى
    :

    كلُّ فضلٍ في العالمين فمِنْ = فضلِ النبي استعاره الفضلاءُ


    قال الهيتمي في شرح البردة: (فإنما اتصلت من نوره بهـم: أي وصـلـت منه إليهم بطريق الاستمداد؛ وذلك لأن نـوره - صلى الله عليه وسلم - كان مخلوقاً قبل آدم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بل قـبل سـائـر المخلوقات من السموات وما فيها والأرض وما عليها، وغير ذلك)(1) وهذا من خرافات الصوفية؛ فالنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ولدُ آدم وخُلِق بعد آدم؛ فكيف يكون نوره خلق قبله؟! عليه صلوات ربي وسلامه
    .

    وقال في شرح الهمزية: (لأنه - صلى الله عليه وسلم - الممد لهم؛ إذ هو الوارث للحضرة الإلهية، والمستمد منها بلا واسطة دون غيره؛ فإنه لا يستمد منها إلا بواسطته - صلى الله عليه وسلم - ، فلا يصل لكامل شيء إلا وهو من بعض مدده وعلى يديه؛ فآيات كل نبي إنما هي مقتبسة من نوره؛ لأنه كالشمس، وهم كالكواكب؛ فهي غير مضيئة بذاتها وإنما هي مستمدة من نور الشمس؛ فإذا غابت أظهرت أنوارها فهم قبل وجوده - صلى الله عليه وسلم - إنما كانوا يظهرون فضله، وأنوارهم مستمدة من نوره الفـائـض ومـدده الواسع)(2). كلام لا دلـيل عليه لا عقلياً ولا نقلياً، إنما هو كلام في كلام، لا زمام له ولا خطام
    .

    الشيخ إبراهيم حسونة
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 9251
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 08/05/2008

    مميز رد: قوادح عقدية في بردة البوصيري

    مُساهمة من طرف الشيخ إبراهيم حسونة في 15.08.08 6:32

    وفي البردة الاستجارة والاستغاثة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك عند قوله:

    ما سامني الدهرُ ضيماً واستجرت به = إلا ونلتُ جواراً منه لم يضمِ

    ولا التمستُ غنى الدارين من يده = إلا التمستُ الندى من خير مستلمِ


    ومعنى ذلك: أي ما ظلمني أهل الدهر في وقت من الأوقات وطلبت من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدخلني في جواره ليحميني من ضيم الدهر إلا وقربني منه(3
    ).

    والاستـغاثـة بالنبـي - صلى الله عليه وسلم - كثـيرة فـي شـعـر الـبوصـيري ـ وهي أشنع من التوسُّل، وإن خلط بينهما بعضُ الناس جهلاً أو تلبيساً ـ ولم تقتصر على البردة فقط، بل هي في غيرها أكثر غلواً، ومن ذلك قوله كما في (الديوان
    ):

    يا نبي الهدى استغاثةُ مَلْهُوفٍ أضرتْ بحاله الحوباءُ

    يدَّعي الحب وهو يأمر بالسوءِ ومن لي أن تصدق الرغباءُ

    إلى أن قال
    :
    هذه عِلَّتي وأنت طبيبي = ليس يخفى عليك في القلب داءُ

    ومن الفوز أن أبثك شكوى = هي شكوى إليك وهي اقتضاءُ(4
    )

    وأشد من ذلك دعاؤه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصفح عنه وأن يقبل عذره بقوله
    :

    يا من خزائنُ جودهِ مملوءةٌ = كرماً وبابُ عطائه مفتوحُ

    ندعوك عن فقرٍ إليك وحاجةٍ = ومجالُ فضلك للعُفَاة فسيحُ

    فاصفح عن العبد المسيء تكرماً = إن الكريمَ عن المسيء صفوحُ

    واقبل رسولَ الله عذرَ مقصِّرٍ! = هو إن قبلت بمدحك الممدوحُ

    في كلِّ وادٍ من صفاتك هائمٌ = وبكلِّ سرٍّ من نداك سبوحُ(5
    )

    وأقبح منه غلوُّه في الشريفة نفيسة بنت الحسن بن زيد ابن الحسن بن علي ـ رضي الله عنهم ـ بقوله
    :

    سليلة خير العالمين «نفيسة» = سمت بك أعراقٌ وطابت محاتدُ

    إذا جحدت شمسُ النهار ضياءها = ففضلك لم يجحده في الناس جاحدُ

    بآبائك الأطهار زينت العلا = فحبات عقد المجد منهم فرائدُ

    ورثتِ صفاتِ المصطفى وعلومَه = ففضلُكما لولا النبوةُ واحدُ!(6
    )

    وفي البـردة أخـطاء أخـرى نمر عليها مروراً سريعاً حتى لا يظن ظـان أنـها مقـصـورة على بيتين أو ثلاثة؛ فمن ذلك
    :

    قوله
    :


    أقسمتُ بالقمرِ المنشقِّ إنًّ له

    من قلبه نسبةً مبرورةَ القسمِ

    وهذا قسم بغير الله لا يجوز
    .

    وقوله
    :

    دَع مــا ادَّعَتهُ النصارى في نَبِيِّهِـمِ = واحكُم بما شئتَ مَدحاً فيه واحتَكِـمِ
    __________________

    وكـأن النـاظـم يـقول: امـدحه بمـا شـئت من المدح لكن لا يصل بك المدح إلى تأليهه كما فعلت النصارى مع عيسى علـيـه الصلاة والسلام؛ وهذا باطل، وليس معنى حديث: «لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم» أي أطروني لكن لا يصل إطراؤكم إلى ما وصل إليه النصارى مـن أنه ابن الله وثالث ثلاثة! بل معناه: لا تبالغوا في إطرائي كما بالغ النصارى في إطراء نبيهم حتى أداهم ذلك إلى تأليـهه
    .

    ومن ذلك قوله
    :


    فـــإنَّ لي ذِمَّةً منــه بتَسـمِيَتِي = مُحمَّداً وهُوَ أوفَى الخلقِ بــالذِّمَمِ


    وهذا غير صحيح، فليس كل من تسمى بمحمد صارت له ذمة بهذه التسمية؛ فما أكثر من تسمى بمحمد وهو في عداد الفسقة، ولكن للأسف تجد كثيراً منهم يرددون هذا البيت وغيره وهم لا يفهمون معناه
    .

    وقوله أيضاً
    :

    لا طيبَ يَعــدِلُ تُرْباً ضَمَّ أعظُمَهُ = طوبى لمُنتَشِـقٍ منـــه ومـلتَثِـمِ


    الانتشاق: الشم، والالتثام: التعفر أو التقبيل، والناظم يدعو لأن ننتشق ونلتثم تراب قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا من الغلو أيضاً
    .

    وقوله
    :

    لعَـلَّ رَحمَةَ رَبِّي حينَ يَقسِــمُهَا = تَأتِي على حَسَبِ العِصيَانِ في القِسَمِ


    وهـذا خطأ أيضاً، ورحمة الله تأتي على حسب الطاعة لا المعصية ـ كما يرجو البوصيري ـ وإلا لاستكثر الناس من المعاصي
    .

    والحاصل أن البوصيري كان من غلاة الصوفية الشاذلية، ولا ينفع الذين دافعوا عنه التماسهم العذر له في بعض الأبيات أو توجيهها وجهة حسنة؛ فهذا إنما يقال لمن كان سليم المعتقد سليم المنهج والطريقة ثم تزلُّ قدمُه في مسألة أو مسألتين؛ فهذا يُلتمَس له العذر فيها، أمَّا من كانت هذه طريقته، وهذا معتقده، وهذا ديدنه، فمهما التمسنا له العذر في بيت أو بيتين؛ فماذا عن الباقي؟! وماذا عن شرَّاح هذه القصائد الذين يؤكدون هذه المعاني ويتتابعون عليها في شرح قصائده؟
    !

    وهذا كله لا يمنعنا أن نشيد بقوةِ شِعْره وجزالته، سواء كان من شعر مديح المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أو ما فيه من حِكَمٍ ودُرَرٍ، فمن مليح المديح قوله في البردة
    :

    أكــرِمْ بخَلْـقِ نبيٍّ زانَــهُ خُلُـقٌ = بالحُسـنِ مشـتَمِلٌ بالبِشْـرِ مُتَّسِـمِ


    كالزَّهرِ في تَرَفٍ والبـدرِ في شَـرَفٍ = والبحرِ في كَــرَمٍ والـدهرِ في هِمَمِ

    وقوله واصفاً الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ
    :

    هُمُ الجبـالُ فَسَـلْ عنهُم مُصَادِمَهُم = مــاذا لَقِي منهمُ في كُـلِّ مُصطَدَمِ

    وَسَـلْ حُنَيْناً وَسَـلْ بَدْراً وَسَلْ أُحُداً = فُصـولُ حَتْفٍ لَهم أدهى مِنَ الوَخَمِ

    كــأنَّهُم في ظُهورِ الخَيْلِ نَبْتُ رُبـىً = مِن شِـدَّةِ الحَزْمِ لا مِن شَـدَّةِ الحُزُمِ


    وفيها من الحكم الكثير، كمثل قوله
    :

    والنفسُ كالطفلِ إن تهمله شبَّ على = حبِّ الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ

    فاصرف هواها وحاذر أن توليه = إن الهوى ما تولى يُصْمِ أو يَصِمِ

    وراعِها وهي في الأعمالِ سائمةٌ = وإن هي استحلتِ المرعى فلا تَسِمِ

    كم حسَّنَتْ لذةً للمرءِ قاتلةً = من حيثُ لم يَدْرِ أنَّ السُّمَّ في الدَّسَمِ

    قد تُنكر العينُ ضوءَ الشَّمس من رمَدٍ = ويُنكر الفمُ طعمَ الماءِ من سقمِ

    وخالفِ النفسَ والشيطانَ واعصِهِما = وإن هما محَّضاك النُّصْحَ فاتهـمِ

    ولا تُطِعْ منهما خَصْماً ولا حَكَمـاً = فأنت تعرفُ كيدَ الخصمِ والحَكَمِ


    ومن بديع شعره
    :

    ذهبَ الشبابُ وسوف أذهبُ مثلما = ذهبَ الشبابُ وما امرؤ بمخلَّدِ

    إنَّ الفناء لكلِّ حيٍّ غايةٌ = محتومةٌ إن لم يكن فكأنْ قَدِ(1
    )


    هذا، وأسأل الله ـ عز وجل ـ أن يهدي ضال المؤمنين، وأن يردَّه إلى الحق رداً جميلاً
    .

    وصـلى الله وسلم على حبيبنا وسيـدنا ونبينا محـمـدٍ عبدِ الله ورسوله، وعلى آله وصحبه أجمعين
    .


    * د. علوي بن عبد القادر السَّقَّاف

    -------------------------------------------------

    (*)
    المشرف على موقع الدرر السنية
    .

    (1) فاق عددُ شروح البردة كثيراً من كتب السنة كصحيح مسلم والكتب الأربعة، فضلاً عن غيرها
    !

    (2) انظر: المدائح النبوية) لمحمود علي مكي (ص 119)، و(العمدة شرح البردة) للهيتمي، ص 53
    .

    (3) انظر: العمدة شرح البردة، ص 41، قال محققه: (ولا يزال الناس يتبركون بها في أقطاب الأرض، فكم ظهر لها من أثر في إبراء المرضى من الذين اعتقدوا شرفها وقدروها قدرها فكانت سبباً في شفائهم ونيل الخيرات والبركات في قراءتها
    ).

    (4) انظر: (العمدة في إعراب البردة) لعبدالله جاجة، ص 17، و (المدائح النبوية في الأدب العربي) لزكي مبارك (142
    ).

    (5) انظر: المدائح النبوية في الأدب العربي،
    142.

    (6) انظر: دائرة المعارف الإسلامية) (3/528
    )

    (7) انظر: ديوان البوصيري، لسيد كيلاني، ص 29
    .

    (8) انظر (حاشية الباجوري على البردة) ص 4 وغيرها، وهذا مما أطبقت عليه كتبهم، لكن منهم من يقول لفه ببردته، ومنهم من يقول ألقاها عليه
    .

    (9) انظر لذلك: مقدمة بردة المديح المباركة، ص 15، و (العمدة في إعراب البردة) ص 19
    .

    (10) من هؤلاء: علاَّمة اليمن محمد بن علي الشوكاني في الدر النضيد في (إخلاص كلمة التوحيد) ص 59، وعلاَّمة العراق محمود شكري الآلوسي في (غاية الأماني في الرد على النبهاني) (2/349)، وعدد من علماء نجد، وكثير من المعاصرين
    .

    (1) انظر على سبيل المثال: بردة المديح المباركة، ص 9، و (العمدة شرح البردة، ص 41
    .

    (2) كان على صلة بأبي الحسن الشاذلي صاحب الطريقة المشهورة عند الصوفية ولما مات لازم تلميذه ووارث طريقته أبا العباس المرسي. يقول مادحاً الشاذلي وطريقته كما في ديوان البوصيري، للطباع، ص 105
    :

    ويقول مادحاً أبا العباس المرسي كما في ديوان البوصيري، للطباع، ص 108
    :

    (3) انظر: شذرات الذهب، لابن العماد (5/432)، الوافي بالوفيات، للصفدي (3/105)، فوات الوفيات، للكتبي (3/362)، المقفى الكبير، للمقريزي (5/661)، (حسن المحاضرة، للسيوطي
    ) (1/570).

    (4) تفاجأ وأنت تقرأ لبعض المعاصرين الألقاب التي تُطلق عليه من مثل: الإمام العالم العامل، وبالغ الهيتمي في مقدمة شرحه للهمزية (1/105) في مدحه فقال: (الشيخ الإمام، العارف الكامل! الهمام، المفنن المحقق، البليغ، الأديب، المدقق، إمام الشعراء، وأشعر العلماء، وبليغ الفصحاء، وأفصح الحكماء.....! وقال فيه الحسن بن محمد الفاسي ـ وهو من المعاصرين ـ عند ترجمته في (طبقات الشاذلية الكبرى، ص 99: (الإمام الرباني، والعارف الصمداني، الأستاذ الفاضل، والملاذ الكامل، شـمس الملة، وبرهـان الأمـة، شـيخ المحققين، وملاذ أهل التمكين... بلغ ـ رضي الله عنه ـ الغوثية الكبرى، ودام له الاجتماع بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة والمنام
    .

    (5) ذكر ذلك المقريزي في المقفى الكبير (5/664) عن اليعمري في مسالك الأبصار، وقال أيضاً (5/669): وحكي أنه كان قليل المعرفة بصناعة الكتابة
    .

    (6) له قصيدة طويلة رائعة سماها المخرج والمردود على النصارى واليهود تدل على أنه كان خبيراً بهم وبمعتقداتهم. انظر: ديوان البوصيري، للطباع،
    158.

    (1) انظر: ديوان البوصيري للطباع، ص 226. في البيت الخامس يشكك أن يكون أولاده من كثرتهم أتت بهم زوجته منه وهو شيخ ليس بالقوَّام! وفي البيت التاسع تمنى لو استبدل حلالها وهو الزواج بحرام حتى لا يتحمل تبعة الأبناء، وفي البيت العاشر تمنى لو أنه حصَّن دينه بغلام بدلاً عن زوجة كبعض الذين يعرفهم! والعياذ بالله
    .

    (2) انظر: ديوان البوصيري، ص 1119
    .

    (3) انظر: ديوان البوصيري، ص 156
    .

    (4) انظر: ديوان البوصيري، ص 227
    .

    (5) انظر: ديوان البوصيري، ص 149
    .

    (6) انظر: ديوان البوصيري، ص 115
    .

    (7) انظر الصفحات: 81، 84، 112، 116، 120، 128، 140، 147، 150، 228، وغيرها من ديوان البوصيري، للطباع
    .

    (1) انظر: ديوان البوصيري، ص 112
    .

    (2) انظر: ديوان البوصيري، ص 117
    .

    (3) هناك من أمور الغيب ما أطلعه الله على من ارتضاهم من رسله ومنهم نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، لكن البوصيري يزعم أن ما في اللوح المحفوظ بعضٌ مما عنده - صلى الله عليه وسلم - فقوله: (ومن علومك) من هنا: للتبعيض، ولذلك يقول الهيتمي شارحاً هذا البيت: «ووجه كون علم اللوح المحفوظ من بعض علومه - صلى الله عليه وسلم - أن الله أطلعه ليلة الإسراء على جميع ما في اللوح المحفوظ وزاده علوماً أخر كالأسرار المتعلقة بذاته ـ سبحانه وتعالى ـ وصفاته» انظر: (العمدة شرح البردة)، ص 699، ولما حارَ بعضهم وأراد أن يخرج من هذا المأزق أتى بما يُضحك فقال: (قال الشُّراح: المراد باللوح ما يكتب الناس عليه، وبالقلم: ما يكتبون به، فكأنه قال: ومن علومك علم الناس الذي يكتبونه بأقلامهم في ألواحهم. انظر: نحت حديد الباطل وبرده) لداود النقشبندي، ص 39، (البلسم المريح من شفاء القلب الجريح) لعمر كامل، ص
    14.

    (4) انظر: المنح المكية شرح الهمزية للهيتمي (1/146
    ).

    (1) انظر: العمدة شرح البردة للهيتمي، ص 289
    .

    (2) انظر: المنح المكية شرح الهمزية
    ) (2/652).

    (3) انظر: العمدة شرح البردة، ص 411 ـ 413
    .

    (4) انظر: ديوان البوصيري، ص 60
    .

    (5) انظر: ديوان البوصيري، ص 90
    .

    (6) انظر: ديوان البوصيري، ص 92
    .

    (1) انظر: ديوان البوصيري، ص 103.

    __________________

    نقلاً عن

    http://www.soharcity.com/vb/showthread.php?t=2245
    [/size]
    avatar
    أبو عبد الرحمن عبد المحسن
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 601
    العمر : 34
    البلد : مصر
    العمل : طالب
    شكر : 0
    تاريخ التسجيل : 08/05/2008

    مميز رد: قوادح عقدية في بردة البوصيري

    مُساهمة من طرف أبو عبد الرحمن عبد المحسن في 21.08.08 11:12

    Laughing

    Cool

    أبوعبدالملك النوبي الأثري
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 849
    العمر : 38
    البلد : مصر السنية
    العمل : تسويق شركة كمبيوتر
    شكر : -1
    تاريخ التسجيل : 10/05/2008

    مميز رد: قوادح عقدية في بردة البوصيري

    مُساهمة من طرف أبوعبدالملك النوبي الأثري في 21.08.08 15:11

    Crying or Very sad
    :P
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: قوادح عقدية في بردة البوصيري

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 30.08.08 17:10

    الغلو والشرك في قصيدة البردة

    جاءت النصوص مبينة أمرين مهمين في حق النبي صلى الله عليه وسلم:

    الأول: بشريته، وكونه خلقا من خلق الله تعالى، من ولد آدم، ولد وعاش ومات كغيره من بني آدم.

    الثاني: أنه أفضل البشر، وأحسنهم، وأعلاهم، وأقربهم إلى الله تعالى .

    فمن النصوص في المعنى الأول قوله تعالى:

    { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون }.

    { قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا * قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشد * قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا }..

    { قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحي إلي وما أنا إلا نذير مبين }.

    { ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين }..

    { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفئن مت فهم الخالدون }..

    والآيات في المعنى كثيرة، أما الأحاديث فمنها:

    ما رواه الإمام البخاري بسنده عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

    ( لا تُطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مرين، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله ) .

    وما رواه الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم:
    ما شاء الله وشئت! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
    ( أجعلتني والله عدلا؟!بل ما شاء الله وحده ) .

    وما رواه الإمام أحمد بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا قال:
    يا محمد! يا سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا، وابن خيرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    ( يا أيها الناس! عليكم بتقواكم، لا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ) .

    وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تربية أصحابه رضوان الله عليهم على هذا المعنى، وهو أن النبي - مهما بلغ – فلن يبلغ أن يكون إلهاً وربا مسؤولا، فكان حرصهم رضوان الله عليهم على طلب مرضاة الله تعالى وسؤاله والرغبة إليه فوق كل شيء، ولم يكن في قلوبهم الرغبة إلى المخلوق أو طلب الحسْب منه مهما كان شأنه .

    ومن أمثلة ذلك:
    ما رواه الإمام البخاري في حادثة الإفك بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت:
    " فلما سُري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُري عنه وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها:
    ( يا عائشة! أما الله عز وجل فقد برأك )
    فقالت لي أمي: قومي إليه، قالت: فقلت: والله لا أقوم إليه، فإني لا أحمد إلا الله تعالى" .
    وما رواه الإمام البخاري – أيضا - بسنده عن كعب بن مالك رضي الله عنه في قصة توبته قال:
    فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
    ( أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك)
    قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله؟، فقال:
    ( لا، بل من عند الله ) .
    و لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قام أبو بكر رضي الله فقال كما روى الإمام البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما:" أما بعد:

    فمن كان منكم يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله:
    { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين }" .

    ذلك فيما يتعلق بالأمر الأول، وهو بشريته صلى الله عليه وسلم.

    أما فيما يتعلق بالأمر الثاني، وهو أفضليته صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق، فاصطفاؤه بالرسالة الكاملة الخاتمة الشاملة، وتقديمه على الخواص من الأنبياء والرسل، واتخاذه خليلا، وجعله سيد ولد آدم، واختصاصه بأنواع من الشفاعة، روى الإمام مسلم بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    ( لو كنت متخذا خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا ) .

    وروى مسلم - أيضا – بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع ) .

    وروى الإمام أحمد بسنده عن عبد المطلب بن ربيعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    ( أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ألا إن الله خلق خلقه، فجعلني من خير خلقه، ثم فرقهم فرقتين فجعلني من خير الفرقتين، ثم جعلهم قبائل فجعلني من خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلني من خيرهم بيتا، وأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا) .

    ويكفي من ذلك كله أن الله تعالى شهد له بالعبودية الكاملة، ووصفه بها في أشرف المواطن، في الإسراء والمعراج في أول سورة الإسراء، وفي مقام التحدي في سورة البقرة، وفي مقام الدعوة في سورة الجن.
    فقد وصف بالعبودية في هذه المواطن الشريفة، مما يدل على أن هذا الوصف هو وصف تشريف وتكريم، وليس انتقاصا كما قد يظن من يظن.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم عبد رسول، كما وصف هو نفسه بذلك في قوله الذي رواه الإمام البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
    ( إنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله) .

    وفي هذا رد على طائفتين غاليتين:
    الأولى: مفْرِطة، رفعته فوق منزلته، فجعلته فوق مرتبة العبودية، في مرتبة الربوبية والألوهية، حتى صار عندها إلها وربا مسؤولا.

    الثانية: مفَرِّطة، لم تعرف منزلته ولا قدره ولا حقوقه، فعاملته كسائر البشر، فلم ترفع بهديه رأسا.
    فوصفه بالعبودية رد على الطائفة الأولى، ووصفه بالرسالة رد على الطائفة الثانية، وهذا هو التوسط، وهو خير الأمور، وبذلك نعطي النبي حقه ومنزلته، دون غلو أو إجحاف.

    فمن كلام الغالين في حق النبي صلى الله عليه وسلم ما قاله البوصيري في البردة التي يرددها ملايين الصوفية في العالم، في كل آن، خاصة في الموالد النبوية في شهر ربيع:
    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به..........سواك عند حلول الحادث العمم
    ولن يضيق رسول الله جاهك بي...........إذا الكريم تجلى باسم منتقم
    فإن من جودك الدنيا وضرتها............ومن علومك علوم اللوح والقلم

    فهذا هو الغلو بعينه ، بل هو الشرك والكفر الأكبر، حيث استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فقد استغاث به وهو ميت، والميت لا يستغاث به، فهو لا يقدر على شيء..

    ثم إنهم زعموا أن هذه الاستغاثة إنما تكون يوم القيامة..

    ولو فرضنا الأمر كما قالوا، فكيف لهم أن يتقدموا بهذه الاستغاثة في الدنيا قبل حلول الآخرة؟..

    إنهم استغاثوا به حال موته ، وهذا هو المحرم.

    ثم الزعم أن الدنيا والآخرة إنما هما من جود النبي صلى الله عليه وسلم:
    فهل هما من جود النبي؟..
    هل أوجدهما النبي؟..
    أم وجدا لأجل النبي؟...
    أما الأول فباطل لا ريب، فلا خالق إلا الله..
    أما الثاني فهو الغلو بعينه، ومن أين لهم أن الدنيا والآخرة ما وجدتا إلا لأجل النبي صلى الله عليه وسلم؟، بل عندنا أن الله ما خلق الخلق إلا لعبادته، قال تعالى:
    { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون }.
    ثم القول بأن من علوم النبي علم اللوح والقلم، فذلك معناه أن علم النبي زيادة على ما في اللوح والقلم، إذن هو يعلم ما كان وما لم يكن، وزيادة، وهذا باطل، فالنبي لا يعلم ما في غد، إلا شيئا علمه الله، والله تعالى لم يعلمه كل شيء، وقد قال الله تعالى:
    { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون }.
    أما هؤلاء فيزعمون أن النبي يعلم كل شيء في اللوح وزيادة، ويدعون أن الله علمه، وذلك باطل، ولم يكن، ولو كان لما أخبر النبي عن نفسه أنه لا يعلم الغيب، ولما مسه السوء..
    وهؤلاء بلاياهم وغلوهم كبير في النبي، فهذا ابن عربي يقول:
    " بدء الخلق الهباء، وأول موجود فيه الحقيقة المحمدية الرحمانية" الفتوحات المكية 1/118
    ويقول الحلاج:
    " أنوار النبوة من نوره برزت، وأنوارهم من نوره ظهرت، وليس في الأنوار نور أنور وأظهر وأقدم سوى نور صاحب الكرم... همته سبقت الهمم، ووجوده سبق العدم، واسمه سبق القلم، لأنه كان قبل الأمم... العلوم كلها قطرة من بحره.. والأزمان ساعة من دهره" الطواسين 13
    وقال ابن الدباغ:
    " اعلم أن أنوار المكونات كلها من عرش وفرش وسموات وأرضين وجنات وحجب وما فوقها وما تحتها إذا جمعت كلها وجدت بعضا من نور محمد، وأن مجموع نوره لو وضع على العرش لذاب، ولو وضع على الحجب السبعين التي فوق العرش لتهافتت، ولو جمعت المخلوقات كلها ووضع ذلك النور العظيم عليه لتهافتت وتساقطت" هذه هي الصوفية ص87 نقلا عن محبة الرسول ص203
    فمثل هذا هو الغلو، وهو رفع للنبي فوق منزلته، والله لا يرضى بذلك، ولا النبي صلى الله عليه وسلم..

    أبو سارة
    abu_sarah@maktoob.com
    المصدر
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز ذو صلة

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 30.08.08 21:22

    قول العلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين

    في البردة

    قال العلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين في كتابه الرد على البردة :

    قوله :

    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم

    إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل : يا زلة القدم

    فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم

    مقتضى هذه الأبيات إثبات علم الغيب للنبي صلى الله عليه وسلم وأن الدنيا والآخرة من جوده وتضمنت الاستغاثة به صلى الله عليه وسلم من أعظم الشدائد ورجاءه لكشفها وهو الأخذ بيده في الآخرة وإنقاذه من عذاب الله

    وهذه الأمور من خصائص الربوبية والألوهية التي ادعتها النصارى في المسيح عليه السلام وإن لم يقل هؤلاء إن محمداً هو الله أو ابن الله ولكن حصلت المشابهة للنصارى في الغلو الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم بقوله :

    " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبدالله ورسوله "

    والإطراء هو المبالغة في المدح حتى يؤول " الأمر إلى " أن يجعل المدح شيء من خصائص الربوبية والألوهية .

    وهذه الألفاظ صريحة في الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم كقوله :

    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك . . أي وإلا فأنا هالك

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه :

    " لا ملجأ منك إلا إليك " . . .

    المصدر
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: قوادح عقدية في بردة البوصيري

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 30.08.08 21:24

    قول الشيخ ابن عثيمين في البردة

    فإننا نسمع أنه يلقى في هذه الاحتفالات من القصائد ما يخرج عن الملة قطعاً كما يرددون قول البوصيري :

    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به *** سواك عند حدوث الحادث العمم

    إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي *** صفحاً وإلا فقل يا زلة القدم

    فإن من جودك الدنيا وضرتها *** ومن علومك علم اللوح والقلم

    مثل هذه الأوصاف لا تصح إلا لله عز وجل ، وأنا أعجب لمن يتكلم بهذا الكلام إن كان يعقل معناه كيف يسوغ لنفسه أن يقول مخاطباً النبي عليه الصلاة والسلام : ( فإن من جودك الدنيا وضرتها ) ومن للتبعيض والدنيا هي الدنيا وضرتها هي الآخرة ، فإذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول عليه الصلاة والسلام ، وليس كل جوده ، فما الذي بقي لله عز وجل ، ما بقي لله عز وجل ، ما بقي له شيء من الممكن لا في الدنيا ولا في الآخرة .

    وكذلك قوله : ( ومن علومك علم اللوح والقلم ) ومن : هذه للتبعيض ولا أدري ماذا يبقى لله تعالى من العلم إذا خاطبنا الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الخطاب .

    ورويدك يا أخي المسلم .. إن كنت تتقي الله عز وجل فأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلته التي أنزله الله .. أنه عبد الله ورسوله فقل هو عبدالله ورسوله ، واعتقد فيه ما أمره ربه أن يبلغه إلى الناس عامة :

    ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لك إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) ( الأنعام : 50 )

    وما أمره الله به في قوله :
    ( قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً ) ( الجن : 21 )

    وزيادة على ذلك :
    ( قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً ) ( الجن : 22 )

    حتى النبي عليه الصلاة والسلام لو أراد الله به شيئاً لا أحد يجيره من الله سبحانه وتعالى .

    المصدر
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: قوادح عقدية في بردة البوصيري

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 30.08.08 21:28

    حكم دعاء غير الله تعالى

    هل يجوز أن نقول " يا رسول الله " ؟


    الإجابة:

    الحمد لله..

    لا يجوز دعاء غير الله لا في الرخاء ولا عند الشدة مهما عظم شأن المدعو ، ولو كان نبياً مقرباً ، أو ملكاً من ملائكة الله ؛ لأن الدعاء عبادة .

    عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

    " الدعاء هو العبادة " ، ثم قرأ :

    { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } رواه الترمذي ( 2895 ) وابن ماجه ( 3818 ) . وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2370) .

    والعبادة حق خالص لله تعالى ، فلا يجوز أن تصرف لغيره ، ولذلك أجمع المسلمون على أن من دعا غير الله تعالى فهو مشرك .

    فال شيخ الإسلام ابن تيمية :
    فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين . " مجموع الفتاوى " ( 1 / 124 ) .

    وقال ابن القيم رحمه الله :
    ومِن أنواعه - يعني الشرك – طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم وهذا أصل الشرك . " فتح المجيد " ( ص 145 ) .

    ولذلك وصف الله تعالى من دعا غيره بأنه لا أحد أضل منه ، قال الله تعالى :
    { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } [ الأحقاف: 5-6 ]

    وكيف يُدعَى غير الله ، والله تعالى قد أخبر عن عجزهم بقوله :
    { وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [ فاطر: 13-14 ] .

    قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ :
    يخبر تعالى عن حال المدعوين من دونه من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها بما يدل على عجزهم وضعفهم وأنهم قد انتفت عنهم الأسباب التي تكون في المدعو ، وهي الملك وسماع الدعاء والقدرة على استجابته اهـ . " فتح المجيد " ( ص 158 ) .

    وكيف يُدعَى الرسول صلى الله عليه وسلم ، والله تعالى أمره أن يقول :
    { قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا } [الجن: 21].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم :
    " إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ " .
    رواه الترمذي (2516) . وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2043) .

    ولذلك فإنه لا شك في خطأ من مدح الرسول صلى الله عليه وسلم ، بقوله :

    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به *** سواك عند حلول الحادث العمم

    وخطَّأه في ذلك كبار العلماء :
    قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في تعليقه على كتاب "فتح المجيد" بشأن "بردة البوصيري" والتي فيها هذا الكلام :

    وحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فأنا عبد الله ورسوله " وإنما تعظيمه وحبه باتباع سنته وإقامة ملته ودفع كل ما يلصقه الجاهلون بها من الخرافات ، فقد ترك أكثر الناس هذا ، وشغلوا بهذا الغلو والإطراء الذي أوقعهم في هذا الشرك العظيم . " فتح المجيد " ( ص 155 ) .

    هذا ، ولم يُعلم أن صحابيّاً واحداً كان يستغيث بالرسول أو يدعو الرسول ولا نُقِلَ ذلك عن عالمٍ من العلماء المعتبرين ، إلا ما كان مِن خرافات المنحرفين .

    فإذا حزبك أمرٌ فقل : يا الله ، فهو الذي يستجيب الدعاء ، ويفرج الكروب ، ويصرف الأمور .

    والله أعلم.


    المصدر
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: قوادح عقدية في بردة البوصيري

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 30.08.08 21:32

    الرد على من اعترض على الشيخ ابن عثيمين في نقده لبردة البوصيري

    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله أما بعد

    فقد أنكر الشيخ ابن عثيمين على البوصيري غلوه في البردة ومن ذلك قول البوصيري :

    فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم

    قال الشيخ ابن عثيمين :
    (( مثل هذه الأوصاف لا تصح إلا لله عز وجل ، وأنا أعجب لمن يتكلم بهذا الكلام إن كان يعقل معناه كيف يسوغ لنفسه أن يقول مخاطباً النبي عليه الصلاة والسلام : ( فإن من جودك الدنيا وضرتها ) ومن للتبعيض والدنيا هي الدنيا وضرتها هي الآخرة ، فإذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول عليه الصلاة والسلام ، وليس كل جوده ، فما الذي بقي لله عز وجل ، ما بقي لله عز وجل ، ما بقي له شيء من الممكن لا في الدنيا ولا في الآخرة .

    وكذلك قوله : ( ومن علومك علم اللوح والقلم ) ومن : هذه للتبعيض ولا أدري ماذا يبقى لله تعالى من العلم إذا خاطبنا الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الخطاب . . ))

    فاعترض أحد الكتاب على قول الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله تعالى - :

    (( فما الذي بقي لله عز وجل ؟؟ ))

    زاعما أن الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله تعالى - بهذا الكلام قد حد علم الله تعالى وحد جوده وكرمه ، كما زعم أنه لم يسبق الشيخ أحد من العلماء في الإنكار على البوصيري :

    وجوابا على هذا يقال : مدار الكلام على أمرين :

    الأمر الأول : اتهام الشيخ محمد بن عثيمين بأنه يرى أن علم الله محدود وكذا جوده وكرمه ، لأن الشيخ قال : (( فما الذي بقي لله عز وجل ؟؟ ))

    وهذا الفهم لكلام الشيخ غير صواب من وجهين :

    أحدهما : أن الشيخ رحمه الله تعالى في كتبه ورسائله يقرر أن علم الله شامل لكل شيء وأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون ، وهذا لا ينكره إلا معاند مكابر ، أو جاهل بمؤلفات الشيخ وكلامه وكذا ما قرره الشيخ في جود الله وكرمه , وإذا تقرر هذا فإن كلام الشيخ يفهم مجموعا بعضه إلى بعض .
    الثاني : أن هذا الذي ذكره الشيخ على سبيل الاستفهام الإنكاري سائغ في لغة العرب ، ألا ترى أن الملك من ملوك الدنيا يكون له ملك عظيم ، فإذا تجرأ أحد على شيء عظيم من ملكه صح أن يقال : وماذا أبقى فلان للملك ؟ على سبيل الإنكار والاستفهام , ولا مفهوم له ، ولا يُلزم قائله بمفهوم مخالفته ، خاصة وأنه لم يكن خارجا ممن يصح أن يكون قوله تشريعاً.

    والشيخ رحمه الله حين أنكر على البوصيري هذه المقالة واستعظمها هو في ذلك معتمد على النصوص الشرعية كقوله تعالى :

    ((قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ))

    ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم ما في اللوح المحفوظ لم يكن لهذه الآية معنى صحيح ، وكذا في قصة الإفك ، وشجه صلى الله عليه وسلم وكسر رباعيته في أحد ، كل هذا وأمثاله مكتوب في اللوح المحفوظ ومع ذلك لم يعلمه صلى الله عليه وسلم حتى أعلمه الله ووقع عليه ، فدل هذا على بطلان قول البوصيري من أنه صلى الله عليه وسلم يعلم ما في اللوح المحفوظ

    الأمر الثاني : وهو ما ذكره الكاتب من أن أحدا لم يسبق الشيخ في الإنكار على البوصيري ، وهذا قول مغالط أو جاهل ، فإن الشيخ قد سبق بالإنكار على البوصيري من جمع من أهل العلم سواء هذا البيت أو غيره من أبيات البردة ، وتركا للإطالة فأحيل الكاتب والقاريء إلى كتاب : ( بردة البوصيري بالمغرب والأندلس ) للأستاذ سعيد بن الأحرش ص 570 فما بعدها فقد ذكر بعض الأبيات التي أنكرت على البوصيري .

    الشيخ / عبد العزيز السعيد
    avatar
    أبو محمد عبدالحميد الأثري
    المدير العام .. وفقه الله تعالى

    ذكر عدد الرسائل : 3581
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 7
    تاريخ التسجيل : 25/04/2008

    مميز رد: قوادح عقدية في بردة البوصيري

    مُساهمة من طرف أبو محمد عبدالحميد الأثري في 05.12.08 9:47

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

    أما بعد : هذه ( بردة التوحيد ) حقاً لا ( بردة الشرك والوثنية )

    يا خالق الخلق ما لي من ألوذ به ########################* سواك عند حلول الحادث العممِ

    فإن من جودك الدنيا وضرتها ########################* ومن علومك علم اللوح والقلمِ

    إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ######################## فضلاً وإلاّ فقد زليت بالقدمِ

    يا من له الخلق ثم الأمر يا صمدٌ ########################* لولاك لم تخرج الدنيا من العدمِ

    يا واحداً ليس لي رب سواه ولا ########################* ندٌ له يدعى كالجنِّ والصنمِ

    يا من ألوذ به عمّا أحــاذره ######################## يا من أنادِ اسمه في السلمِ والنِّقمِ

    يا من أمدّ له في كلّ معضلةٍ ########################* يد الضراعة في الإصباح والظُلَمِ

    يا من يجير ولا يرضى بمظلمةٍ ########################* ويكشف الظلم عمّن بات بالألمِ

    يا كاشف الكرب يا نصراً لناصره ########################* يا مسبغ الفضل من عفوٍ ومن نعمِ

    سألتك الله قصراً لا نظير له ######################## في جنة الخلد أعلى عاليَ القممِ

    الجار أحمد والأصحاب رفقته ######################## يا ربِّ يا مولاي يا واسع الكرمِ

    ربّ ابني لي عندكم داراً أكون بها ######################## ونجّني من ديار الظلمِّ والسّقمِ

    ونجّني من ديار الشركِ أجمعها ######################## ونجّني من ذوي الإشراكِ كلِّهمِ

    قوم يلوذون بالأوثان مخبتةً ################* لها الوجوه من عُربٍ ومن عجمِ

    ويعكفون على ذاك الضريح وهم ################* ما بين محتضنٍ أيضاً ومستلمِ

    وهم ينادون يا جيلان أدركنا ######################## يا عيدروس أغث واحمِ من النقمِ !

    وقرّبوا عندها القربان منسفكاً ################* لها الدماءُ من الأبقارِ والغنمِ

    ويزعمون لها التدبير واعتقدوا ################* في القطبِ والغوثِ والأوتادِ والنُّجُمِ

    لطفاً من هنــــــــا




    .


    حياكم الله أخي ( زائر ) نرحب بالعضو الجديد ( شكري القبلي )

    أبو عبد الله أحمد بن نبيل
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 2792
    العمر : 41
    البلد : مصر السنية
    العمل : طالب علم
    شكر : 19
    تاريخ التسجيل : 27/04/2008

    مميز رد: قوادح عقدية في بردة البوصيري

    مُساهمة من طرف أبو عبد الله أحمد بن نبيل في 31.01.09 19:25

    أقوال علماء السنة في قصيدة البردة
    كلام الإمام محمد بن عبدالوهاب في قصيدة البردة

    قال : الإمام محمد بن عبدالوهاب : " في تفسير سورة الفاتحة " وأما الملك فيأتي الكلام عليه ، وذلك أن قوله: ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) وفي القراءة الأخرى ( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) فمعناه عند جميع المفسرين كلهم ما فسره الله به في قوله ك ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ
    الدِّينِ {17} ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ {18} يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ {19}‏ ([ سورة الانفطار الآيات: 17/19]. فمن عرف تفسير هذه الآية ، وعرف تخصيص الملك بذلك اليوم ، مع أنه سبحانه مالك كل شيء ذلك اليوم وغيره، عرف أن التخصيص لهذه المسألة الكبيرة العظيمة التي بسبب معرفتها دخل الجنة من دخلها ، وسبب الجهل بها دخل النار من دخلها، فيالها من مسألة لو رحل الرجل فيها أكثر من عشرين سنة لم يوفها حقها، فأين هذا المعني والإيمان بما صرح به القرآن ، مع قوله صلى الله عليه وسلم : (( يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاُ )) [ أخرجه البخاري في صحيحة: كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب رقم: 2753 ، والنسائي في سننه: كتاب الوصايا إذا أوصى لعشيرته الأقربين
    (6/ 248-250) رقم : 3644، 3646، 3647، من حديث أبي هريرة.
    من قول صاحب البردة:
    ولن يضيق رسول الله جاهك بي ***** اذا الكريم تحلي بأسم منتقم
    فإن لي ذمة منه بتسميتي ***** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم
    إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يازلة القدم
    فليـتأمل من نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها ، ومن فتن بها من العباد، وممن يدعى أنه من العلماء واختاروا تلاوتها على تلاوة القرآن
    هل يجتمع في قلب عبد التصديق بهذه الأبيات والتصديق بقوله: ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله) وقوله: : (( يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاُ )) لا والله ، لا والله لا والله إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق ، وأن فرعون صادق ، وأن محمداً صادق على الحق ، وأن أبا جهل صادق على الحق . لا والله ما استويا ولن يتلاقيا حتى تشيب مفارق الغربان.
    فمن عرف هذه المسألة وعرف البردة ، ومن فتن بها عرف غربة الإسلام وعرف أن العدل واستحلال دمائنا وأموالنا
    ونسائنا، ليس عن التكفير والقتال ، بل هم الذين بدءونا بالتكفير وعند قوله: ( فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ) [سورة الجن الآية :
    18].وعند قوله: (أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) [سورة الإسراء: الآية : 57]. وقوله: ( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ) [سورة الرعد الآية: 14]. فهذا بعض المعاني في قوله : ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) بإجماع المفسرين كلهم ،وقد فسرها الله سبحانه في سورة ( إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ ) (
    الإنفطار : 1 ) كما قدمت لك
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    تفسير سورة الفاتحة من مؤلفات الإمام محمد بن عبدالوهاب ص 13 المجلد الخامس
    كلام العلامة محمد بن على الشوكاني في البردة :
    فانظر رحمك الله تعالى ما وقع من كثير من هذه الأمة من الغلو المنهى عنه المخالف لما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما يقوله صاحب البردة رحمه الله تعالى :
    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
    فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبدالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لله وإنا إليه راجعون . وهذا باب واسع ، قد تلاعب الشيطان بجماعة من أهل الإسلام حتى ترقوا إلى خطاب غير الأنبياء بمثل هذا الخطاب ، ودخلوا من الشرك في أبواب بكثير من الأسباب .
    ومن ذلك قول من يقول مخاطباً لابن عجيل :
    هات لي منك يابن موسى إغاثة ***** عاجلاً في سيرها حثاثة
    فهذا محض الاستغاثه التي لاتصلح لغير الله لميت من الأموات قد صار تحت أطباق الثرى من مئات السنين .
    وقد وقع في البردة والهمزية شيء كثير من هذا الجنس ، ووقع أيضاً لمن تصدى لمدح نبينا محمد
    صلى الله عليه وسلم ولمدح الصالحين والأئمة الهادين ما لا يأتي عليه الحصر ، ولا يتعلق بالاستكثار منه فائدةٌ فليس المراد إلا التنبيه والتحذير لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) .
    ـــــــــــــــــــــــــــــــ
    الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ( 59 / 60 ) ...... ألخ

    وقد قام بنقل هذه الفوائد أخونا
    سلطان الجهني - عفا الله عنه - وجزاه الله خيرا ، وهي بعنوان وها هي الآن على شكل ملف
    وورد ليسهل نشرها وليعم بها النفع - إن شاء الله -.
    وفق الله الجميع لنشر السنة والتحذير من البدع وأهلها.

    نسخه ملف وورد
    الملفات المرفقة
    borda.zip
    نسخة PDF)

    الملفات المرفقة
    borda-pdf.zip
    منقول من سحاب السلفية
    avatar
    أبو عبد الرحمن عبد المحسن
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 601
    العمر : 34
    البلد : مصر
    العمل : طالب
    شكر : 0
    تاريخ التسجيل : 08/05/2008

    مميز أقوال علماء السنة في قصيدة البردة للبوصيري

    مُساهمة من طرف أبو عبد الرحمن عبد المحسن في 04.03.09 22:32


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين و آله و صحبه و من اهتدى بهديه إلى يوم الدين .
    و بعد،
    هذه مجموعة من ردود علماء السنة على قصيدة الشاعر الصوفي محمد بن سعيد بن حمّاد الصنهاجي المعروف بالبوصيري. ولد سنة 608ه‍ وتوفي سنة696ه‍ قد نشرت هذا المقال في السنة الماضية و أعيد نشره للمناسبة و للفائدة و قصيدته المردود عليها هي التي سماها البردة و التي يتغنى بها و ينشدها كثير من المسلمين بمناسبة بدعة عيد المولد النبوي الشريف و غيره من الموالد البدعية و التي ملأها صاحبها بالغلو في مدح النبي صلى الله عليه و سلم حتى و قع في الشرك الأكبر تعالى الله علوا كبيرا على ما يقوله أهل الشرك و الجهل .
    و إليكم ردود أهل العلم عليها:
    1- كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - :
    قال الإمام محمد بن عبد الوهاب : " في تفسير سورة الفاتحة " :
    وأما الملك فيأتي الكلام عليه ، وذلك أن قوله: ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) وفي القراءة الأخرى ( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) فمعناه عند جميع المفسرين كلهم ما فسره الله به في قوله ك ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ {17} ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ {18} يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ {19}‏ )[ سورة الانفطار الآيات: 17/19].
    فمن عرف تفسير هذه الآية ، وعرف تخصيص الملك بذلك اليوم ، مع أنه سبحانه مالك كل شيء ذلك اليوم وغيره، عرف أن التخصيص لهذه المسألة الكبيرة العظيمة التي بسبب معرفتها دخل الجنة من دخلها ، وسبب الجهل بها دخل النار من دخلها، فيا لها من مسألة لو رحل الرجل فيها أكثر من عشرين سنة لم يوفها حقها، فأين هذا المعني والإيمان بما صرح به القرآن ، مع قوله صلى الله عليه وسلم : (( يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاُ )) [ أخرجه البخاري في صحيحة: كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب رقم: 2753 ، والنسائي في سننه: كتاب الوصايا إذا أوصى لعشيرته الأقربين (6/ 248-250) رقم : 3644، 3646، 3647، من حديث أبي هريرة.
    من قول صاحب البردة:
    ولن يضيق رسول الله جاهك بي ***** اذا الكريم تحلي بأسم منتقم
    فإن لي ذمة منه بتسميتي ***** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم
    إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً و إلا فقل يازلة القدم
    فليـتأمل من نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها ، ومن فتن بها من العباد، وممن يدعى أنه من العلماء واختاروا تلاوتها على تلاوة القرآن .
    هل يجتمع في قلب عبد التصديق بهذه الأبيات والتصديق بقوله: ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله) وقوله: : (( يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاُ )) لا والله ، لا والله لا والله إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق ، وأن فرعون صادق ، وأن محمداً صادق على الحق ، وأن أبا جهل صادق على الحق . لا والله ما استويا ولن يتلاقيا حتى تشيب مفارق الغربان.
    فمن عرف هذه المسألة وعرف البردة ، ومن فتن بها عرف غربة الإسلام وعرف أن العدل واستحلال دمائنا وأموالنا ونسائنا، ليس عن التكفير والقتال ، بل هم الذين بدءونا بالتكفير وعند قوله: ( فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ) [سورة الجن الآية : 18].وعند قوله: (أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) [سورة الإسراء: الآية : 57]. وقوله: ( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ) [سورة الرعد الآية: 14].
    فهذا بعض المعاني في قوله : ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) بإجماع المفسرين كلهم ،وقد فسرها الله سبحانه في سورة ( إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ ) [ الانفطار : 1] كما قدمت لك.
    ( تفسير سورة الفاتحة من مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب ص 13 المجلد الخامس )
    -------------------------------------------------
    2- كلام العلامة المجدد عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله - :
    قال العلامة المجدد عبد الرحمن بن حسن :
    وقد ذكر شيخ الإسلام ، عن بعض أهل زمانه : أنه جوّز الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يستغاث فيه بالله . وصنف في ذلك مصنفاً ، رده شيخ الإسلام ، ورده موجود بحمد الله .
    ويقول : إنه يعلم مفاتيح الغيب ، التي لا يعلمها إلا الله . وذكر عنهم أشياء من هذا النمط . نعوذ بالله من عمى البصيرة .
    وقد اشتهر في نظم البوصيري ، قوله :
    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم !َ!
    وما بعده في الأبيات ، التي مضمونها : إخلاص الدعاء ، واللياذ والرجاء والاعتماد في أضيق الحالات ، وأعظم الاضطرار لغير الله .
    فناقضوا الرسول صلى الله عليه وسلم في ارتكاب ما نهى عنه أعظم مناقضة ، وشاقوا الله ورسوله أعظم مشاقة .
    وذلك أن الشيطان أظهر لهم هذا الشرك العظيم ، في قالب محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه . وأظهر لهم التوحيد والإخلاص ، الذي بعثه الله به في قالب تنقصه .
    وهؤلاء المشركون هم المتنقصون الناقصون ، أفرطوا فى تعظيمه بمانهاهم عنه أشد النهي ، وفرطوا في متابعته . فلم يعبؤوا بأقواله وأفعاله ، ولارضوا بحكمه ولاسلموا له ، وأنما يحصل تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بتعظيم أمره ونهيه .
    وهؤلاء المشركون عكسوا الأمر . فخالفوا ما بلَّغ به الأمة ، وأخبر به عن نفسه صلى الله عليه وسلم .
    فعاملوه بما نهاهم عنه من الشرك بالله ، والتعلق على غير الله ، حتى قال قائلهم :
    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
    إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل : يا زلةالقدم
    فإن من جودك الدنيا وضرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
    فانظر إلى هذا الجهل العظيم ، حيث اعتقد أنه لا نجاة له إلا بعياذه ولياذه بغير الله .
    وانظر إلى هذا الإطراء العظيم ، الذي تجاوز الحد في الإطراء ، الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم بقوله " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبدٌ ، فقولوا عبدالله ورسوله " رواه مالك وغيره . وقد قال تعالى : ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكن إني ملك ) [ الأنعام : 50 ] .
    فانظر إلى هذه المعارضة العظيمة للكتاب والسنة ، والمحادة لله ورسوله . وهذا الذي يقوله هذا الشاعر هو الذي في نفوس كثير ، خصوصاً ممن يدعي العلم والمعرفة ، ورأوا قراءة هذه المنظومة ونحوها لذلك وتعظيمها من القربات ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
    فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد .
    باب ماجاء أن سبب كفر بنى آدم وتركهم دينهم هو الغلو (1/381) .
    باب قول الله تعالى ( فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ) ( 2/693).
    -------------------------------------------------
    3- كلام العلامة ـالمحدث ـ سليمان بن عبدالله - رحمه الله -:
    قال : العلامة المحدث سليمان بن عبدالله في كتاب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد :
    ومن بعض أشعار المادحين لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم قول البوصيري :
    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
    ولن يضيق رسول الله جاهك بي ***** إذا الكريم تجلى باسم منتقم
    فإن لي ذمة منه بتسميتي ***** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم
    إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم
    فتأمل ما في هذه الأبيات من الشرك .
    منها : أنه نفى أن يكون له ملاذٌ إذا حلت به الحوادث ، إلا النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له ، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو .
    الثاني : أنه دعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه ، وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله ، وذلك هو الشرك في الإلهية .
    الثالث : سؤاله منه أن يشفع له في قوله :
    ولن يضيق رسول الله ... البيت ...
    وهذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوه ، وهو الجاه والشفاعة عند الله ، وذلك هو الشرك ، وأيضاً فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من غيره ، فإن الله تعالى هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لا أن الشافع يشفع ابتداء .
    الرابع : قوله : فإن لي ذمة ... إلى آخره .
    كذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، فليس بينه وبين من اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة ، لا بمجرد الاشتراك في الاسم مع الشرك .
    تناقض عظيم وشرك ظاهر ، فإنه طلب أولاً أن لا يضيق به جاهه ، ثم طلب هنا أن يأخذ بيده فضلاً وإحساناً ، وإلا فيا هلاكه .
    فيقال : كيف طلبت منه أولاً الشافعة ثم طلبت منه أن يتفضل عليك ، فإن كنت تقول : إن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله ، فكيف تدعو النبي صلى الله عليه وسلم وترجوه وتسأله الشفاعة ؟ فهلا سألتها من له الشفاعة جيمعاً ، الذي له ملك السموات والأرض ، الذي لا تكون الشفاعة إلا من بعد إذنه ، فهذا يبطل عليك طلب الشفاعة من غير الله .
    وإن قلت : ما أريد إلا جاهه ، وشفاعته ، بإذن الله .
    قيل : فكيف سألته أن يتفضل عليك ويأخذ بيدك في يوم الدين ، فهذا مضاد لقوله تعالى : ﴿ وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدرك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله ﴾ [ الانفطار ] ، فكيف يجتمع في قلب عبد الإيمان بهذا وهذا .
    وإن قلت : سألته أن يأخذ بيدي ، ويتفضل عليَّ بجاهه وشفاعته .
    قيل : عاد الأمر إلى طلب الشفاعة من غير الله ، وذلك هو محض الشرك .
    السادس : في هذه الأبيات من التبري من الخالق - تعالى وتقدس - والاعتماد على المخلوق في حوادث الدنيا والآخرة ما لا يخفى على مؤمن ، فأين هذا من قوله تعالى : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [ الفاتحة ] ، وقوله تعالى : ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ [ التوبة :129] ، وقوله : ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً ﴾ [ الفرقان:58 ] ، وقوله تعالى : ﴿ قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ ﴾ . [ الجن :21-23 ] .
    فإن قيل : هو لم يسأله أن يتفضل عليه ، وإنما أخبر أنه إن لم يدخل في عموم شفاعته فيا هلاكه . قيل : المراد بذلك سؤاله ، وطلب الفضل منه ، كما دعاه أول مرة وأخبر أنه لا ملاذ له سواه ، ثم صرح بسؤال الفضل والإحسان بصيغة الشرط والدعاء ، والسؤال كما يكون بصيغة الطلب يكون بصيغة الشرط ، كما قال نوح عليه السلام : ﴿ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [ هود:47 ] .
    ومنهم من يقول : نحن نعبد الله ورسوله ، فيجعلون الرسول معبودا .
    قلت: وقال البوصيري :
    فإن من جودك الدنيا وضرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
    فجعل الدنيا والآخرة من جوده ، وجزم بأنه يعلم ما في اللوح المحفوظ ، وهذا هو الذي حكاه شيخ الإسلام عن ذلك المدرس ، وكل ذلك كفر صريح . ومن العجب أن الشيطان أظهر لهم ذلك في صورة محبته عليه السلام وتعظيمه ومتابعته ، وهذا شأن اللعين لابد وأن يمزج الحق بالباطل ليروج على أشباه الأنعام اتباع كل ناعق، الذين لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق ، لأن هذا ليس بتعظيم، فإن التعظيم محله القلب واللسان والجوارح وهم أبعد الناس منه ، فإن التعظيم بالقلب: ما يتبع اعتقاد كونه عبداً رسولاً ، من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين .
    ....... فكيف بمن يقول فيه ؟ !
    فإن من جودك الدنيا وضرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
    ويقول في همزيته :
    هذه علتي وأنت طبيبُ ***** ليس يخفى عليك في القلب داء
    وأشباه هذا من الكفر الصريح .
    كناب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ( ص 621 ).





    .
    avatar
    أبو عبد الرحمن عبد المحسن
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 601
    العمر : 34
    البلد : مصر
    العمل : طالب
    شكر : 0
    تاريخ التسجيل : 08/05/2008

    مميز تابع : أقوال علماء السنة في قصيدة البردة للبوصيري

    مُساهمة من طرف أبو عبد الرحمن عبد المحسن في 04.03.09 22:36

    كلام العلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين - رحمه الله - :
    قال العلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين في كتابه الرد على البردة :
    قوله :
    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
    إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل : يا زلة القدم
    فإن من جودك الدنيا وضرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
    مقتضى هذه الأبيات إثبات علم الغيب للنبي صلى الله عليه وسلم وأن الدنيا والآخرة من جوده وتضمنت الاستغاثة به صلى الله عليه وسلم من أعظم الشدائد ورجاءه لكشفها وهو الأخذ بيده في الآخرة وإنقاذه من عذاب الله ، وهذه الأمور من خصائص الربوبية والألوهية التي ادعتها النصارى في المسيح عليه السلام وإن لم يقل هؤلاء إن محمداً هو الله أو ابن الله ولكن حصلت المشابهة للنصارى في الغلو الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم بقوله : " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبدالله ورسوله " والإطراء هو المبالغة في المدح حتى يؤول " الأمر إلى " أن يجعل المدح شيء من خصائص الربوبية والألوهية .
    وهذه الألفاظ صريحة في الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم كقوله :
    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
    أي وإلا فأنا هالك والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه : " لا ملجأ منك إلا إليك " .
    وقوله :
    إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** ومنقذي من عذاب الله والألم
    أو شافعاً لي ...... إلخ . [ أي ] وإلا هلكت ، وأي لفظ في الاستغاثة أبلغ من هذه الألفاظ وعطف الشفاعة على ما قبلها بحرف أو في قوله : " أو شافعاً لي " صريح في مغايرة ما بعد أو لما قبلها وأن المراد مما قبلها طلب الإغاثة بالفعل والقوة . فإن لم يكن فبالشفاعة .
    والناظم آل به المبالغة في الإطراء الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذا الغلو والوقوع في هذه الزلقة العظيمة ونحو ذلك قوله في خطابه للنبي صلى الله عليه وسلم:
    الأمان الأمان إن فؤادي ***** من ذنوب أتيتهن هراء
    هذه علتي وأنت طبيبي ***** ليس يخفى عليك في القلب داء
    فطلب الأمان من النبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه علة قلبه ومرضه من الذنوب فتضمن كلامه سؤاله من النبي صلى الله عليه وسلم مغفرة ذنبه وصلاح قلبه ، ثم أنه صرّح بأنه لا يخفى عليه في القلب داء فهو يعلم ما احتوت عليه القلوب . وقد قال سبحانه : ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ [التوبة :101] وقال : ﴿ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ [الأنفال:60] وخفى عليه صلى الله عليه وسلم أمر الذين أنزل الله فيهم : ﴿ وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ [النساء:107] الآيات حتى جاء الوحي وخفى عليه صلى الله عليه وسلم أمر أهل الإفك حتى أنزل الله القرآن ببراءة أم المؤمنين رضي الله عنها وهذا في حياته فكيف بعد موته وهذا يقول : " وليس يخفى عليه في القلب داء " يعني أنه يعلم ما في القلوب والله سبحانه يقول : ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران:154/ والتغابن:4] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه فإنما اقطع له قطعة من النار " .
    كتاب الرد على البردة للعلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين ( ت / 1282 هـ ) ( ص 361 / 362 / 363 / 387 / 388 / ) )
    --------------------------
    كلام العلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين في البردة من كتابه كتاب تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس :
    قال العلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين :
    قول الناظم : إن من جودك الدنيا وضرتها : أي من عطائك وإنعامك وإفضالك الدنيا والآخرة ، وهذا كلام لا يحتمل تأويله بغير ذلك ، ووازن بين قول الناظم من جودك الدنيا وضرتها وبين قوله تعالى : ﴿ قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً ﴾ [ الجن :21] وقوله: ﴿ قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [ الأنعام : 50 ] .
    قال ابن كثير : " قل لا أقول لكم عندي خزائم الله " أي خزائن رزقه فأعطيكم ما تريدون (ولا أعلم الغيب ) فأخبركم بما غاب مما مضى وما سيكون ( ولا أقول لكم إني ملك ) ؛ لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه الآدمي ويشاهد ما لا يشاهده الآدمي .
    وقوله تعالى : ﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾[ الأعراف:118] . ص / 25 .
    --------------------------
    وازن بين قول يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك ، وبين قول الذي له النبي صلى الله عليه وسلم : " أجعلتني لله ندًّا حيث قال له ما شاء الله وشئت " . فهذا لو قال ما لي من ألوذ به إلا الله وأنت ، لكان أقبح من قول القائل ما شاء الله وشئت ؛ لأن الله أثبت للعبد مشيئة لقوله : ﴿ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴾ [التكوير:28] ﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ [الإنسان:29] فكيف إذا أفرد الرسول باللياذ والالتجاء من عذاب ذلك اليوم لا تكلم فيه نفس إلا بإذنه ! . ص / 45
    --------------------------
    قول صاحب البردة :
    إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** ومنقذي من عذاب الله والألم
    هو استغاثة بل من أبلغ ألفاظ الاستغاثة، كقول الأبوين ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23] . وقول نـوح : ﴿ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [هود:47] . وقول بني إسرائيل : ﴿ لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الأعراف:149] أترى أن الأبوين وجميع المذكورين يخبرون الله بأنه إن لم يغفر لهم ويرحمهم فهم خاسرون وأن هذا منهم مجرد إخبار ، بل كل أحد يعرف أن هؤلاء الذين أخبر الله عنهم بهذا الكلام يسألون الله ويرغبون إليه في أن يغفر لهم ويرحمهم ومعترفون بأنه إن لم يغفر لهم ويرحمهم فهم خاسرون .
    وأما قول صاحب البردة وقول المشطِّر :
    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمإن
    إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي**** ومنقذي من عذاب الله والألم
    ................................. ***** فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم
    أي وإن لم تأخذ بيدي وتنقذني من عذاب الله فقل يا زلة القدم . أي فأنا خاسر أو هالك ، فهـو كقول الأبوين : ﴿ وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [لأعراف:23] وقول نـوح : ﴿ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [هود:47] . ﴿ لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الأعراف:149] . ص / 58 / 59 .
    -----------------
    كتاب تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس . ص ( 25 / 45 / 58 / 59 )
    للعلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين ـ رحمه الله ـ
    -------------------------------------------------
    5- كلام العلامة محمد بن على الشوكاني – رحمه الله - :
    فانظر رحمك الله تعالى ما وقع من كثير من هذه الأمة من الغلو المنهى عنه المخالف لما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما يقوله صاحب البردة رحمه الله تعالى :
    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
    فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبدالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لله وإنا إليه راجعون .
    وهذا باب واسع ، قد تلاعب الشيطان بجماعة من أهل الإسلام حتى ترقوا إلى خطاب غير الأنبياء بمثل هذا الخطاب ، ودخلوا من الشرك في أبواب بكثير من الأسباب .
    ومن ذلك قول من يقول مخاطباً لابن عجيل :
    هات لي منك يابن موسى إغاثة ***** عاجلاً في سيرها حثاثة
    فهذا محض الاستغاثه التي لاتصلح لغير الله لميت من الأموات قد صار تحت أطباق الثرى من مئات السنين .
    وقد وقع في البردة والهمزية شيء كثير من هذا الجنس ، ووقع أيضاً لمن تصدى لمدح نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولمدح الصالحين والأئمة الهادين ما لا يأتي عليه الحصر ، ولا يتعلق بالاستكثار منه فائدةٌ فليس المراد إلا التنبيه والتحذير لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) .
    الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ( 59 / 60)





    .
    avatar
    أبو عبد الرحمن عبد المحسن
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته
    كان الله تعالى له وجعل ما يفعله في ميزان حسناته

    ذكر عدد الرسائل : 601
    العمر : 34
    البلد : مصر
    العمل : طالب
    شكر : 0
    تاريخ التسجيل : 08/05/2008

    مميز تابع : أقوال علماء السنة في قصيدة البردة للبوصيري

    مُساهمة من طرف أبو عبد الرحمن عبد المحسن في 04.03.09 22:40

    6- كلام العلامة محمد بن صالح بن عثيمين - رحمه الله - :
    قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله في كتابه "القول المفيد على كتاب التوحيد " (1/218) :
    وقد ضل من زعم أن لله شركاء كمن عبد الأصنام أوعيسى بن مريم عليه السلام ، وكذلك بعض الشعراء الذين جعلوا المخلوق بمنزلة الخالق ؛ كقول بعضهم يخاطب ممدوحاً له :
    فكن كمن شئت يامن لاشبيه له ***** وكيف شئت فما خلق يدانيك
    وكقول البوصيري في قصيدته في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم :
    يا أكرمَ الخلْقِ مالي مَن ألوذُ به ***** سواك عند حدوثِ الحادثِ العَمــم
    إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يازلة القدم
    فإن مِن جودك الدنيا وضَرتهـــا ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
    قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله: وهذا من أعظم الشرك لأنه جعل الدنيا والآخرة من جود الرسول صلى الله عليه وسلم، ومقتضاهُ أن الله جل ذكره ليس له فيهما شيء.
    وقال :– أي البوصيري – " ومن علومك علم اللوح والقلم "، يعني : وليس ذلك كل علومك ؛ فما بقي لله علمٌ ولا تدبيرٌ ـ والعياذ بالله ـ . أ. هـ
    القول المفيد على كتاب التوحيد (1/218).
    -------------------------------------------------
    7- كلام العلامة صالح بن فوزان الفوزان-حفظه الله- :
    قال العلامة صالح بن فوزان الفوزان في كتابه إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد :
    قوله تعالى ; ولا شفيعٌ ; أي : واسطة ، يتوسط له عند الله ، ما أحد يشفع لـه يوم القيامة إلا بإذن الله سبحانه وتعالى ، وبشرط أن يكون هذا الشخص ممن يرضى الله عنه ، هذه شفاعة منفيّة فبطل أمر هؤلاء الذين يتخذون الشفعاء ويظنون أنهم يخلصونهم يوم القيامة من عذاب الله كما يقول صاحب " البردة " :
    يا أكرم الخلق ما لي من أولذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
    إن لم تكن في معادي آخذاً ***** بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلّة القدم
    هذا على اعتقاد المشركين أن الرسول يأخذ بيده ويخلصه من النار ، وهذا ليس بصحيح ، لا يخلصه من النار إلا الله سبحانه وتعالى إذا كان من أهل الإيمان .
    إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 1 / 241 )
    -------------------------
    عن أنس رضي الله عنه : أن أناساً قالوا يارسول الله ، ياخيرنا وابن خيرنا ، وسيدنا وابن سيدنا ، فقال (( يا أيها الناس قولوا بقولكم ، ولايستهوينكم الشيطان ، أنا محمد رسول ؛ عبد الله ورسوله ، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل )) رواه النسائي بسند جيد .
    فهذان الحديثان يُستفاد منهما فوائد عظيمة :
    الفائدة الأولى : فيه التحذير من الغلوّ في حقِّه صلى الله عليه وسلم عن طريق المديح ، وأنّه صلى الله عليه وسلم إنّما يوصف بصفاتِه التي أعطاهُ الله إيَّاها : العبوديّة والرِّسالة ، أمّا أن يُغلي في حقَّه فيوصف بأنّه يفرِّج الكُروب ويغفر الذنوب ، وأنه يستغاث به - عليه الصلاة والسلام بعد وفاته ، كما وقع فيه كثيرٌ من المخرِّفين اليوم فيما يسمّونه بالمدائح النبوية في أشعارهم : " البردة " للبوصيري ، وما قيل على نسجها من المخرفين، فهذا غلو أوقع في الشرك، كما قال البوصيري :
    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
    إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم
    فإن من جودك الدنيا وضرتها *****ومن علومك علم اللوح والقلم
    فهذا غلوٌّ - والعياذ بالله - أفضى إلى الكفر والشِّرْك ، حتى لم يترُك لله شيئاً ، كلّ شيء جعله للرسول صلى الله غليه وسلم : الدنيا والآخرة للرسول ، علم اللوح والقلم للرسول ، لا ينقذ من العذاب يوم القيامة إلا الرسول ، إذاً ما بقي لله عز وجل ؟
    وهذا من قصيدةٍ يتناقلونها ويحفظونها ويُنشدونها في الموالد .
    وكذلك غيرُها من الأشعار ، كلّ هذا سببه الغلوّ في الرّسول صلى الله عليه وسلم .
    وأمّا مدحُه صلى الله عليه وسلم بما وصفه الله به بأنّه عبدٌ ورسول ، وأنه أفضل الخلق ، فهذا لا بأس به ، كما جاء في أشعار الصحابة الذين مدحوه ، كشعر حسان بن ثابت ، وكعب بن زهير ، وكذلك كعب بن مالك ، وعبدالله بن رواحة ، فهذه أشعار نزيهة طيبة ، قد سمعها النبي صلى الله عليه وسلم وأقرها ، لأنها ليس فيها شيءٌ من الغلو ، وإنما فيها ذكر أوصافه صلى الله عليه وسلم .
    إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 2 / 312 )
    -------------------------
    ففي قوله : " عبدالله " ردٌّ على الغلاة في حقه صلى الله عليه وسلم .
    وفي قوله : " رسوله " ردٌ على المكذبين الذين يكذّبون برسالته صلى الله عليه وسلم ، والمؤمنون يقولون : هو عبدالله ورسوله .
    هذا وجهه الجمع بين هذين اللفظين ، أن فيهما رداً على أهل الإفراط وأهل التفريط في حقه صلى الله عليه وسلم .
    وفيه : ردٌ على الذين غلو في مدحه صلى الله عليه وسلم من أصحاب القصائد ، كقصيدة البُردة والهمزية وغيرهما من القصائد الشركية التي غلت في مدحه صلى الله عليه وسلم ، حتى قال البوصيري :
    يا أكرم الخلق ما لي من أولذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
    فنسي الله سبحانه وتعالى .
    ثم قال :
    إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم
    يعني : ما ينجيه من النار يوم القيامة إلاّ الرسول .
    ثم قال :
    فإن من جودك الدّنيا وضرّتها ***** ومن علومك علم اللّوح والقلم
    الدنيا والآخرة كلها من وجود النبي صلى الله عليه وسلم ، أما الله فليس له فضل ، هل بعد هذا الغلو من غلو ؟؟ .
    واللّوح المحفوظ والقلم الذي كتب الله به المقادير هذا بعض علم النبي صلى الله عليه وسلم ، ونسي الله تماماً - والعياذ بالله - .
    وكذلك من نهج على نهج البردة ممن جاء بعده ، وحاكاه في هذا الغلو ، هذا كله من الغلو في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ومن الإطراء .
    أما المؤمنون فيمدحون الرسول صلى الله عليه وسلم بما فيه من الصفات الحميدة والرسالة والعبودية ، كما أرشد إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، كما عليه شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم الذين مدحوه وأقرّهم ، مثل : حسّان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وكعب بن زُهير ، وعبدالله بن رواحة ، وغيرهم من شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم الذين مدحوه بصفاته صلى الله عليه وسلم ، وردوا على الكفّار والمشركين .
    هذا هو المدح الصحيح المعتدل ، الذي فيه الأجر وفيه الخير ، وهو وصفه صلى الله عليه وسلم بصفاته الكريمة من غير زيادة ولا نُقصان .
    ومن الغلو في حقه صلى الله عليه وسلم : إحياء المولد كل سنة ، لأن النصارى يحيون المولد بالنسبة للمسيح على رأس كل سنة من تاريخهم ، فبعض المسلمين تشبه بالنصارى فأحدث المولد في الإسلام بعد مضي القرون المفضلة ، لأن المولد ليس له ذكر في القرون المفضلة كلها ، وإنما حدث بعد المائة الرابعة ، أو بعد المائة السادسة لما انقرض عهد القرون المفضلة ، فهو بدعة ، وهو من التشبه بالنصارى .
    وتبين هنا ما يُستفاد من هذه الأحاديث باختصار :
    المسألة الأولى : التحذير من الغلو في مدحه صلى الله عليه وسلم ، لأن ذلك يؤدي إلى الشرك ، كما أدى بالنصارى إلى الشرك .
    المسألة الثانية : فيه الرد على أصحاب المدائح النبوية التي غلوا فيها في حقه صلى الله عليه وسلم ، كصاحب البردة ، وغيره .
    المسألة الثالثة : فيه النهي عن التشبه بالنصارى ، لقوله : " كما أطرت النصارى ابن مريم ".
    إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 1 / 274 / 280 / 281 ) )
    -------------------------
    فإذا كان الرسول أنكر الاستغاثة به فيما يقدر عليه ، فكيف بالاستغاثة به فيما لا يقر عليه إلا الله سبحانه وتعالى ؟ ، وكيف بالاستغاثة بالأموات ؟ . هذا أشد إنكاراً.
    وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم منع من الاستغاثة الجائزة في حياته تأدُّباً مع الله ، فكيف بالاستغاثة به بعد وفاته ؟ ، وكيف بالاستغاثة بمن هو دونه من الناس ؟ . هذا أمر ممنوع ومحرّم . وهذا وجه استشهاد المصنّف رحمه الله بالحديث للترجمة .
    إذاً فقول البوصيري :
    يا أكرم الخلق ما لي من أولذ به *****سواك عند حلول الحادث العمم
    إن لم تكن في معادي آخذاً ***** بيدي فضلاً وإلا قل يا زلّة القدم
    فإن من جودك الدّنيا وضرّتها ***** ومن علومك علم اللّوح والقلم
    أليس هذا من أكبر الشرك ؟
    يقول : ماينقذ يوم القيامه إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولايخرج من النار إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، أين الله سبحانه وتعالى ؟ .
    ثم قال : إن الدنيا والآخرة كلها من جود الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلم اللوح المحفوظ والقلم الذي كتب في اللوح المحفوظ بأمر الله هو بعض علم الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب .
    وهذه القصيدة ـ مع الأسف ـ تطبع بشكل جميل وحرف عريض ، وتوزع ، وتقرأ ، ويُيعتنى بها أكثر مما يعتنى بكتاب الله عز وجل ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
    إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 1 / 202 )
    -------------------------
    بل إن بعض الغلاة يقول : إن التسمي بمحمد يكفي ، يقول صاحب البردة :
    فإن لي ذمة منه بتسميتي محمداً ***** وهو أوفى الخلق بالذمم
    لاينفع عند الله إلا العمل الصالح ، لا الأسماء ولا القباءل ، ولا شرف النسب ، ولا كون إنسن من بيت النبوة ، كل هذا لاينفع إلا مع العمل الصالح والاستقامة على دين الله عز وجل .
    نعم القرابة من الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كانت مع العمل الصالح لها فضل لاشك فيه ، فأهل البيت الصالحون المستقيمون على دين الله لهم حق ، ولهم شرف كرامة ، ويجب الوفاء بحقهم ، طاعة للرسول صلى الله عليه وسلم ، فإنه أوصى بقرابته وأهل بيته ، لكن
    يريد القرابة وأهل البيت المستقيمين على طاعة الله عز وجل ، أما المخرّف والدجّال والمشعوذ الذي يعتمد على قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكنه في العمل مخالف للرسول صلى الله عليه وسلم ، فهذا لا يُعنيه شيئاً عند الله ، لو كان هذا ينفع أبا لهب ، ونفع أبا طالب، ونفع غيرهم ممن لم يدخلوا في دين الله ، وهم من قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالواجب أن نتنبّه لهذا .
    إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 1 / 201 )
    راجع كتاب إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للشيخ العلامة / صالح بن فوزان الفوزان
    و الحمد لله رب العالمين.
    منقول




    .

      الوقت/التاريخ الآن هو 21.08.17 17:44